العنوان المجتمع الثقافي (عدد 1224)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
مشاهدات 61
نشر في العدد1224
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
ومضة
قال محدثي في نشوة حالمة- ألا ترى أن المثل المشهور: «إذا كان بيتك من زجاج فلا تقذف الناس بالحجارة»، ينطبق على الغربيين الذين يحاولون اكتشاف بعض الأخطاء أو تشويه بعض الحقائق في تاريخنا المجيد، بينما نمتلك عشرات الأدلة ومئات الشواهد على زلاتهم وعثراتهم بل وسقوطهم وسخافاتهم، ومع ذلك فهم الذين يتهجمون علينا، وينتقصون من تراثنا، ويعملون جاهدين للنيل من حضارتنا، وتجاهل عطائها وإنكار فضلها، وإغفال ما حققته من إنجازات يعترف المنصفون منهم- وهم قليل- بأثرها على نهضتهم التي يفخرون ويتباهون بها علينا.
قلت له: مهلًا يا صديقي فإن ما تراه من ارتفاع صوتهم وخفوت صوتنا، وانتشار ادعاءاتهم واتهاماتهم وتزييفاتهم مع انزواء أقوالنا وأفكارنا وحقائقنا، إلى درجة أنه لا يحس بها ولا يبصرها ولا يسمعها كثير من الناس لا سيما أولئك المأخوذون بصخب زفتهم وضجيج استعراضاتهم.. يرجع إلى أسباب لا ينبغي أن نغفل عنها أو نتجاهل دورها .
قال- وقد بدا عليه الاهتمام-: ما الذي يغيب عنا من أسباب تفوق كلمتهم على كلمتنا وغلبة ثقافتهم لثقافتنا؟
قلت له: أول هذه الأسباب أنهم يقولون ها نحن أمامكم، ونحن نقول لهم كانت لنا أمجادنا!! هم يقولون هذه حضارتنا، ونحن نحدثهم عن ماضي حضارتنا!! هم يعرضون منجزاتهم، مغلفة بنظرتهم وثقافتهم وآرائهم، ونحن نقدم ثقافتنا مجردة من فاعليتها وقدرتها على الإنتاج!! لأننا نصف غابرًا، وهم يقدمون حاضرًا، هم يعيشون عصرهم وزمانهم، ونحن رضينا بالعيش في طوايا التاريخ، نحلم بالعودة إلى الوراء، ونجتر الذكريات الجميلة، دون أن يكون لنا يد في تشكيل واقعنا، أو إرادة في تغيير نفوسنا والانتقال بحاضرنا إلى الأفضل والأرفع!!
أضف إلى ذلك أنهم امتلكوا كل وسائل القوة التي تمكنهم من تحقيق رغباتهم وتأمين السيطرة لطروحاتهم.. ألا ترى أن الحق الأعزل لا يستجيب له إلا قليل من الناس، بينما يتراكضون للارتماء، في أحضان الباطل المدجج بالسلاح.
ألم تقرأ أن الرسول ﷺ وصف بالجنون والسحر والكهانة وهو في مكة، وعندما علا شأنه في المدينة دخل الناس في دين الله أفواجًا وجاءه بعد ذلك عتاة المشركين، يقولون له: أخ كريم، وابن أخ كريم.
واحة الشعر
الأقصى ينادي صلاح الدين
شعر: د. محمد حكمت وليد «*»
صوت من المسجد الأقصى يناديني
يا رحمة الله من كربي أغيثيني
أين المحامون عن عرضي وعن شرفي
فالظلم أصبح في أرضي يُعنيني
أشكو إلى الله ما ألقاه من عَنت
أليس من رهط قومي من يواسيني؟
جند العدو أتوا بالسيف يقطعني
وشرطة الأهل جاؤوا بالسكاكين
ولست أدري أجرح السيف ألم لي
أم أن نائبتي في حد سكين؟!
