العنوان المجتمع الثقافي عدد 1884
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010
مشاهدات 55
نشر في العدد 1884
نشر في الصفحة 46
السبت 09-يناير-2010
الآثار العثمانية في اليونان.. ثروة كبيرة تعاني الإهمال
شادي الأيوبي
- الآثار الإسلامية في اليونان بلغت ٢٦٦٩ أثرًا لم يتبق منها سوی ۱۰% فقط
ذكر الباحث في الآثار الإسلامية أحمد أمين[1] أن الآثار العثمانية في اليونان عانت الكثير من الإهمال والنسيان على مدى عقود القرن العشرين لأسباب سياسية وتاريخية لا تخفى على أي مثقف أو مطلع على تاريخ اليونان، بل وصل الأمر في بعض المراحل إلى التدمير جراء الحروب، أو الإزالة جراء تعديل تخطيط المدن وشق الشوارع وتغيير المعالم، على أثر تغيير وظيفتها ودورها وتشويه معالمها.
وأضاف أنه وفق الإحصاء الذي قام به الحصر ما كان يوجد من الآثار وما يوجد حاليًا يتبين التالي:
كان يوجد على أقل تقدير (قابل للزيادة) بناء على رحلة الرحالة التركي المشهور أوليًا جلبي لليونان في أواخر القرن السابع عشر والسالنامات (التقارير السنوية) العثمانية الآثار التالية:
- ٢٦١ مسجدًا جامعًا.
- ٤٩٩ مسجدًا صغيرًا.
- ۱۰۰ مدرسة للكبار.
- ١١٥ مدرسة للصغار (تعليم ابتدائي).
- ٤٥ عمارت (دار إطعام الفقراء مجانًا).
- ٦٩ ضريح (للشخصيات الاعتبارية والدينية).
- ٩٣ حمامًا.
- ٧ باذستان (مجمع تجاري خاصة للأقمشة ومركز للتجار).
- ١٧٥ خانًا (منشأة تجارية بين المدن للقوافل والتجار).
- ۱۷ تكية للصوفية والدراويش.
- أكثر من ١٠٠٠ عين ماء (جشمة) للمارة.
- كرافان سراي (منشأة تجارية).
- ثكنتان للعسكر.
- مستشفي واحدة.
- ٤٤ مكتبًا لتعليم الأطفال.
- ۱۱۳ سبيلًا لسقاية المارة والعابرين ماء عذبًا له شكل معماري خاص، وشروط خاصة لضمان نظافة وطهارة الماء والعاملين به.
- ٢٠ جسرًا.
- 5 أبراج ساعة.
وقال أمين: إن عدد هذه الآثار بلغ ٢٦٦٩ أثرًا، ومن ثم إذا اعتبرنا أن المتبقي منها نحو ٢٥٠ أثرًا، فإن نسبة الباقي إلى ما كان موجودا بالفعل لا تتجاوز الـ 10% في أحسن الأحوال، وكثير من الصور الأرشيفية للمدن اليونانية تعكس ذلك الأمر بوضوح ففي مدينة سالونيك، وحدها كان هناك أكثر من ۳۲ مسجدًا جامعًا و ١٥٠ مسجدًا صغيرًا.
دراسات متخصصة
وحول كتاب وزارة الثقافة اليونانية عن الآثار العثمانية في اليونان، قال أمين: إن الكتاب هو بداية العمل في اتجاه دراسة الآثار الإسلامية وليس نهايتها، فهو لا يتعدى كونه دليلًا لهذه الآثار وكل أثر منها يحتاج لدراسات متخصصة تاريخية معمارية فنية وأيضًا حضارية، فإذا تناولنا أثرًا مثل العمارت أو مطعم إطعام الفقراء حيث كانت وظيفته الرئيسة إطعام الفقراء والمحتاجين بغض النظر عن الدين أو الجنس بمعدل وجبتين لكل يوم مجانًا.
هذه المنشأة، كما يقول أمين تحتاج إلى بحث دقيق بين الاحتياجات الوظيفية والشكل المعماري كيف كانت وهل نجحت نظام العمل العاملون شروط تعيينهم، مرتباتهم. عدد ساعات العمل أسعار المواد الغذائية، برنامج الصيانة المناسبات الخاصة من أعياد واحتفالات وشهر رمضان كيف كان يتم التعامل معها؟ كل هذه أسئلة تحتاج الدراسات أكاديمية للإجابة عليها وكشف طبيعة الحياة في هذا العصر في تلك الأرض.
مجال بكر ويضيف أمين لحسن الحظ لدينا ما يشفي غليلنا كباحثين للإجابة علي كل هذه الأسئلة من خلال حجج الوقف والسجلات الأرشيفية سواء تلك المحفوظة بإسطنبول أو أدرنة (أدرينا بولي) أو بالوزارات والهيئات المختلفة باليونان والتي لا تزال مجالا بكرا لمثل هذه الدراسات والبحوث.
هذا مثال واحد من الآثار العثمانية في اليونان والقارئ أن يقيس عليه مدى افتقارنا للدراسات الأثرية والتاريخية والحضارية عن الفترة العثمانية في البلقان بصفة عامة واليونان بصفة خاصة.
واقترح أمين إنشاء قسم الدراسة الآثار الإسلامية يتبع أو يلحق بقسم الآثار البيزنطية علي الأقل بإحدى الجامعتين في أثينا أو سالونيك حيث الواقع التاريخي والأثري يتطلب ذلك إذ أن فترة خمسمائة سنة هي عمر الحضارة العثمانية في اليونان وهذا العدد الضخم من الآثار الموجودة والوافرة من حيث تنوع العمائر وظيفيا بين الديني والمدني والحربي والاجتماعي والمعماري، حيث ضمت أنماطا عدة ومتميزة تشكل جميع المدارس العثمانية للعمارة علي طول مراحلها، فضلًا عن انتشارها في جميع أنحاء اليونان.
آثار في كل مدينة
ويضيف الباحث: فتقريبًا ووفق زيارتي لكل المدن اليونانية، لا تخلو مدينة من الآثار العثمانية ناهيك عن وضع هذه الآثار علي الخريطة السياحية لليونان وعمل برامج سياحية متنوعة ومتجددة.
واختتم أمين قائلًا؛ إنه يرتبط بوضع هذه الآثار على الخريطة السياحية حالتها الحالية من حيث الحفظ والصيانة، وفي الواقع ازداد الاهتمام في السنوات الأخيرة بصورة واضحة بهذه الآثار ووضع برامج إنقاذ وصيانة للحالات الخطرة منها وإن كان الكثير منها لا يزال رهن الإغلاق والإهمال حتى اليوم.
[1] الباحث أحمد محمود أمين مدرس مساعد كلية الآثار جامعة الفيوم قسم الآثار الإسلامية وطالب دكتوراه كلية الفلسفة جامعة أثينا قسم الآثار وتاريخ الفن.
========================
قصة قصيرة: بوابة الرعب!
محمد السيد - كاتب سوري
هربت من خوفي بافتعال حديث مع جاري القابع إلى جانبي في سيارة الأجرة. التي تقلنا من عمان إلى بيروت.. كنا قد اقتربنا من نقطة الحدود السورية.. ليس هناك من علامات طبيعية تنبئ بأنك قد خرجت من وطن، ودخلت وطنًا آخر.
قلت لجاري: اقتربنا من الحدود السورية.. أليس كذلك؟
كانت كلماتي تخرج من حنجرتي مرتجفة حين وجهت له السؤال، ودون اكتراث منه قال بصوت خافت:
- أظن ذلك ...
قلت له بتوجس: هل هي أول مرة تزور سورية..؟
نفت دخانًا كثيفًا من سيجارته، ثم رماني بنظرة متأملة، وقد شحن سحنته بتضاريس متعالية، وقذفني بكلمة غير مجاملة:
- وما دخلك أنت..؟!
أسرعت إلى تصحيح الموقف قائلًا: لا تزعج نفسك.. فأنا لا أبتغي إلا قتل الوقت الصامت المتطاول.
لم يعرني أي اهتمام، بل أشاح بوجهه عني وتابع سحب الأنفاس من لفافته التبغية، وكأنه يقول: قتل الوقت يكون بمثل ما أنا أقتله الآن.
أمضيت الدقائق التي تفصلنا عن الحدود السورية، فرغم أنني لا أحمل شيئًا مدانًا، وأنني ذاهب إلى جامعة بيروت العربية، وليس إلى سورية، فقد كان مصدر خوفي تلك المجلات الإسلامية التي تصدر في مصر علانية، وقد اصطحبت منها عددًا لا بأس به، وضعتها في صندوق كرتوني، أبتغي بيعها للطلاب أمام الجامعة في بيروت كي أتدبر منها جزءًا من نفقاتي: حيث سأمضي بضعة أيام أقدم فيها الامتحانات النهائية لبكالوريوس التجارة ودخلت السيارة بنا ساحة مركز الحدود، وهنا راودني الخوف من جديد وشعرت بقلبي يقفز من مكانه قفزات مؤلمة تهز جسمي الضخم هذا أزعج جاري النحيل فأخذ يتحيز في المكان بعيدًا عن حراكي اللاإرادي، ورحت أدعو في سري ضارعًا إلى الله الا يكتشف جواسيس السلطة مجلاتي وتوجست خيفة من الاحتمالات التي راح بعضها ببعث في جسدي صرخات داخلية تهز كياني، لأردد في سري: ماذا لو أن السائق كان من عيونهم ...؟
لقد رأى المجلات عندما حملتها، وسألني عن سبب حملها معي، وأجبته، ولكنه دار برأسه يمينًا وشمالًا، ومط شفتيه مستغربًا مستنكرًا، وقال:
- قد تسبب لنا مشكلات على الحدود.
- لماذا ..؟! إنني أحملها إلى بيروت وليس إلى سورية، وهي مجلات علنية، تصدر في بلد عربي مأذونة ومتداولة في كل البلاد.
- لكنها إسلامية ...
- وماذا في ذلك؟
- كأنك لا تعرف النافذين هناك ...
- إنني أتحمل المسؤولية عن هذا الحمل.. توكل على الله ...
ضحك ضحكة ساخرة، ثم أغلق باب صندوق الحقائب، وقال وهو يهز كتفيه بلا مبالاة:
- أنت حر..!
تركني في تلك اللحظة، وقد غرس في كياني ألف شك وألف حيرة، لكنني صممت على المضي في حمل المجلات لأن فيها ما يكمل نفقتي.
آه... أيتها الحرية الواقعة في فخ!
بعد الإذن من شكسبير، صاحب الجملة، لماذا تزينين لنا المضي في الأمل الآن اغتصاب كل شيء في الأوطان عودنا الصبر ثم الاقتحام؟ أم لأن ذلك قادنا إلى اللامبالاة واللاحذرة وفجأة .. قفز إلى مخيلتي ذلك الجار المتعجرف، وجال في كياني سؤال يقول: لعله أحدهم؟! لكنني طردت هذا الخاطر حين جاءت فرقة الجمارك، وفتشت السيارة ثم ذهبت دون إبداء آية ملاحظات وفزت بشيء من الراحة، غير أنني عندما أرسلت بصري إلى بعيد في آخر الساحة، رأيت السائق يتداول الكلام مع اثنين من الموظفين يرتدون لباسًا مدنيًا، ورأيتهم يوجهون النظر إلى المركبة التي تقلني، عندئذ تأكد لدي الشك في ذلك السائق، ولم أستطع أن احتفظ بالراحة التي راودتني للحظات بعد مغادرة رجال الجمارك، وأخذت التخمينات البائسة تتراكم في مخيلتي بلا إجابات وشعرت بوشاح مختلط من معادلة الخوف والرجاء يطرز تضاريس وجهي، لكن ذلك لم يدم طويلا، إذ رأيت الحاقدين الصغيرين يقتربان من السيارة بصحبة السائق (الجاسوس)، حتى إذا لامس أحدهما ظهر صندوق الحقائب في مؤخرة السيارة طلب من السائق فتحه، وفي الحال ذهبت يد الآخر إلى كرتونة المجلات مباشرة، وفتحها، وراح يقلب محتوياتها، وإذ تأكد له نوعية المجلات توجه لي بالسؤال:
- هذه الكرتونة لك ...؟
- نعم..
- كيف تأتي بهذه المهربات إلى البلد ...؟
رفعت بيدي خصلة من شعري الطويل الناعم تدلت فوق جبيني الذي تحول إلى خليط من اللونين الأصفر والأبيض، ثم قلت:
- سترك يا رب.. إني أحملها معي إلى بيروت لأبيعها وأرتزق منها ...
- لا .. إنك مخرب.. أنت تحملها إلى المخربين هنا في بلدنا ...
- أبدًا.. أنا طالب يدرس في بيروت ولا أعرف أحدًا هنا.. وطريقي إلى بيروت مباشرة، وهي مجرد مجلات لا غير ..
- على كل حال .. سوف ترى.. وأمر زميلة جازمًا حازمًا قائلًا: اقبض عليه، ثم أضاف: وخذ هذه المهربات معك ...
ألأنها مجلة..؟ أم لأنها إسلامية؟
تساءلت في سري.. وأجابني صوت من أعماقي يقول: لكليهما المجلة والإسلامية الا تعلم أنهم حاقدون على الحرف إلا حرفًا يمجد حقدهم... واقتادوني إلى مركز الشعبة السياسية في درعا، حيث قابلني ضابط المركز في البداية بأدب وضيافة، وكم كانت دهشتي عظيمة حين اكتشفت أن الذي يكتب الاستنطاق هو جاري في السيارة ... لقد ضحكت في سري كثيرًا، وقلت: شاهر .. أنت مغفل!
سألني الضابط عن المجلات وإلى أين هي ذاهبة؟ قلت له: إنها مجلات.. مجرد مجلات، ثم إنني أصطحبها إلى بيروت لأبيعها هناك، وأحصل على بعض المال. وعند آخر كلمة قلتها انتفض الضابط انتفاضة ذبيح لم يكتمل فعل السكين فيه، فتغيرت معالم وجهه، بعد أن بدت للحظات ناعمة مطمئنة. فقد غشاها ما غشاها من نار الغضب فاسودت وجنتاه واصفر جبينه، وارتجفت شفتاه وراح يطلق الكلمات، كأنها رصاصات مدفع رشاش أنتم مخربون، لا ينفع معكم التعامل الحسن العنف هو الذي ينفع معكم... إن لم تقل الحقيقة فسوف نذيق هذا الجسم الضخم الذي تحمله سوء العذاب.. وصاح بالجلاوزة قائلًا: خذوه إلى القبو.. واعملوا له اللازم ... كي يفصح عن الحقيقة وممن حسن حظي أنهم أوكلوني إلى مجند ليس من فئة أهل الحكم، وبدأ معي التعذيب بأن رفع رجلي إلى محاذاة حديد النافذة بشق نفسه لأن رجلي كانتا أثقل من وزنه هو، ثم ربط قدمي في الحديد بحبل نحيف، وذهب إلى آخر القاعة الراعبة المضاءة نصف إضاءة ليحضر (الكابل) المجدول، ليقوم بضربي به - وهو غير مقتنع بما يفعل، ولكنه الأمر - ثم قال لي: اسمع، سأبدأ بضرب الحائط، وما عليك إلا أن تصرخ صرخات المتألم.. وذلك كي يسمع الضابط ومن حوله، فيطمئنوا إلى ما يحدث، وهكذا أمضيت معظم الليل على هذه الحالة، وفي تلك الأثناء كنت أدندن ببعض الكلمات أسلي فيها نفسي رباه... هذا الليل يتنزى قهرًا وحديد النافذة يقطر أشباحًا، تهوي على ذاكرتي، تبتغي أن أفقد يومي، وأن أنسى غدي كلا.. لن تستطيعوا سرقة وقتي، ولا محو الهدف من قلبي ما دامت صيحة عمر تجلجل في زمني وفي كل زمن متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا وظللت كذلك حتى حنا علي نداء الفجر، يهتف من منارة المسجد القريب ليقول أن استيقظوا أيها النيام، فالخير الخير في هذا الفجر الوليد وكان المجند الموكل بي قد حن لكلمات المؤذن، فقال لي:
- كفى.. كفى يا هذا .. لقد قتلني هذا القهر سأتركك الآن.. فالقوم الآن جثث نتنة يحشرها النوم وهي ثملة ...
وفي الصباح عاد الضابط وقابلني، وما زالت آثار السكر تطيح بمعالم وجهه، قال لي وهو يفرك رقبته ويتثاءب: بعد ما حصل لك الليلة، ماذا تقول لنا..؟
- لقد قلت لك الحقيقة من قبل، ولو أن لي علاقة بأحد في سورية لأعلمتك به، وخلصت نفسي من هذا المازق.. ألا تصدقني..
قال: طيب.. طيب.. سوف نعيدك إلى بلدك.. ولكن المجلات مصادرة...!
رباه.. لقد كان قرارًا مفاجئًا، وما كنت موقنًا بالنجاة لعل قدري المقدور من الله هو الذي الهمه تلك الكلمات وهو بين صحو وثمل...!
ولكي أثبت قناعته بقراره قلت له:
- يا سيدي.. أنا رجل فقير ومحتاج لهذه المجلات.. أرجو أن تعيدها لي.
- لا لا .. أبدًا، ونادي أتباعه، وقال لهم: خذوه وألقوه قريبًا من نقطة الحدود الأردنية ...
وعند كلمة «ألقوه» لم أستطع مقاومة قول الشاعر وهو ينشد:
نحن عشاق النهار *** سنظل نحفر في الجدار
إما فتحنا ثغرة للنور *** أو متنا على وجه الجدار
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل