العنوان المجتمع الثقافي (العدد1301)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998
مشاهدات 46
نشر في العدد 1301
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 26-مايو-1998
نحو مسرح إسلامي
ألا يحق للكاتب في الأدب الإسلامي أن يسأل عن أسباب الغياب الواضح للمسرحيات الإسلاميه الفاعلة أمام هذا الكم الهائل من الشعر الإسلامي في المساحه الأدبيه؟! فلا نكاد نرى إلا القليل القليل من المسرحيات الإسلاميه! فهل تري يجهل أدباؤنا ما للفنون الأخري من دور عظيم في توجيه معالم حياتنا المختلفه؟! وهل ستظل البكائيات في شعرنا صورة حية لتقوقعنا نحو الذات؟!
إن الناقد الأدبي يبحث عن مسرحيات جديده معاصره تواكب معاناة أمتنا وشعوبنا، فلا يكاد يجد شيئًا من هذا! ترى ألسنا بحاجة إلى مسرح إسلامي فاعل يوجه براعم الطفولة الندية في مدارسنا، مسرح يوجه رياحين الطفولة إلى فضائل الإسلام ومواقفه الساميه، وتاريخه المجيد، فيكون ذلك بديلًا عن المسلسلات الهابطة، والبرامج الخبيثة؟! أن مسارح الأمم مرآة صادقة لتفكيرها وحضارتها وسلوكها وأخلاقها!
إن الإعلام الخبيث الذي توجهه العلمانية الساقطة يعمل بجد وتخطيط ومكر لتزييف تاريخنا العظيم وحضارتنا الشامخه من خلال مسرح هابط ماكر!
فلم يتجاهل أدباؤنا هذه المنابر الثقافيه الرائدة في التوجيه؟!
إن كان لدى بعضنا شيء من التحفظ على فن المسرح بشكل عام، فلسنا ندعو إلى تقليد الآخرين بقدر ما ندعو إلى إبراز شخصيتنا الإسلامية، وهويتنا العريقة التي لا تقبل الذوبان في الثقافات الغازية.
إن المسرح الإسلامي قادر بعون الله علي تفعيل تراثنا وتاريخنا الأصيل لتقديمه بصورة مشرقة، كما أن تقاليدنا وعاداتنا الإسلامية وواقعنا المعاصر يزخر بمواقف ورؤى يمكن أن تكون مرتعًا خصبًا لمسرح جاد، يتوجه إلى أجيالنا المسلمة، فيغرس فيها القيم المثلى، والمشاعر النبيلة، لتقوم بدورها الحقيقي في نهضة الأمة وازدهارها.
فهل تصافح هذه الدعوة شفاف القلب، وشفافية الروح؟
قصة من التاريخ العثماني: «أزمير» تبكي دمًا
حدث ذلك في مدينة «أزمير» في شهر مارس من سنة ۱۹۱۹م.. كانت الدولة العثمانية قد خرجت خاسرة من الحرب العالمية الأولى ومنهوكة القوى بعد أن فقدت فيها الملايين من خيرة شبابها.. هذه الحرب لم تكن الدولة العثمانية مستعدة لها لا من الناحية الاقتصادية ولا من الناحية العسكرية، بل دفعتها إليها حماقة جمعية الاتحاد والترقي وخيانتها.. هذه الجمعية المشبوهة التي تريت في المحافل الماسونية، ثم أصبحت تحت نفوذ الدولة الألمانية، فدخلت الحرب إلى جانبها دون أن تكون لها أي مصلحة في الدخول إلى أتون الحرب الرهيبة.
بعد تراجع الجيوش العثمانية بدأت جيوش الحلفاء بالاستيلاء على المدن التركية المهمة، من هذه المدن كانت «أزمير»، وكان من نصيبها دخول الجيش اليوناني إليها واحتلالها.
طالبت اليونان بإلحاق مدينة «أزمير» والمناطق المحيطة بها إليها، وفعلًا تم قبول طلب اليونان ونص على ذلك في معاهدة سيفر المشهورة التي تم التوقيع عليها عام ١٩٢٠م.
ولكن معاهدة «سيفر» لم تطبق، ولا نستطيع هنا إيراد تفاصيل ذلك، بل ترجع إلى أحداث القصة التي وقعت عشية دخول القوات اليونانية إلى «أزمير».
في يوم ١٤/ ٥ / ١٩١٩م وقبل الغروب بقليل ارتفع صراخ من أحد الأحياء التركية في مدينة «أزمير» إنهم قادمون.. اليونانيون قادمون.. عليهم لعنة الله.
بدت طلائع الجيش اليوناني على بعد كيلو مترات، وهي تتقدم نحو المدينة... سيعسكر الجيش اليوناني بالقرب من المدينة، ثم يدخلها في صباح اليوم التالي.
انتشر الخبر المفجع في المدينة انتشار النار في الهشيم.. نزل الخبر في الأحياء التركية نزول نصل خنجر حاد في القلب، كانت كل أسرة فيها تبكي على شهيد لها، على ابن أو زوج أو آب استشهد في جبهات بعيدة فوق رمال لاهبة، أو فرق جبال باردة والآن ها هم الأعداء يقتحمون عليهم مدينتهم، والله وحده هو الذي يعرف أي دماء جديدة ستسيل تحت أحذية جنود الأعداء.
أما أحياء الروم، أي أحياء اليونانيين القاطنين في أزمير منذ مئات السنين فقد عم فيها الفرح والحبور.. أجل كان هذا هو رد الجميل عندهم.. لقد عاشوا مئات الأعوام في أمن وفي طمأنينة في ظل الدولة العثمانية.. لم يتعرض أحد إلى عقيدتهم أو إلى دينهم أعفوا من الخدمة العسكرية فتفرغوا للتجارة، وأصبحوا من أغنى الطوائف، تركت لهم حرية التعامل بقوانينهم في الزواج والإرث... إلخ
بعد كل هذا الإحسان إليهم ها هم يردون إلى الدولة العثمانية وإلى الشعب الذي أواهم الجميل، ها هم يفرحون ويستعدون للاحتفال بقدوم الغزاة المحتلين.
أخرجوا الأعلام اليونانية التي كانوا قد خبأوها في صناديقهم، وأخرجوا أجمل ملابسهم، لأن يوم غد يوم عيد لهم.. عيد استقبال الجنود اليونانيين ولكن كان هناك تهيؤ آخر أيضًا.. بعد أن أرخى الليل سدوله اجتمع نفر من شباب أزمير بعيدًا عن الأنظار في مقبرة اليهود يتباحثون في هذه المصيبة الجديدة القادمة.. كان من بينهم الصحفي الشاب «حسن تحسين» الذي ألقى عليهم كلمة مؤثرة والدمع يسيل من عينيه، قال في الأخير يا إخواني.. إنهم يريدون إلحاق أزمير باليونان.. لن نعطي إزمير لهم.. سنقاتل يا إخواني ولن نستسلم لهم أبدًا.
-أجل.. سنقاتل ولن نستسلم لهم.
في صباح اليوم التالي دخل الجيش اليوناني مدينة أزمير من ناحية «كوردون بويو» المطلة على البحر، كانت الأقلية اليونانية قد اصطفت على جانبي الطريق، وقد رفعوا الأعلام اليونانية.. كانت الفتيات الشابات والأطفال قد لبسوا ملابس عليها العلم اليوناني، كانوا يلوحون بالأعلام اليونانية لجنود الاحتلال ويهتفون بكل فرح: زيتو فانيزالوس.. زيتو فانيزالوس «أي يحيا فانيزالوس رئيس وزراء اليونان آنذاك » كان على رأس المستقبلين الأسقف «خريستوس توموس » أعلى رجال الدين النصارى رتبة في مدينة أزمير، وثاني رجل دين نصراني في الدولة العثمانية، فهو يأتي مباشرة بعد البطريرك الموجود في إسطنبول.
استمر جنود الاحتلال في مسيرتهم وسط الهتافات والحفاوة حتى وصلوا إلى موقف «الترامواي» ، في منطقة « قوقار يالي »... وفجأة انطلق من بين الجموع الحاشدة شاب كالسهم وصوب مسدسه إلى الجندي اليوناني الحامل للعلم اليوناني في مقدمة الجيش وأطلق عليه رصاصة واحدة فأرداه قتيلًا، ثم ولى هاربًا. كان هذا هو الصحفي الشاب « حسن تحسين», ما أن تخلص الجنود اليونانيون من تأثير المفأجاة حتى هرع المئات منهم وراء الشاب ثم طوقوا المنطقة وبدأوا يضيقون الخناق عليه.
وأخيرًا حاصروه في أحد الأزقة الضيقة أطلق عليهم الرصاص وقاومهم حتى انتهى رصاص مسدسه، فانهال عليه وأبل من رصاص الجنود.
كانت هناك امرأة مسنة تشاهد من نافذة غرفتها ما يجري أمامها، فقد كان الصحفي الشاب واقفًا قرب نافذتها، وعندما انهال الرصاص على الشاب الفدائي «حسن» شهقت المرأة وبكت.. سمعها الشاب فحول بصره إليها وشاهدها وهي تبكي من أجله، فقال لها وهو يتهاوى على الأرض:
لقد نفد الرصاص مني يا جدتي... كوني شاهدة في يوم القيامة.. لم يكتف الجنود بمئات الطلقات التي مزقت جسد الشاب، بل تقدموا إليه وأخذوا يطعنونه بحرابهم حتى شفوا غليلهم منه.
كان هذا الصحفي الشاب أول شهيد سجله التاريخ في اليوم الأول من دخول اليونانيين إلى أزمیر ... رجع الجنود وبدأوا ينتقمون من أهل المدينة.. ذهبوا إلى الدائرة العسكرية وأخرجوا رئيسها « العميد سليمان فتحي » إلى باحة الدائرة:
-هيا اهتف بحياة فانيزالوس.. قل: يحيا فانيزالوس.. هيا بسرعة..
كان العميد شخصًا أعزل أمام ضباط وجنود اليونان، ومع ذلك لم يتردد كثيرًا.. بصق على الأرض باحتقار وهتف:
- بل ليسقط فانيزالوس.
وبطعنة من حربة بندقية اخترقت صدره انطرح العميد على الأرض، ثم جاءوا بالطبيب العسكري العقيد « شكري بك » وطلبوا منه الشيء نفسه:
هيا اهتف بحياة فانيزالوس.
نظر إلى آمره الشهيد وهو متمدد على الأرض في بركة من الدماء.. كان يعلم أن مصيره سيكون مثل مصير أمره إن لم يجبهم إلى طلبهم، وجال في خاطره عائلته وأسرته، ولكنه لم يستطع الهتاف بحياة رئيس وزراء عدوه..
- ليسقط فانيزالوس.
وبطعنة حربة على قلبه سقط الطبيب العقيد « شكري بك » بجانب العميد « سليمان فتحي ».
كانت هذه أهم أحداث اليوم الأول من الاحتلال اليوناني لمدينة أزمير، ولكن الأيام التالية حملت مآسي أخرى كثيرة.. أكثر بكثير من اليوم الأول.. إذ حدثت مذبحة أزمير الشهيرة التي تناقلتها الصحف العالمية آنذاك.. ولم تجد الحكومة العثمانية المغلوبة على أمرها أمامها إلا تقديم احتجاج لدى المحافل الدولية.
هذه المآسي والمذابح الوحشية لم تستطع إيقاف حركة المقاومة وحركة الفدائيين، بل زادت المقاومة وانتشرت، وبدأت حرب الاستقلال.
وأخيرًا.. التقى الجيش التركي في موقعة فاصلة الجيش اليوناني وهزمه شر هزيمة، وطارد فلوله المهزومة حتى البحر، وفي1922/9/9م دخل الجيش التركي مدينة أزمير تحت قيادة «نور الدين باشا » وتحررت المدينة.
أورخان محمد علي