***
إني أقلب طرفي في البلاد فلا
أرى الرجال!! وقومي بالملايين
إلا رجالًا على درب الجهاد مشوا
وقدموا الروح قربان القرابين
فابعدوا أدعياء السلم عن نظري
ليسوا بأهلي إذا انقادوا لصهيون
يُصافحون الصهايين العتاة ولا
يُصافحون شبابًا لابن ياسين
يُطبعون مع الأعداء أنفسهم
كأنهم حَمَل في كف تنين
يستصرخون «نتنياهو»، لينصفني
وهو الذي ود لو في النار يلقيني
ساروا وسار عدو الله في نفق
يمشي بخاصرتي مشي الثعابين
عنوا لأهواء أمريكا وقد وضعت
قانون صهيونها فوق القوانين
***
قالوا سيبنون فوقي هيكلًا وأنا
طهر المعابد يجري في شراييني
لو جاء صحني سليمان لعظمني
وقام في منبري يدعو إلى ديني
حفظت بالحق والإسلام دعوته
كلؤلؤ في شغاف القلب مكنون
وإن علا السامري اليوم في صلف
فالله نحو سماء الحق يعليني
***
قد أشرق الصبح حقًا لا مراء به
وأسفر الحق وضاح الموازين
وأرض حطين قد طاب الجهاد بها
وأرض حطين طابت بالميامين
يا رب.. يا رب انصر أهل حطين
وابعث إلى صلاح الدين يحميني
وقل لأحفاده إني لمنتظر
قدومكم يا دعاة الحق والدين
«*» عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
إسلامية الثقافة
في مواجهة الغزو الفكري واحتواء الثقافة المعاصرة
نحن لا نقر ما يسمى «عالمية الثقافة» حرصًا على بقاء الذاتية الإسلامية واضحة في تميزها وخصوصيتها
إن علماء الغرب وصلوا إلى مرحلة الشك في قدرة المنهج الغربي على العطاء وتطلع كثيرون منهم إلى الإسلام كمنقذ لمجتمعهم وحضارتهم
بقلم: أنور الجندي «*»
إن ثقافة أي أمة هي في الحقيقة خلاصة عقيدتها وجوهر فكرها وقيمها، ومن ثم فإن الثقافة أساسًا تقوم على العقيدة والقيم قبل أن تقوم على اللغة والعنصر، وأن بين العناصر المختلفة الداخلة تحت لواء الإسلام وحدة أساسية عميقة الجذور هي وحدة العقيدة والقيم وما شكلته من عادات وتقاليد، بل إن اللغة العربية التي هي وعاء القرآن الكريم قد أصبحت منذ نزل بها الوحي جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة الجامعة.
ومن هنا فإن مقايسة الثقافة الإسلامية على نظريات الثقافة العالمية المختلفة تختلف اختلافًا شديدًا من حيث إنها تصدر عن منهج جامع «بين العقيدة والشريعة والأخلاق» ومن حيث إنها تمثل دينًا يربط بين العقيدة والنظام في نفس الوقت، ومن ثم فهي مترابطة الحلقات موصولة المراحل بين العصور منذ بزوغ فجر الإسلام إلى اليوم، وهي بطابعها المميز قادرة دومًا على العطاء لا تتوقف ولا تعجز عن أداء دورها في مواجهة التحدي الخطير الذي ما زال يواجهها منذ يومها الأول، ذلك التحدي المتمثل في احتواء الفكر البشري لها وهي محاولة لم تتوقف أبدًا، وقد قاومها المسلمون في المرحلة الأولى حين ترجمت الفلسفات اليونانية والفارسية والهندية ودحضوا شبهاتها ومخاطرها، ثم هم يواجهونها اليوم في زحف الفكر الغربي عليها من خلال قنواته الثلاث: «الغربية والصهيونية والماركسية» في معركة لا تقل شراسة عن مرحلة ترجمة الفلسفات القديمة.
وبعد: فلما كان الدين في مقدمة العناصر التي استعان بها الإنسان في محاولته للوصول إلى الكمال الإنساني، فقد ارتبطت الثقافة بالعقيدة أساسًا، ولما كان الإسلام قد جاء بمنهج حياة ونظام مجتمع فقد أصبح ارتباط الثقافة بالعقيدة عاملًا أساسيًا يفوق ارتباطها باللغة أو العرق، ومن هنا كانت الثقافة من العلم ومن المعرفة بمثابة المنهج الخاص المرتبطة بالأمة، وبينما جاء العلم تراثًا إنسانيًا عامًا جاءت الثقافة ذات خصوصية متميزة، تحتوي منظومة جامعة بين العقيدة والقيم والعادات والتقاليد.
وتتميز الثقافة الإسلامية بطوابع عدة:
أهمها الربانية والأخلاقية والوحدة بين العناصر، كما تتميز بطابع المقاومة في مواجهة الاحتواء والانصهار، فنحن لا نقر ما يسمى «عالمية الثقافة» المفروضة في هذا العصر على الأمم، كما تتميز بطابع التبليغ الذي هو فريضة على المسلمين أبد الدهر، في تقديم عقيدتهم إلى العالمين مما يستدعي المحافظة على معالمها كاملة وأصولها صحيحة، حتى لا تحتوي أو تذوب في الثقافات أو الكيانات العالمية المسيطرة.
وقد وضح في هذا العصر أمر صلاحية المنهج الإسلامي للعالم كله وقدرته على العطاء العالمي للبشرية في مختلف المجالات.
ولقد كان حرص المسلمين على مدى العصور الماضية حرصًا شديدًا على بقاء الذاتية الإسلامية، واضحة في تميزها وخصوصيتها إيمانًا بأننا أمة لها كيانها الحضاري وتاريخها العريق ولها رسالتها الخالدة إلى العالمين.
ولقد تميزت الثقافة الإسلامية عن الثقافات الغربية المادية أو الشرقية الروحية بطابع التكامل الجامع بين الروح والمادة، والعقل والقلب وانطلاقها من عقيدة التوحيد الخالص، القائم على إسلام الوجه لله تبارك وتعالى، وأخلاقية الحياة، والمسؤولية الفردية، والإيمان بالغيب والجزاء، وتكامل العناصر الروحية والفكرية في منظومة واحدة، ولما كانت الثقافة الإسلامية تستمد مقومها الأساسي من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فقد شكلت طابعًا أساسيًا تلتقي فيه الأعراق المختلفة: «عربية وفارسية وتركية وهندية جميعًا» وهي التي تستمد عقيدتها وفكرها ومنهجها الاجتماعي والأخلاقي من هذا المنهج الأول والنبع الأصيل، وقد اتسعت رقعة عطاء الثقافة الإسلامية بحيث لم تجعل للعوامل الجغرافية والعادات والتقاليد والطوابع الإقليمية الخاصة إلا قدرًا ضئيلًا لا يؤثر على هذا الطابع الجامع المتمثل في الأخلاقيات والسلوك ووجهة الفكر، وغاية الحياة، ما دام موضوعًا في حجمه الصحيح ولم تستعمل لمغالبة الأصل الأصيل، وإذا كانت الثقافة قد ارتبطت بالعقيدة أساسًا فإن ميراثها قد جعلها مرتبطة أيضًا باللغة العربية التي ليست في الحقيقة لغة قومية للعرب فحسب، بل هي للمسلمين لغة ثقافة وعبادة وفكر، ومن هنا كان- الارتباط بالتراث الإسلامي جزءًا، من ارتباطها بالثقافة الإسلامية عامة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الثقافة الإسلامية تختلف عن الثقافة الغربية في مقوماتها وأهدافها جميعًا، حيث تستمد كل ثقافة مقوماتها من عناصر أساسية مختلفة، فالثقافة الغربية تستمد مصادرها من الفكر اليوناني والقانون الروماني والمسيحية الغربية، بينما تستمد الثقافة الإسلامية مقوماتها من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهكذا تختلف الثقافة الغربية في معظم مبادئها عن الثقافة الإسلامية وخاصة في أمر العقيدة والقيم، بل إن الباحث المدقق يجد أنهما تقومان على فكرتين في النظر إلى الحياة والكون والإنسان متناقضتين تمامًا، أبرزها في الثقافة الغربية:
- إنكار ما سوى الحسي «وهو تعبير يؤدي إلى إنكار الوحي والنبوة والغيب»
- نسبية الأخلاق، مما يجعلها ليست من القيم الثابتة المرتبطة بالعقيدة.
- إسناد حركة الحياة إلى الطبيعة بديلًا عن الله تبارك وتعالى.
- بروز نظرية الاستغناء عن التوجيه الإلهي جملة.
- إقرار نظرية التطور المطلق بما يتجاهل تمامًا قاعدة الإسلام القائمة على «الثوابت والمتغيرات».
- اعتماد مفاهيم وقيم تخالف النص القرآني مخالفة صريحة كنظرية دارون، ونظرية فرويد، ونظرية ماركس، ونظرية سارتر، ونظرية دوركام، وهي نظريات وليست علومًا، وقد تكشف عجزها عن العطاء في أبحاث علمية موثقة.
- الانشطارية التي تفصل بين القيم وتجعل لكل منها حريتها الخاصة، بينما يقيم الإسلام قاعدة التكامل بين القيم.
ولقد وضح منذ وقت بعيد عمق هذا الخلاف الذي كشفه دعاة اليقظة الإسلامية إلى تحرير مفهوم الثقافة الإسلامية من التبعية والاحتواء، وجاء ذلك نتيجة للغزو الفكري الذي عهد إلى الغرب في محاولة لتحطيم أجنحة الثقافة الإسلامية وصهرها في بوتقة الثقافة العالمية الأممية وإزالة تميزها الخاص، ولقد استطاعت الثقافة الإسلامية أن ترتفع فوق الاحتواء، وسعت إلى كسر أطواق الحصار لتعلن وجودها المتميزة وطابعها الخاص: الرباني المصدر، الإنساني الوجهة، العالمي الغاية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وكان القرآن الكريم والسنة المطهرة «ميراثنا الخالد» هما مصدر القوة القادرة على إخراجنا من الاحتواء، فقد أعطى الإسلامي معتنقيه والمؤمنين به أمرين أساسيين:
أولًا: القدرة على الخروج من الحصار.
ثانيًا: القدرة على إعادة تصحيح المسيرة.
وسرعان ما استطاعت الثقافة الإسلامية أن تخرج معلنة عن مضمونها الأصيل:
أ- مضمون التكامل الجامع «ولا أقول الشمولي» بين الروح والمادة، والعقل والفكر، والدنيا والآخرة.
ب- اعتماد قاعدتي الربانية والأخلاقية أساسًا لحركتها منذ المنطلق إلى العودة.
ولم تكن مرحلة التخلف، أو الضعف، أو التوقف عن البث الحضاري كما يصورها خصوم الإسلام هي مرحلة الانحطاط كما وصفها- جرجي زيدان وهي تسمية ظالمة، فقد استطاع- العلماء المسلمون في مرحلة الأزمة هذه أن يقدموا الموسوعات الكبرى التي أعادوا بها إلى الحياة العلوم التي تعرضت لخطر التتار والصليبيين.
وقد بقيت قضية التخلف تشغل علماء المسلمين وتلهب مشاعرهم عوامل الأزمة الطارئة على الأمة الإسلامية وتعددت وجهات النظر، ولكن الشيء الذي أجمعت عليه كل القوى- الصادقة النصح: هو أن تخلف المسلمين نتج عن- شعور بالتراخي والفتور، والأخذ بالرخص دون العزائم، والانفصال عن تطبيق المنهج الرباني، وتلك سنة الأمم التي علمها القرآن الكريم- للمسلمين إذا هم غفلوا عن حراسة منهج الله- وحراسة ثغورهم وتجاوزوها ضربتهم سنة الحضارات والأمم، فإذا عادوا إلى الله كشف عنهم الأزمة وأقامهم على الحق.
غير أن تتابع أحداث التاريخ يؤكد أنه لم يمر عصر من عصور الإسلام دون أن يرتفع صوت بدعوة المسلمين إلى العودة لمنابعهم وتنقية فكرهم من عوامل التقليد والتبعية.
وقد انبهرت الأمة الإسلامية بزخارف وسحر الغرب ثمة، ولكنها لم تلبث أن وعت نفسها وكشف لها التجربة عن الفارق العميق، في الوسائل والغايات أيضًا، فقد كانت الثقافة الغربية غير منصفة حين هاجمت المنهج الإسلامي، وأشد عقوقًا حين تجاهلت عطاء الحضارة الإسلامية.
وانتقلت الثقافة الإسلامية من مرحلة ما فرض عليها إلى مرحلة النقد والمعارضة واستعادة قدراتها بعد أن تكشف لها زيف دعاوى المدعين بأننا نستطيع أن نواجه الغرب بأسلحته، وتبين لنا أن للإسلام والمسلمين أسلحتهم ومقاييسهم للأمور وقيمهم الخاصة التي لا ينتصرون إلا بها ومن خلالها وعرفوا أن مجتمعهم لا يستقيم إلا على الأساس الرباني الذي قام عليه أصلًا منذ أربعة عشر قرنًا، وأنه لا يستطيع أن يعدل عن هذا المنهج إلى منهج بشري مضطرب يعجز عن العطاء بعد قليل، ويحتاج إلى الإضافة والحذف، ولقد كشفت الأحداث فساد وجهة الداعين إلى اعتناق ثقافة الغرب، وجاءت نكسة 1967م لتضع النهاية لهذه المحاولة المقيتة، حيث تأكد للمسلمين أنه لا يوجد أمامهم إلا طريق واحد: هو طريق القرآن.
وقد أكد هذا وآزره أن علماء الغرب ومفكريه وقادته كانوا وصلوا إلى مرحلة الشك في قدرة المنهج الغربي على العطاء، وتطلع كثيرون منهم إلى الإسلام كمنقذ لمجتمعهم وحضارتهم بعد أن عجزت الأيديولوجيات الليبرالية والماركسية على السواء عن إعطاء الجنس البشري بعامة أشواق النفس وطمأنينة القلب والعدل والرحمة والإخاء، كما عجرت مذاهب الشيوصوفية والبوذية وغيرها من ذلك تمامًا.
وقد أكد صدق الوجهة إلى الثقافة الإسلامية فشل تلك التجربة التي قام بها بعض المفكرين المسلمين في محاولة لإقامة نوع من العلاقة التوفيقية بين التعاليم الإسلامية والحضارة الغربية، بل إن بعض الذين دعوا إليها واشتركوا فيها أعلنوا أن الوجهة كانت خاطئة، وأن النبت الغربي الذي وضعوه في أرض الإسلام لم يثمر، كما أشار إلى ذلك «هيكل ومنصور فهمي ولطفي جمعة» إلخ.
ولذلك فهم أنفسهم قد أعلنوا فشل التجربة بعد أن تبين لهم أن الغرب لم يكن يريد التقاء حرًا، وإنما كان يريد سيطرة واحتواء يؤديان إلى صهر الثقافة الإسلامية في الغرب عن طريق القوة الاستعمارية السياسية المسيطرة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)
كما تبين أن كل محاولات الالتقاء، كانت ترمي إلى تخذيل قيم الإسلام، كما أعلن هؤلاء الدعاة أن الغرب قد وصل في التحدي إلى غاية مداه حين أطلق بعثات التبشير والتنصير تعمل على إخراج المسلمين من قيمهم الحقيقية وتحويلهم إلى لا دينيين يرفضون الإسلام ويكرهونه.
وقد بدا ذلك واضحًا في مؤامرة الغزو الفكري من حيث فرض مفهوم للإسلام يختلف عن مفهومه الجامع المتكامل، ويرمي إلى تصور لاهوتي قاصر عن حدود العلاقة بين الله تبارك وتعالى والإنسان، متجاهلًا أو منكرًا منهج الإسلام في بناء المجتمعات سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بوصفه عقيدة ونظامًا.
كانت محاولة الغزو الغربي هي احتواء الثقافة الإسلامية- التي هي المنطلق الأساسي لحركة الفكر الإسلامي- وتقييدها أولًا بعزلها عن النظام وقصرها على العقيدة، ثم كانت محاولة فرض نظرية الأقليات والقوميات، والتركيز عليها والعمل لها من أجل هدم الوحدة الإسلامية الجامعة للمسلمين، وقد استعان على ذلك بتحريف تاريخ الأقطار وفصله عن تاريخ الإسلام العام، والتركيز على الحفريات التي تعلي شأن ما قبل الإسلام من دعوات الفرعونية والفينيقية والأشورية والزنجية وغيرها، ودعم مفاهيم القبلية والعرقية والطائفية وتأكيدها في محاولة واسعة للحيلولة دون قيام وحدة إسلامية جامعة، وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية.
وكانت محاولته الثالثة خلق وحماية وتوجيه الفرق الضالة كالأحمدية والقاديانية والبهائية ودعمها وإتاحة الفرصة لها للعمل والظهور.
ومن هنا فإن وضع استراتيجية مؤصلة للثقافة الإسلامية هو أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة من حياة الأمة الإسلامية من حيث إنها- أي الثقافة- ملتزمة بتطوير حركة الفكر الإسلامي، بحيث يتمكن المجتمع الإسلامي من تطبيق النظم الإسلامية في مجالات الحياة المختلفة «اقتصادية واجتماعية وسياسية» وبحيث لا يقف الأمر عند رفض المفاهيم المعارضة لخصوصية الإسلام، بل بتقديم البدائل التي تظهر إمكانية صلاحية القيم الإسلامية لكل عصر وبيئة، وقدرتها على حل أزمات الأمم والشعوب، وفي مقدمة ذلك بناء المسلم وتحصينه ضد التيارات المعادية في مجال التعليم والصحافة والفن.
إن أخطر ما يواجه الثقافة الإسلامية هي تلك المحاولة التي ترمي إلى تفريغها من محتواها العقائدي بهدف هدم قاعدتي الربانية والأخلاقية فيها، وعلينا أن نظل على يقين لا يتزعزع بأن لكل أمة مقوماتها وقيمها الأساسية التي لا تتخلى عنها، ولها مفاهيمها للقيم الإنسانية العامة بما يختلف عن الأمم الأخرى، وقد تتكامل الثقافات الفرنسية والإنجليزية والأمريكية، لأنها تلتقي في مصادر أولية، أما الثقافة الإسلامية فإنها تختلف عنها نتيجة اختلاف المصادر والمنابع.
إن الخطوة التي تخطوها الثقافة الإسلامية في هذه المرحلة نحو إسلامية المعرفة والعلوم والمناهج هي خطوة على الطريق الصحيح، وهي في حاجة إلى مزيد من تكثيف الجهود وبذل الهمة وحشد القوى حتى يكتمل عملها وتصدق وجهتها وتتجاوز مرحلة الخطر التي يفرضها الغزو الثقافي والتغريب، وخاصة بعد أن تكشفت محاذير كثيرة عن أعمال الاستشراق دفعت إلى ما يجري الآن من تحرير دوائر المعارف الإسلامية من سموم الإلحاد والوثنية والمادية وتأصيلها .
«*» كاتب ومفكر إسلامي مصري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل