; المجتمع الثقافي: (1316) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (1316)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

مشاهدات 70

نشر في العدد 1316

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 08-سبتمبر-1998

من مظاهر التدهور التشريعي في الحضارة الغربية

الدعوة لإباحة تعاطي المخدرات

بقلم: د. محمد المهدي

ترتفع في هذه الأيام أصوات كثيرة في أمريكا مطالبة بتعديل التشريعات المتعلقة بتجريم الاتجار في المخدرات في السوق تحت قانون العرض والطلب دون التدخل لمنعها أو تجريمها، وهم يؤيدون مطلبهم هذا بالحجج التالية:

1- أن تجريم المخدرات «أي جعل تعاطيها أو الاتجار بها جريمة» قد ساعد على انتشار الجرائم في أمريكا بشكل متزايد، حيث إن المدمنين يرتكبون الكثير من جرائم السرقة والسطو والقتل بهدف الحصول على المال اللازم لتعاطيهم، وهم يرون أن توفير المخدرات في السوق بسعر رخيص سوف يقلل من تلك الجرائم.

2- إن إباحة المخدرات لن تزيد من أعداد المدمنين، حيث إن الفئات المعرضة للإدمان قد أدمنت بالفعل ووصلت إلى حد التشبع، بل الأكثر من ذلك أن وجود المخدرات تباع في الشارع سوف يجعل الفئة التي تأخذ المخدرات عنادًا ومعاداة للمجتمع تكف عن تعاطي المخدرات نظرًا لانعدام المواجهة التي تستلزم العناد.

3- وهم يرون أن الناس قد بالغوا في وصف أخطار المخدرات، وأن من يموتون أو يمرضون بسبب التدخين وشرب الكحول أضعاف أضعاف من يموتون أو يمرضون بسبب المخدرات، ويرون أيضًا أن إباحة تعاطي المخدرات سوف تتيح فرصة لإنتاجها بشكل نقي خال من التلوث، وبهذا يحافظون على صحة المدمنين.

4- ثم يقترحون بأن توجه الأموال التي كانت تنفق في مكافحة المخدرات، إلى برامج التوعية العامة.

وعلى الجانب الآخر يقف فريق من العلماء وأصحاب الرأي والحكمة يفندون هذه الادعاءات ويردون عليها بالبراهين التالية:

1- إن انتشار الجرائم في أمريكا قد جاء ثمرة لانتشار تعاطي المخدرات «وليس بسبب صعوبة الحصول على المخدر»، فقد أصبحت أمريكا على حد قولهم «كافتيريا واسعة لكل أنواع المخدرات»، وإن هناك أسبابًا أخرى عديدة لانتشار الجرائم ترتبط بالتركيبة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وأن قانون تجريم المخدرات قد وجد في أمريكا منذ ستين سنة، ولكن الجرائم قد زادت بشكل خطير في العقود القليلة الأخيرة.. إذن لا بد من أن نبحث في الأسباب التي أدت إلى ذلك.

2- والادعاء بأن إباحة المخدرات لن يتبعها زيادة في أعداد المدمنين هو ادعاء ساذج لا يستند إلى أي دليل علمي، بل على العكس فإن إباحة المخدرات قانونًا سوف يكسر الحاجز القانوني والاجتماعي نحو المخدرات ويشجع أعدادًا كبيرة من الطبقة المتوسطة على تعاطيها وسوف يزيل وصمة تعاطي المخدرات ويعطي رسالة للجميع بأن المخدرات شيء جيد بدليل إباحتها قانونًا، وهذا سوف يؤدي إلى كارثة تهدد الحضارة الغربية بالفناء السريع.

3- وأن القول: إن المخدرات ليست لها تلك الخطورة التي يتحدث الناس عنها قول ساذج لا يصدر عن عقول رشيدة أو علماء محترمين، لأن أخطار المخدرات العديدة ثابتة علميًّا دون أدنى قدر من الشك، بل ويصعب عدها، فهي تؤثر في التفكير وتجعله مضطربًا، وتؤثر في الحالة الانفعالية، وفي التحكم في النفس وفي الأداء الوظيفي والاجتماعي، وتؤدي في بعض الأحيان إلى حالات من الجنون والصرع والموت المفاجئ، والأغرب من ذلك أن المدمنين أنفسهم يعلمون أن تعاطي المخدرات ليس له نهاية إلا السجن أو الموت، والقول: إن تعاطي الكحول وتدخين السجائر أكثر خطرًا من تعاطي المخدرات لا يبرر إباحة المخدرات، بل يوجب تجريم الكحول والسجائر، وربما لا يعرف الكثير أن الكحول قد حرم في أمريكا من سنة 1925م إلى سنة 1935م، ثم أبيح استعماله بعد ذلك بسبب ضغط المدمنين وضغط الرأي العام وتسليم السلطات التشريعية في ذلك الوقت، بأنه على الرغم من الأضرار الشديدة للكحول إلا أن تعاطيه له جذور عميقة في الحضارة الغربية (حضارة مغموسة في الكحول)، ومن الصعب تجريمه «أو تحريمه».

4- ويتساءل العقلاء، كيف نبيح المخدرات ثم نقول: إننا سنوجه أموال المكافحة لتوعية الناس؟.. توعيتهم من ماذا؟ ألم نقل لهم بفعلنا إن المخدرات مسموح بها قانونًا؟ فكيف نقول لهم إنها سيئة وابتعدوا عنها؟ إنها بالطبع رسائل ساذجة ومتناقضة.

وهكذا يدور هذا الجدل الكبير هذه الأيام حول عدم تجريم أو تجريم المخدرات، وربما يظن القارئ أن الرأي الثاني سينتصر؛ نظرًا لأنه رأي العلماء والحكماء من القوم، ولأنه أيضًا الرأي الصحيح من وجهة نظر العقل والتجربة، ولكن للأسف الشديد فإن احتمالات انتصار الرأي الأول أكثر، نظرًا لارتفاع صوته، ولأنه يحقق مصالح المدمنين، الذين يمكن أن يشكلوا قوة ضغط في الانتخابات كما حدث في قانون إباحة الشذوذ، وفي السماح لهم بالخدمة في الجيش الأمريكي.

وما دامت التشريعات في الغرب تخضع لضغط جماعات الرأي العام، فإن المتوقع لها أن تنحدر استجابة لضغط ومصالح هذه الجماعات بصرف النظر عن أي اعتبار خلقي أو ديني أو عقلي.

حكومة إسلامية لا حكومة دينية

بقلم: المستشار مصطفى الشقيري

لا يوجد في الإسلام ما يسمى بالحكومة الدينية على النحو الذي كان سائدًا في أوروبا في العصور الوسطى، والذي كان يدعي فيه الملوك أنهم يستمدون سلطتهم بتفويض من الله لا من الشعب، وهم مسؤولون أمام الله وحده عن كيفية استعمالها، وقد عبّر عن ذلك لويس الخامس عشر في مقدمة المرسوم الذي أصدره سنة 1770م بقوله: «إننا لم نتلق التاج إلا من الله، فسلطة عمل القوانين هي من اختصاصنا وحدنا بلا تبعية ولا شركة».

لم يعرف الإسلام هذا النوع من الحكم، سواء في الفقه الإسلامي كنظرية، أو في الواقع العملي في تاريخ الدولة الإسلامية، فلم نسمع أن ثمة حاكمًا من حكام الدولة الإسلامية منذ نشأتها في المدينة المنورة على يد محمد صلى الله عليه وسلم وتوالى الحكام بعد ذلك من الخلفاء الراشدين إلى الأمويين والعباسيين وغيرهم حتى سقوط دولة الخلافة العثمانية، لم نسمع أن أحد الخلفاء ادعى أنه يحكم باسم الحق الإلهي، أو بتفويض من الله، أو أنه فوق مستوى المسؤولية، أو الرقابة الشعبية.

ولا يوجد في الأنظمة الدستورية الحديثة... نظام يصون ويحمي حقوق الشعب من جور الحكام واستبدادهم مثل النظام الإسلامي، والضمانات والضوابط التي وضعها الإسلام كفيلة بتحقيق ذلك -وذلك بجانب الضوابط الأخلاقية التي تربي الحاكم على خشية الله والخوف منه- وكل ذلك مستمد من أن الحاكم في الإسلام لا يستمد ولايته من الله أو من رجال الدين، إنما يستمد سلطانه من مبايعة الشعب له بعد توافر شروط حددها الفقه الإسلامي؛ بحيث يكون أهلًا لتولي هذا المنصب، وطوال الفترة التي كان نظام الحكم فيها مستمدًا من الإسلام، سواء في فترة الخلافة الراشدة، والتي كانت النموذج الأمثل للحكومة الإسلامية، أو في الحكومات التي تلت دولة الخلافة الراشدة، كان الشعب يقوم بمراجعة الحكام وإسداء النصح لهم، ولم يقل أحد: إنهم معصومون من الخطأ.

نخلص مما سبق أن التخوف الذي يبديه بعض المفكرين من قيام الحكم على أسس إسلامية ليس في محله، ذلك أن نظام الحكم في الإسلام يحول دون استبداد الحكام، ويعطي للأمة حق مراقبة الحكومة، ويضع ضوابط الفصل بين السلطات، ويحقق للأمة مصالحها على نحو أفضل مما تحققه الأنظمة الوضعية.

وليس معنى أن الإسلام لا يعرف نظام الحكومة الدينية بالمعنى المتعارف عليه في أوروبا وليس فيه نظام السلطة الدينية؛ لأنه لا شأن له بالحكم وتنظيم المجتمع، بل إن ذلك من صميم الإسلام ورسالته، فهو ليس طقوسًا روحية فحسب، إنما هو عقيدة وشريعة، هذا أمر عرفه المسلمون منذ أن أتم الله عليهم نعمته وأكمل لهم دينهم، والقول بغير ذلك ينم عن عدم الفهم الصحيح للإسلام ونوع من الخلط الشديد؛ لأنه من المعروف أن الذي يتولى الحكم في الإسلام ليس سلطة دينية بل حكومة عادية تنفذ أحكامه وتقوم على أمر الدين والدنيا، وحين كانت مقولة إن الإسلام دين فقط ولا شأن له بأمور الحياة ونظام المجتمع تتردد في كتابات بعض المفكرين كان يتصدى لها جهابذة وعلماء الشريعة بل وكبار رجال القانون.

يقول الأستاذ الدكتور عبد الرازق السنهوري في مقال له منشور بمجلة المحاماة الشرعية، العدد الأول، السنة الأولى، تحت عنوان «الدين والدولة في الإسلام» «يمتاز الإسلام بأنه دين ودولة، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لا لتأسيس دين فحسب، بل لبناء قاعدة تتناول شؤون الدنيا، وهو بهذا الاعتبار مؤسس الحكومة الإسلامية، كما أنه نبي المسلمين.. ولئن صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة نبيًّا فحسب، فلقد كان في المدينة زعيم أمة ومنشئ دولة».

ويقول أيضًا في مذكرته رقم 153 التي كتبها في باريس 18/ 1/ 1924:

«الإسلام قوي لا تهضمه الجنسية والاستعمار، ويحاول الغربيون أن يحولوا الإسلام إلى مجرد عقيدة لا شأن لها بالحكم حتى يسهل عليهم تفريق الأمم الإسلامية وهضم ما استعمروه منها وفناء كل فريق من المسلمين في جنسية من جنسياتهم وهذا هو الأمر الذي تجب مقاومته اليوم» (راجع كتاب) «فقه الخلافة وتطورها» ص 82 للأستاذ الدكتور عبد الرازق السنهوري، والذي قامت بطبعه الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1993م).

الرابط المختصر :