العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1393)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1393
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-مارس-2000
تعلم العربية واجب ديني
اللغة العربية ليست مادة لفظية فحسب وإنما هي إلى جانب ذلك طاقة فكرية وعلمية وشعورية تحمل في مضمونها فاعليات النشاط الإنساني والحضاري
بقلم: د. محمد السيد على بلاسي.
كانت دراسة اللغة العربية عند الأقدمين مرتبطة بالعامل الديني، ونتيجة لهذا الارتباط الوثيق خلفت لنا العصور الأدبية على امتداد التاريخ التمامًا كبيرًا بلغة القرآن؛ سواء فيما يتصل برصد مروياتها من الآثار الأدبية من شعر ونثر، أو فيما يتصل بإحصاء مفرداتها، أو فيما يتصل باستنباط القواعد والأسس التي تعنى بسلامتها، والمحافظة على أصولها (1).
ويقرر هذا أبو منصور الثعالبي (٣٥٠-٤٢٩هـ)؛ إذ يقول: من أحب الله تعالى، أحب رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عنى بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وأتاه حسن سريرة فيه؛ اعتقد أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خير الرسل والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد.
ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن وزيادة التبصر في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان لكفى بهما فضلًا (۲).
فاللغة العربية ليست مادة لفظية وأصواتًا مسموعة فحسب؛ لكنها إلى جانب ذلك طاقة فكرية وعلمية وشعورية، تحمل في مضمونها فاعليات النشاط الإنساني والحضاري بأبعاده وألوانه.
والعالم بدوله وشعوبه لن يفهم العرب حق الفهم، وأن يدرك الإسلام وحضارته تمام الإدراك إلا بواسطة اللغة العربية، تلك المفتاح السحري القادر على إزاحة الستار الحديدي أمام العالم لفهم حقيقة العرب والمسلمين (٣).
والعربية التي اصطفاها الله من بين اللغات جميعًا لتكون وعاءً لكتابه الخالد: (القرآن الكريم)، كما اختارها لتكون لسان نبيه الأمين، أوجب الشارع الحكيم تعلمها، حتى يفهم مقاصد الكتاب والسنة.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده؛ حتى يشهد به ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك (٤).
ويؤكد الجاحظ (۱٥٩ – ٣٢٥ هـ) هذه الحقيقة الوحيدة؛ إذ يقول: للعرب أمثال واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإراداتهم، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام، وفي ضروب من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن؛ هلك وأهلك (٥).
من هنا، أوجب شيخ الإسلام ابن تيمية على المسلم تعلُّم اللغة، فقال: إن معرفة اللغة من الدين، ومعرفتها فرض واجب، وإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٦).
وغاية القول: إن فهم النصوص هو منطلق البحث عن الأدلة الشرعية والفهم موكول إلى المعرفة الدقيقة باللغة، وبتصاريف القول فيها؛ إذ لا يتأتى استنباط حكم لا تقتضيه طبيعة اللغة.
من هنا أصبحت اللغة عند الأصوليين وسيلة لاستنباط الحكم، تتجه إلى الاصطلاح وتخاطب العقل، وقد أورد السيوطي (۹۱۱ه) قول حرملة بن يحيى سمعت الشافعي يقول: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطو طاليس، ولم ينزل القرآن ولا أتت السنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال لا على مصطلح اليونان، ولكل قوم لغة واصطلاح (۷).
وهكذا يتضح أن المنهج في استنباط الحكم من النص أسس على منطق العربية، وابن خلدون وهو يؤرخ للعلوم في الحضارة الإسلامية، أطلق علوم اللسان العربي على علوم العربية، وجعلها أركانًا أربعة: اللغة، والنحو، والبيان، والأدب، وقرر أن معرفتها ضرورية على أهل الشريعة؛ إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة (۸).
الحملة على اللغة حملة على الدين
اتخذ أعداء الإسلام اللغة العربية بوابة خلفية للنيل من المسلمين وإبعادهم عن عقيدتهم. واستخدموا صنوفًا من المكائد للوصول إلى مآربهم الخسيسة.
ويحدد الأستاذ محمد قطب بعض الخطوات التي اتبعها أعداء الإسلام لضرب الدين عن طريق اللغة، فيقول (٩): حينما تولى (المستر دنلوب) القسيس الثري الذي عينه كرومر مستشارًا لوزارة المعارف ليضرب الأزهر على الأسلوب البطيء الأكيد المفعول، ففتح مدارس جديدة تعلم العلوم الدنيوية، ولا تعلم الدين إلا تعليمًا هامشيًّا، أما من ناحية اللغة العربية لغة القرآن الذي يحترق قلب الصليبية حقدًا عليه، فقد خطط دنلوب لقتلها والقضاء عليها، فقد كان الراتب الذي يتقاضاه المدرسون من أصحاب المؤهلات العليا اثني عشر جنيهًا، إلا مدرس اللغة العربية وحده يتقاضى أربعة جنيهات، وكان لهذا الوضع انعكاساته ولا شك؛ سواء في داخل المدرسة أو المجتمع.
وهكذا يتحدد وضع مدرس اللغة العربية في المجتمع بقدر ما يتحدد راتبه ويصبح مادة دائمة للسخرية يتحدث الناس من جهله وتخلفه وضيق فهمه وانحطاط مستواه الاجتماعي والفكري، وأشد ما يعاب عليه أنه لا يعلم اللغة الأجنبية، وحين أصبح مدرس اللغة العربية في هذا الوضع المهين الذي لا يبعث على الاحترام، فإن وضعه يؤثر حتمًا على المادة نفسها، وهذا هو الهدف المقصود.
وبالفعل انتقل هذا الوضع المهين المزري من المدرس إلى المادة، وبذلك أصبحت اللغة العربية موضع الازدراء والتحقير والنفور.
وهكذا صوبت السهام إلى اللغة العربية من كل جانب؛ لأن المكتوب باللغة العربية وهو القرآن الكريم والمطلوب صرف الأمة عن تراثها وعلى رأسه القرآن.
كما تم صرف المسلمين في تركيا عن تراثهم الإسلامي بتغيير الحروف العربية، وكتابة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية على يد مصطفى كمال وتصفية اللغة التركية من معظم الكلمات العربية التي تتضمنها، لتنشأ أجيال تعجز عجزًا كاملًا عن الاتصال بتراثها الإسلامي، وقد قامت في مصر محاولات مشابهة على يد عبد العزيز فهمي وغيره، ولكنها ولدت ميتة ولم يقدر لها النجاح.
وبعد: فلنستمع لأديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي؛ إذ يقول (۱۰): ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة التي يستعمرها، ويحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد:
فالأول: حبس لغتهم في لغته سجناً. مؤبدًا.
والثاني: حكم على ماضيهم بالقتل صحوًا ونسيانًا.
والثالث: تغيير مستقبلهم بالأغلال التي يضعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع.
--------------------------------------------
الهوامش.
١ – مقالات وآراء في اللغة العربية للدكتور حمد بن ناصر الدخيل ص ٥٣-٥٤ الطبعة الأولى، دار الشبل بالرياض، سنة ١٤١٥هـ.
٢ – فقه اللغة العربية وسر العربية للثعالبي (المقدمة)، بتحقيق السقا وآخرين. ط. الحلبي، سنة ١٣٩٢هـ.
٣ – مقالات وأراء في اللغة العربية ص ٥٨ بتصرف يسير.
٤ - الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق أحمد محمد شاكر.
٥ - الحيوان لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون 1/154، الطبعة الثانية. مصطفى الحلبي دب.
٦ – اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، ص ٢٠٧.
٧ - العلم باللغة العربية.. ضرورة عقلية ص ٨٧، وانظر: صون الكلام عن فن المنطق والكلام للسيوطي، شرح وتعليق الدكتور سامي النشار ص٤٥ الطبعة الأولى- السعادة سنة ١٩٤٧م.
٨ – المرجع السابق ص٨٧ يراجع: مقدمة ابن خلدون. تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، 3/133، ط،٠ دار نهضة مصر للطبع والنشر سنة ١٩٧٧م.
واقعنا المعاصر: محمد قطب ص232، ٣٣٣.
وحي القلم للرافعي 2/32.
-------------------------------------
واحة الشعر
فلسفة الشاعر المسلم
شعر: عبد الله بن عطية الزهراني
في سبيل الله جرَّدَتْ الْحُسَاما ولدين الحق رصَّعت الكلاما
أنصر الإسلام بالحرف وإن لزم الأمر تجشعت الحماما
أنا شعري واحة مخضرة عذبة الأثداء تَسْتَسْقِي الْغَمَاما
أنا شعري ناطق عن أمتي يجبر الجرح ويكسوه التئاما
أنا شعري لوحة مرسومة بيد الإسلام أعطاها انسجاما
أنبذ العهر ولا أرضى به والخنا نقصيه عنا والغراما
ليس في شعري لليلى ساحة أنا من حسان شديت الخطاما
قدوتي في الشعر أصحاب الحجا للعدا والكفر وجهت السهاما
أمتي همي لها أنشودتي حبها في القلب قد كان لزاما
شاعر المرأة(*) ولى نهره ليته ما قال كفرًا أو حراما
أيها الجيل تعالوا وَانهَلُوا من نمير صار بدرًا يتسامى
من نمير الوحي جوزوا علمكم واتركوا الباطل دومًا والركاما
يا فتاة الدين لا تلتفتي نحو من أطلق النفس الزماما
حاربي المجرم لا تكترثي بشعارات إلى الكفر ترامى
للحجاب اليوم قامت ضجة قادها مَنْ يُضْرِمُ النَّار ضراما
يا فتاة الدين قولي قولة يا حجابي سوف أكسوك احتشاما
با حجابي أنت عندي دوحة أنت علقت على صدري وساما
هكذا الشعر وهذا دوره ينصر الحق وَيَجْتَثُ الخصاما
هكذا الشعر لسان صادق يرفع العلم، ويجتاح الظلاما
أقصد الشعر المزكى والذي صرم المنكر والزور صراما
أيها الشعار صونوا نعمة وادفعوا الباطل عنها والأثاما
نعمة الإفصاح لا تعد لها نعمة فارعوا حماها والذماما
كم فصيح سار في درب الهوى ركب البغي، ويلحق نعامى
كم بليغ جرع الحرف دمًا صاحب الشيطان واشتاق الهواما
نحن في عصر تفشي شره أنتج الأدواء فينا والسقاما
نحن في عصر رأينا كفه تزرع الشوك وتغتال اليتامى
نحن في عصر سمعنا صوته يشتم الدين، ويُصليه انتقاما
نحن في عصر أردنا شاعرًا يكسب المعدوم دفئا ووئاما
شاعرًا يرفع صرحًا شامخًا ويقول الحق لا يَخْشَى الملاما
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل