; المجتمع الثقافي.. عدد 1302 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1302

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998

مشاهدات 57

نشر في العدد 1302

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 02-يونيو-1998

في النقد الفني (1 من 3)

حمام القيشاني

المسلسل السوري نجح في سرد التاريخ وأخفق في عرض الحقائق

مدريد: نوال السباعي

رائحة الياسمين تنتشر في الدار، وشجيرات النارنج تنتصب في المخلية، وبركة بيت جدي ما تزال تشدو بخرير المياه ... كان هذا أول انطباع لي في أول مرة صادفت فيها مسلسل "حمام القيشاني" السوري، تأليف وسيناريو وحوار الكاتب السوري "دياب عيد" وإخراج "هاني الروماني" والذي وزعته مؤسسة "العين" للإعلان في "أبو ظبي" حيث تم عرضه في وقت واحد في كل من التلفزيون السوري، والقناة الفضائية الخاصة ب"أبو ظبي".

وقد تم عرض هذا المسلسل المتميز الذي قامت عنه إحدى الفتيات المولودات والمقيمات في الغرب، إنه عوضها وحده عنا كانت قد فقدته من الحياة في دمشق خلال ثلاثة عشر عاما من عمرها ... لأنه اشتمل على كل نواحي الحياة في مدينة دمشق ... دون أن يغفل منها إلا ما كان متعمدا إغفاله ... أو أن الكاتب كان وبالفعل فى غاية البعد عنه!!

ولقد عرض هذا المسلسل على مدار ثلاثة أشهر تقريباً، بجزئيه الأول الذي اختص بتصوير الحياة الدمشقية خلال فترة النضال ضد المستعمر الفرنسي وحتى خروجه من سوريا، والجزء الثاني الذي يحكي جملة التغييرات والتطورات العميقة التي صاحبت مرحلة ما بعد الاستعمار أي أنه شمل تقريبا الفترة التاريخية الواقعة ما بين عامي ١٩٤٥م و١٩٥٢م.

كذلك فقد اهتم الجزء الثاني من المسلسل وعلى وجه الخصوص بالتمايزات الحزبية التي ظهرت في جسد المجتمع متماشية مع التغيرات السياسية العامة التي خضعت في تلك الفترة لسلطة الجيش المطلقة على مسار الأمور في هذه الدول الصغيرة الكبيرة، المثيرة للجدل أبدا في تاريخها وحاضرها ومستقبلها.

كل ذلك من خلال سرد تاريخ حياة بعض الأسر الدمشقية العريقة في واحد من أحباء هذه المدينة، مع تحريف بسيط أو تقليد مشابه لأسماء الأصلية.

وإن كان من شيء يمكن قوله بادئ ذي بدء، فهو خلافنا العميق مع المسار الغريب الذي ثبت فيه الأحداث، والذي بدأ يظهر منذ الخلقة الأولي للجزئ الثاني، وهو الأمر الذي سنتعرض إليه وبتفصيل كامل في الحلقة الثانية من هذا الموضوع الذي أفردت له ثلاث خلقات، ولا أظنها بالكثرة_ في رأيي-لأنها تحاول فهم أبعاد هذا العمل الفني التلفزيوني، الذي خاض وبشكل مباشر ولأول مرة- كما أظن- في تاريخ سورية الحديث، الذي يعتبر موضوعا محرما على الكثيرين، الذين منعهم الخوف والوجل من الخوض فيه إلى درجة أن استعصى علينا، وخلال وقت ليس بالقصير العثور على أي مرجع في تاريخ سوريا الحديث بقلم أحد أبنائها أو أبناء الأقطار العربية الشقيقية، إلا في النادر القليل، أول المقتضب المموه، أو المختزل المشوه، ولقد حاول هذا المسلسل عرض صورة عن التركيبة السياسية، والاجتماعية للحياة الدمشقية خلال فترة مهمة من تاريخها الحديث، حصرها في طبقة اجتماعية معينة، تبلورت فيها الانقسامات السياسية والحزبية العميقة التي ركز عليها المسلسل تركيزا وبخاصة أنه مارس نوعا من قلب الحقائق بصورة عجيبة جعلتني أضعه تحت الدراسة والتمحيص ضمن ثلاثة محاور رئيسية: 

أولها: التقييم الفني العام للمسلسل 

ثانيها: معالجة الإسهاب في وضع الحزب الشيوعي السوري التي أولاها المسلسل أهمية خاصة لا تناسب الواقع السوري ولا حقيقة الأحداث التاريخية.

ثالثها: ثورة المرأة السورية في حمام القيشاني، وواقع المرأة السورية بشكل عام.

ومن اللافت للنظر وبصورة واضحة تباين المستوى الفني بين حزئي المسلسل، فبينما كان الجزء الأول متميزا في الأداء والعرض والسرد والإثارة وشد انتباه الجمهور، وتناسق الحدث، جاء الجزء الثاني مملا، ساردا للمحطات التاريخية افتقدت فيها الأسماء الرنانة الرئيسية التي كانت على الساحة الشعبية والسياسية السورية في تلك الحقبة.

لقد عني المسلسل عناية فائقة، بل رائعة بمظاهر الحياة في حارة دمشقية عتيقة... حيث تعيش أسرة القناديل المكونة من أخوين وزوجتيهما وأولادهما الخمسة، وهو الشيء الذي لا يتفق مع طبيعة الأسر السورية قبل خمسين سنة، حيث كان متوسط عدد الأولاد في الأسرة الواحدة سبعة! المسلسل السوري نجح في سرد التاريخ وأخفق في عرض الحقائق.

أحد الأخوين في هذه الأسرة من قياديي المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي، مثقف على درجة من الوعي والسلوك المتميز خارج وداخل منزله، بينما الأخ الآخر شوكت، أبو عزوز الحر أمي سيئ الخلق والسلوك، وتتطور الأحداث فيستشهد "منير" المجاهد، على يدي الفرنسيين، بسبب وشاية من "صبري أبو الورد"، التاجر الآخر في الآخرة، الشره للمال والجاه ... والذي لم يتورع عن تسليم ابن حارته لأعداء البلد!! مما دفع باللبن الأكبر لمنير أن ينتقم لوالده، ويحاول قال الهائن الذي يسقط متأثرا بجراحه، لاكن موته يتأخر إلى ما بعد حمله ولديه على القسم للثأر له من عائلة القناديلي، وتدميرها وفضحها وتشتيت قوتها ووحدتها، وإلى ما بعد تزويجه ابنته من أحد أبناء مبارك المجاهدين ليرفع به عقيرته، ويطمئن إلى تطهير اسم الأسرة مما نالها من خزي وعار.

اجتماع الشر والسلطة

ويتولى ابنه الأصغر "نذير" مهمة تنفيذ القسم، وتبدأ سلسلة همن الأحداث المدبرة كلها من قبل "نذير" هذا، الذي لعب دوره الممثل السوري "عارف الطويل" والذي لم يفلح على الرغم من اجتهاده، في القيام بدور الرجل الشرير المجرم الذي يجد مكانه المناسب فيما بعد في شعبة المخابرات، حيث ينفذ من خلالها رغباته المحمولة في القضاء على أعدائه من أفراد أسرة القناديلي  مستخدما في سبيل ذلك عائلة الدلال "أبو ظبي"، وابنته "عنايت" التي أصبحت شخصية رئيسية، بل أساسية في الجزء الثاني من المسلسل، والتي انتقلت من امرأة شبه أمية لتصبح في أقل من عام- حسب التوقيت الزمني في المسلسل- عضوة عاملة في الحزب الشيوعي السوري، بل مجاهدة رفيعة المستوى والثقافة والعلم!!.

ولقد أدى تغيير بعض الممثلين في الجزء الثاني من المسلسل إلى تغيير في مسار القصة أصلا ... فلقد حل الممثل طلحت حمدي مكان الممثل سلوم حداد في القيام بدور شوكت أبو عزو، الذي بقيت حياته المحور الأساسي الذي تدور حوله الأحداث جميعا وحتى اللحظة الأخيرة ... وترتب على هذا التغيير تبدل في حرارة الدور الذي أتقنه سلوم حداد إلى درجة مذهلة، خاصة في أمكنه الكامل من اللهجة الشامية الأصلية، وسهولة استخدامه للألفاظ والتعابير بطريقة من كان قد ولد وعاش ونشأ فعلا في تلك الحارات وهاتيك البيوت، ولقد تبدلت من طلحت حمدي نوعية الدور، بل الوظيفة المسندة إليه أصلا وهو الرجل الهادئ البعيد كل البعد عن تلك الأجواء، ولا أقول إن التغيير كان نحو الأسوأ أو الأفضل، ولكنه كان تغييرا كليا في الشخصية دورها وتفكيرها، وسلوكها، خرج بالمسلسل كله عن خطه الأصلي الذي كان يسير عليه الجزء الأول. 

الشعب المغلوب على أمره

شخصية أخرى لابد من تسليط الضوء عليها، هي شخصية "ماجد" ابن الشهيد الذي اختفى بعد الانتقام من الخائن ... ومنحت له أثناء فترة اختفائه صورة نهبية عن مجاهد مغوار، ورجل سيكون له أبعد الأثر في سير المسلسل، كان إجهاضا لشخصيته ولدوره.

لقد كان "ماجد" منذ ظهر على مسرح الأحداث من حديد شخصية جاذبية عاجزة ... حتى من الاعتراض، عن السؤال الصريح، عن المواجهة الجريئة، وحتى عن التدخل لوقف المهزلة التي انحرفت بحياة أخته وتربيتها عندما خرجت من حارتها وأصبحت متفرنسة ... سافرة ... غريبة عن عادات الحارة، والأسرة، بل المجتمع السوري في تلك الأيام بعد مرور خمسين عاما!

لقد كان "ماجد" رجلا مأسورا يحب زوجته "البعثية السياسية الملاحقة"، صحفيا، مستقلا كما روى عنه المسلسل، ممثلا ويكل معنى المسلسل، ممثلا ويكل معنى الكلمة للشعب السوري، كل الشعب السوري ... ذلك الشعب المغلوب على أمره، الصامت الهادئ، الذي يتحرك أحيانا لانتزاع حقه بيده، أه لقول كلمة حق ... ولكن دون أن يصنع شيئا، فحتى عندما حاول قتل الخائن لم يمت الخائن، ولكنه أصبب بجرح مميت!

كان " ماجد" تلك الغالبية المسالمة الوادعة، التي لا تنتمي إلى "يسار" ولا إلى "يمين" تتحدث عن السياسة ولا تزاولها، تخيف ولكنها دائما ينطق عليها القول الشهير "تمخض الجبل" وإذا تركنا قضية الأدوار التي سنبحث المزيد عنها في و" الحلقتين اللاحقتين_ إن شاء الله _فإنتا لابد أن تشير إلى الإطار الرئيسي الذي يميز هذا المسلسل، وهو الإبداع في رسم المكان والزمان، الإبداع الذي جعل المكان والزمان حاضرين في كل لحظة من لحظات المسلسل، بخيرها وشرها، حتى لكأن المكان بالذات ... ودمشق على وجه الخصوص هي أبرز شخصية على شاشة التلفزيون، لقد كنت أشم التاريخ، والياسمين، وأنا في بيتي في مدريد على الضفة الأخرى من الأبيض المتوسط الذي يفصل بين سوريا وإسبانيا، وكنت أرى الملاأت السوداء التي اعتادت النساء في سوريا الالتفاف بها كلما خرجنا إلى الأسواق، وكانت رائحة "الكبة" و"الكنافة" تفعل فعلها في أعصاب غربتي وبعدي حتى كأني ألمس دمشق بأناملي، وكأن المسافات انطوت، والعشرين عاما التي قضيتها في إسبانيا أو كدت، ذابت في أغنيات الشارة لدى بدء كل حلقة وانتهائها "بين رائحة نارنج الشام، وياسمين أهل الشام، ورفقة حواري الشام".

لقد كان بيت القناديلي كائنا حيا يتنفس هناك بطرازه الدمشقي، ونباتاته المتسلقة، وبركته التي يتدفق ماؤها، لكنا لم نستطع أن نرى ولا حتى مرة واحدة ... أحدا يتوضأ منها، أو يصلي بجوارها، ودون أن  نسمع في المسلسل ولا مرة واحدة صوت أذان هو البصمة الرئيسية في حياة دمشق وأهلها.

ولقد قام تليفزيون "أبو ظبي" ولقد قام تليفزيون "أبو ظبي" مشحورا بتعويض هذا النقص المخل، فكان يقطع البث ليذيع علينا نداء أذان العشاء بالتوقيت المحلي في معظم الحلقات تقريبا!! 

ولا يمكن أن نمر هنا مر الكرام على مشهدين غاية في الدقة والإبداع في فن الإخراج، وفي هندسة الديكور، وهما المشهد الذي صور الجدار الذي ارتفع في منتصف دار القناديلي ليشطرها فتصبح دارين، كناية عن التمزق الذي أصاب الشعب السوري، مجتمعا، وحارة، وأسرة ووصل إلى بركة الدار التي كانت تتدفق مانحة الحياة، فأصبحت صامتة خرساء، مردومة بالحجارة والحصى، وقد ارتفع الجدار في وسطها وجعلها نصفين ميتين .وأنا المشهد الثاني فهو ذلك الذي صور اجتماع الرجال أثناء عرس الابن الأصغر للشهيد "منير القناديلي" وقد جلسوا صفوفا ينظرون، فإذا بهم جلوس مقابل ذلك الجدار الأصم، وإذا بالكاميرا تنجح نجاحا باهرا في تصويرهم وهم يقابلون الجدار ويقبلون عليه في مشهد برع المخرج والمصور في رسمه كأبلغ مثال رمزي لحالة المجتمع السوري في ذلك الحين.

الشيخ مصطفى

لقد لعب "الديكور" مهندسين وفنيين و منفذين، دورا ممتازا في رسم معالم الحياة الدمشقية القديمة لدى تلك الطبقة المتميزة و المختارة، كما نجح مهندس الزخارف، ومصممو الملابس في إضفاء الحياة على تلك الشخوص التي كان قد رسمها الكاتب السوري "دياب عيد" بمهارة عجيبة، كما استطاع أن يربطها بعضها إلى بعض في حبكة روائية، أغفلت تماما شرائح وطبقات أخرى من المجتمع الدمشقي، وجعلته يورد مثلا ومرة واحدة فقط اسم "الشيخ مصطفى" هكذا نكرة، في حوار جانبي، وحتى دون أن يذكر لقبه حتى لا يذكر أحدا بالشيخ مصطفى السباعى الذي كانت له صولة وجولة مع غيره من رجالات تلك الأيام!!

لقد استطاع هذا المسلسل في الواقع أن يعيد إلى الأذهان أسباب وجذور الأوضاع الحالية التي تعيشها سوريا اليوم، دون التعرض لشيء من الواقع الحالي، وتجلي ذلك على وجه الخصوص في الحلقة الأخيرة من المسلسل ... والتي فوجئ بها الكثيرون ... ولكنها لم تفاجئني على الإطلاق ... لأنها تركت الصورة واضحة جلية ... صورة شعب ضائع يتخبط بين القناعات الفكرية المستوردة، والانتماء السياسية المنحرفة، والخلافات الاجتماعية ... شعب يبحث عن طريق للخلاص،  فشل المسلسل في أن يدل الناس عليها، لأنه انشغل في أكثر من عشرين حلقة منه على الأقل في استعراض حقائق مقلوبة ... وتشويه للتاريخ نرجو ألا يكون مقصودا ... لأنه يمكن أن يكون جريمة مضاعفة بعد خمسين عاما من حدوثها أول مرة في دمشقنا الحبيبة.

المجتمع الثقافي

شحرور في كتابه "الكتاب والقرآن" (٢ من 2) 

ليس حلا للجمود الفكري .. وإنما يهدم أركانا في الدين

بقلم: غازي التوبة

حرص الدكتور محمد شحرور على فتح ثغرة في فهم المسلمين للنص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، وهو في هذا يلتقي مع عدد من الكتاب يركزون على فتح هذه الثغرة في هذا الوقت من أمثال: عادل ضاهر، وحسين أحمد أمين، ونصر أبوزيد، ومحمد سعيد العشماوي إلخ.. وكل كاتب تناول بعضا من هذه  الآيات، فنصر أبو زيد تناول آيات صفات الله تعالى، وحسين أحمد أمين تناول آيات الحدود، ومحمد سعيد العشماوي تناول آيات الحجاب والمرأة، وعادل ضاهر تناول النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة بشكل عام وضرورة فهمه فهما جديدا مباينا لكل الأفهام السابقة، وكل واحد منهم دعا إلى أن نطور فهمنا لهذه الآيات القطعية الثبوت القطعية الدلالة، ودعوا إلى عدم التوقف عند فهم الرسول والصحابة وعند فهم علماء المسلمين هذا الفهم الذي استمر على مدار ألف وأربعمائة عام، بل يجب أن نفهمها على ضوء معطيات العصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحشد كل منهم حججه الخاصة، ولكن قبل أن أستعرض حجج الدكتور محمد شحرور أود أن أنبه إلى خطورة الانسياق في هذه الدعوة التي تنتهي إلى مسخ الدين، وجعله ألعوبة بيد أصحاب الأهواء، وينتهي حينئذ ديننا  إلى ما انتهت إليه الأديان السابقة بأن يكون مبررا لكل انحرافات البشر وتابعا لانحدارهم.

تناول الدكتور محمد شحرور كل النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة تقريبا فهو تناول آيات الحدود وآيات الربا وآيات الميراث وآيات الطلاق والزواج إلخ.. المهم أنه انتهى من تناوله لكل الآيات السابقة إلى فهمها فهما جديدا مخالفا لكل الأفهام التي طرحت سابقا، فهو بالنسبة للربا حرم ربا أضعاف المضاعفة، وبالنسبة لآيات الميراث أباح التلاعب بالأنصبة التي حددها الشرع لكل فرد من أفراد الأسرة، وبالنسبة لتعدد الزوجات أباحه من الأرامل ذوات الأولاد، وبالنسبة لمعالجة الزوجة الناشز قد ألغى بعض مراحل معالجة نشوزها إلخ. 

وقد استند كل من تناول النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة على شبهة تطور المحيط البشري، فهناك الجديد المتطور باستمرار في العلم، والأدوات والأشياء والوسائل إلخ.. وبالتالي يجب أن يكون هناك تطور بالأحكام مرافق للتطور المحيط بنا، ولكن نسي أولئك القائلون بذلك القول أن هناك أشياء ثابتة في كيان الإنسان إلى جانب الأشياء المتطورة والمتغيرة التي أشاروا إليها، وأن الإسلام عندما وضع آيات الحدود والميراث والطلاق والمرأة إلخ.. ربطها بالجانب الثابت من الكيان الإنساني، فهناك التجاذب بين الذكر والأنثى، وهناك الأسرة، وهناك شهوة المال، وشهوة النساء، وشهوة الانتقام.. إلخ.. وهي أمور ثابتة إلى قيام الساعة فلا بد من حدود ثابتة مرتبطة بها، فكانت تشريعات الزواج والطلاق والميراث وأحكام الأسرة وحدود السرقة والزنى والقتل.

وإن أكبر دليل على أن الإسلام دين الله العليم الخبير هو أنه راعي الثابت والمتحول في الكيان الإنساني والحياة البشرية، فأنزل الشرائع الثابتة للجوانب الثابتة في كيان الإنسان، وأعطى أطرا عامة للأمور المتحولة في حياة الإنسان، فالإسلام مثلا أعطانا أحكاما عامة محدودة في مجال الحياة الاقتصادية فحرم الربا وأحل البيع، وواجب الزكاة وفرض الميراث ولم يلزمنا بزراعة معينة ولا بطرق زراعية معينة ولا بمواد معينة ولا بتجارة معينة ولا بصناعة معينة إلخ.. إنما ترك ذلك لظروف الزمان والمكان.

ولقد حدثنا القرآن عن أمور غيبية متعددة، فحدثنا الله تعالى عن ذاته وعن الجنة والنار والملائكة وخلق الإنسان وخلق الكون.. إلخ.. ومن الواضح أن قوانين عالم الغيب لا تنطبق بحال على عالم الشهادة، وأن معظم الضلال الذي وقع فيه الفلاسفة والمعتزلة جاء من قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، وسحب قوانين الشهادة على عالم الغيب، وقد وقع الدكتور شحرور في هذا الخطأ، ومن أمثلة هذا قياسه كلام الله على كلام البشر، لذلك تخيل أن القرآن الموجود في اللوح المحفوظ لا بد له من الانتقال إلى صيغة لسانية عربية قبل إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم ليلة القدر وهب ليلة إشهار القرآن الكريم في نظره.

ولكن هذا القرآن الكريم الذي تكلم الله به والذي كان موجودا في اللوح المحفوظ، لا نعرف الكيفية التي تكلم الله بها لأننا نجهل ذات الله وبالتالي لا نستطيع أن نخوض في هذه التفصيلات لأنها ستكون بلا سند شرعي أو عقلي.

مفهوم القضاء والقدر: دندن الدكتور شحرور كثيرا على الجبرية في فهم القضاء والقدر، مع أن المسلمين لم يفهموا القضاء والقدر بحال من الأحوال على أن السلبية والتواكل وسلب الإرادة، بل فهموا القضاء والقدر على أنه الإيجابية نحو الأحداث، والأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله، كذلك كان فهم القضاء والقدر بتلك الصورة عاملا إيجابيا في بناء الشخصية المسلمة على مدار التاريخ، وفي دفعها إلى الفعل والبناء وإعمار الكون، وجل الدخن الذي دخل فهم المسلمين للقضاء والقدر من ثقافات خارجية وأبرزها التصوف الذي رسخ السلبية، ودعا إلى إسقاط التدبير والانشغال بالذات، وترك الخلق للخالق.

وقد تجاوز المسلمون هذا الفهم الخاطئ للقضاء والقدر في العصر الحديث، وجاء ذلك نتيجة عاملين:

الأول: إبراز معظم الصالحين أوجه القصور في فهم القضاء والقدر الذي ورثناه في العصور المتأخرة، وإبراز الصورة الصحيحة لما يجب أن يكون عليه الإيمان بالقضاء والقدر.

الثاني: انحسار موجة التصوف التي كانت سببا في رواج الفهم الخاطئ للقضاء والقدر.

لذلك فإني أرى أن دندنة الدكتور شحرور حول القضاء والقدر ليست في محلها بعد أن تجاوز المسلمون هذه الظاهرة في وقتنا الحاضر.

تفسيرات مغايرة

اعتمد الدكتور محمد شحرور على عقله وحده في تفسير كثير من الآيات الكريمة فجاء بعجائب من التفسير، وهو أمر طبيعي لكل من اعتمد على العقل وحده دون المزاوجة بين العقل والنقل في فهم الآيات وتفسيرها، ودون الاعتماد على المأثور من الأقوال، ونستطيع أن نمثل على مقولتنا بآيتين: 

الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ  (فاطر: 24) فسر النذير بالملاك، وقرر أن الله كان يرسل ملائكة إلى البشر قبل نوح عليه السلام الذي اعتبره أول رسول إلى البشر، وزعم أن قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ  (الشعراء: 105) وقوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ  (القمر: 23) يعني أن تلك الأقوام كذبت بنبيهم وبالملائكة الذين أرسلوا إلى البشر يكلمونهم ويدعونهم، ورفض التفسير الذي ذكره معظم التفاسير وهو أنه سبحانه بين أن تكذيب رسول واحد يعني تكذيب جميع رسله، لذلك جاءت كلمة الرسل بالجمع وليس بالمفرد لتشير إلى هذا المعنى.

الثانية: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (القصص: 88) فسرها بأن هذا الكون يحمل تناقضاته، وأن المادة تحمل تناقضها معها، لذلك فإن هذا الكون سيتدمر وسيتبدل وسيهلك، ولكن هلاكه سيحوله إلى مادة أخرى، وهذا هو تفسيره ليوم القيامة، وهو يعتبر أن الجنة والنار غير موجودتين وستوجدان عند تحول هذا الكون إلى مادة أخرى، وهو في هذا يرفض الأحاديث الشريفة التي قررت وجود الجنة والنار، ولا أريد أن أسرد عشرات الآيات والأحاديث التي تدحض تفسيره للآية السابقة، ولكني أريد أن أسأله بمنطقه اللغوي الذي اعتمده، كيف يمكن أن يوفق بين المدلول اللغوي للآية الكريمة السابقة وهو الذي يعني بكل بساطة فناء المخلوقات الأخرى وهلاكها وبين تحولها إلى مادة أخرى؟ فأين هو إذن الهلاك للمادة؟

التأويل

التأويل أحد مباحث علوم القرآن، ويحتوي على عدة أقسام مقبولة منها: التأويل بمعنى تحقيق الشيء، ومنها: التأويل بمعنى التفسير، ولكن علماءنا حذروا من أحد أقسامه التي تقوم على صرف ألفاظ الآية المؤولة عن المعنى الراجح إلى معنى مرجوح لا تسمح به اللغة، وقد جاء تحيرهم ذلك نتيجة استخدام الفرق المنحرفة له في خدمة أهوائها وضلالاتها، ولأنه أدى إلى ضياع حقائق الدين ومعالمه التي رسمها محمد صلى الله عليه وسلم، فهل أخذ الدكتور شحرور بهذا التأويل؟ نعم لقد أخذ به، ليس هذا فحسب بل دعا وقنن له، ولن اعرض لكل تلك التأويلات لكن سأعرض لواحد منها.

قال تعالى في سورة الفجر: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ  وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (الفجر: 1 - 3) فسر الدكتور شحرور الآيات السابقة بما يلي:

في الخلق الأول بدأ بانفجار كوني هائل حيث قال: ﴿وَالْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ  وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ  حيث إن الفجر هو الانفجار الكوني الأول "وليال عشر" معناه أن المادة مرت بعشر مراحل للتطور حتى أصبحت شفافة للضوء، لذا أتبعها بقوله "والشفع والوتر" حيث إن أول عنصر تكون في هذا الوجود وهو الهيدروجين وفيه الشفع في النواة والوتر في المدار، وقد أكد هذا في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (هود: 7)، والهيدروجين هو مولد الماء، أي بعد هذه المراحل العشر أصبح الوجود قابلا للإبصار لذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  (الأنعام: 1)- الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، ص235.

ليس من شك بأن الدكتور شحرور قد ابتعد في متاهات التأويل عندما فسر الفجر بالانفجار الكوني الأول، وفسر الليالي العشر بمراحل تطور المادة العشر، وفسر الشفع والوتر بغاز الهيدروجين لأن معطيات السورة لا تسمح بمثل هذا التأويل، ولو أقررناه على تأويله لأعطينا الفرصة لكل صاحب بدعة أن يطوع آيات القرآن حسب بدعه وهواه.

والآن: بعد هذا العرض السريع لبعض تجاوزات الدكتور شحرور وضلالاته وانحرافاته لا نستطيع إلا أن نقول إن الكتاب ليس حلا لمشكلة الجمود في الفكر الإسلامي، بل هدما لكثير من أركان وأسس ومنطلقات الفكر الإسلامي والدين الإسلامي.

 

واحة الشعر

مَنْ للجزائر؟

شعر: فيصل محمد الحجي

واخجلتاه من التاريخ يا بلدي
 

يدي الكسيرة لم تكسر بغير يدي
  

دمي يسيل.. ولم يسفح بمعركة
 

مع العدو.. ولكن مجه كبدي
  

مجدي التليد هوى.. لم يهو من خور
 

قد اعتراه.. ولكن هده ولدي
  

من ذا يصدق ما يجري؟ أكخبرنا
 

يهذي فيجمح في الإحصاء والعدد؟
  

من ذا يصدق ما يجري؟ أموطننا
 

دار المجانين؟ أم ذا المسلخ البلدي؟
  

أم غابة لذئاب الشر تهدم ما
 

نبني.. وقد أمنت فيها من القود؟
  

بل الذئاب بريئات... وإن عبدت
 

كذئب يوسف لم يجرح ولم يئد
  

وإنما إخوة المظلوم قد مكروا
 

لما نما حقدهم من شدة الحسد
  

ويوسف اليوم شعب في الجزائر قد
 

حلت عليه سيوف الغدر من أمد
  

قد كان فرعون يستحيي النساء... وهم
 

لا يشفقون على الشمطاء والولد
  

يد القريب هي الجاني تحركها
 

أيدي الأجانب بالتخطيط والمدد
  

قد عاد بطرس يا "وهران" مرتديا
 

ثوب البرانس يخفي هجنة الجسد
  

ذا بطرس الراهب الباغي وخادمه
 

أبو رغال أخاف الناس بالإدد
  

حقد الفرنسيس حقد لا يزول على
 

مر القرون ولو طاولت في المدد
  

ما شع نور هدى الإسلام في بلد
 

إلا أصيب بنو "باريس" بالكمد
  

واليوم عادوا وأوروبا تؤازرهم
 

واجلبوا بنفايات من البلد
  

غزوا ديار ابن باديس الذي هربوا
 

من بأسه ومضوا في موكب الشرد
  

هنا "البشير" و"عبدالقادر" انطلقا
 

إلى الجهاد... على درب الفدا الحدد
  

قامت فرنسا لأخذ الثار واعتمدت
 

على كلاب من القناصة الصيد
  

حرابهم في دما الأطفال سابحة
 

وفي الرقاب كزرع يابس حصد
  

نذالة... يخجل التاريخ إن ذكرت
 

وما لقلب على الأهوال من جلد
  

الموت يحصد لا يبقي على أحد
 

إبادة اشعب نهج السادة الجدد
  

فظائع تحصد الغافين في دعة
 

والآمنين... وما في الكف من ربد
  

* * *

من للجزائر؟ من يسعى لينقذها
 

وذي أصابع إسرائيل عن صدد
  

ترمي على النار زيتا كي ترى لهبا
 

يقضي على الأمن والأفراح والرغد
  

يا مسلمون ذرا "أوراس" تصرخ يا
 

أخوة الدين نادى الأهل واحتشدي
  

و"تلمسان" تناديكم وقد مزجت
 

دموعها بدم من عينها الجتد
  

وتلك "عنابة" تبكي وأنت ترى "الأ
 

غواط" كالميت صرعى الروح والجسد
  

يا سادة العرب ما معنى السكوت وذي
 

مذابح الشعب؟ ما للشعب من سند
  

ألم تروا جثث القتلى مبعثرة؟
 

أما عرفتك رؤوس اللوم والحقد؟
  

يا أيها العلماء الآمنون هنا
 

هناك إخوانكم في الخوف والتأد
  

هناك إخوانكم في شر فاجعة
 

والطفل والأم في دوامة النكد
  

غزا الرعاة قطيع الشعب في صلف
 

وطردوه ذليلا شر مطرد
  

ويطمسون عن الدنيا جرائمهم
 

وينسبون إلى الإسلام كل ردي
  

غرور فرعون في دعوى مسيلمة
 

في ردة ابن سلول خلف ذي فند
  

قساوة الضرب في مكر اليهود وفي
 

حقد المجوس أجادوا خسة اللدد
  

يا وصمة العار يا إعلام أمتنا
 

يا شاهد الزور في تضليله اللبد
  

كأن موسى هو الجاني وقد وصفوا
 

فرعون باللطف والإشفاق والرشد
  

*  *  *

الرابط المختصر :