; المجتمع الثقافي (1527) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1527)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 16-ديسمبر-2002

مشاهدات 49

نشر في العدد 1527

نشر في الصفحة 58

الاثنين 16-ديسمبر-2002

قصة قصيرة

صامتون..!

السيد علي إسماعيل

أصبح ظل السماء معبأ بالغمام القائم.. الرياح تصفر.. الوحوش تزار الأرض ترتجف البحار تنضب. الأشجار تجف. النجوم تتساقط.. القمر يموت.. النهار يبتعد.. الليل الكتيب يطول.. يطول، وننتظر انقشاع الظلام الكالح. 

وتنساب خيوط الفجر القادم من بطن الأيام المقهورة المنضوية تحت صخور ظلام دامس يتهاوى فيه الليل المقمر. 

وتبعث الشمس بخيوطها الذهبية. فتتكشف الصدور لتستقبل الموت فرحة، وكذلك الأجساد التي باعت نفسها للذي اشتراها راضية.. وينتفض المنتفضون تهون النفوس وترسم لوحة متكاملة على جدران باتت منتصبة خاوية.. تبحث عن أصحابها وسط حروف قصيدة أبدعتها الأيادي الواضئة... وبين عبرات رواية طويلة لثورة منتظرة. انتظرها الأحرار طويلاً.

وحين سكبت الدماء.. غيرت لون الأرض فارتوت منها الرمال، وأصبحت الأشجار حمراء والزروع حمراء.. الزيتون أحمر. النخيل أيضاً مال إلى الإحمرار، كل ما ينبت من الأرض تحول لونه الأخضر إلى الأحمر القائم، فصار ابناً شرعياً للدم المنسكب. 

والتزمت الأحجار الصمود.. صمدت لأنها لم ترتو بعد بهذه الدماء المتدفقة وأبت إلا النفور لتضرب وجه الصامتين.. مضت في طريقها لا تعرف إلا الغليان. مضت تمتعر وجوه القوم.. تنفض من على رأسها الغبار... تحبو في صمت الليل.. تنثر أهات البعاد... التشرد.. التفرق.. الضياع. 

تنثرها على ملاءة الكون.. تحملها الليالي الطويلة الكتيبة الصامتة.. الثقيلة، تحملها فقط إلى المتأوهين.. النازفين.. المحزونين. 

ولا تجد غير الصمت.. الصمت البهيم!!. 

وربما وجدت الأنين والحنين ومن ثم «مصمصة»، الشفاه الغليظة.. الداكنة الكبيرة.. القوية.. وحين «تمصمص» هذه الشفاه - مجتمعة - تكاد تطرب العالم كما عندما ترتفع وتنخفض.. وتنخفض وترتفع وبعد ارتفاعها.. تنقبض وتنخفض. 

وخلال هذه «المصمصات» المهيبة يستيقظ ضمير العالم.. وتتنادى جماعات حقوق الإنسان و«الحيوان» فتتجمع وتخرج جيوشًا في صفوف مصفوفة، وطوابير بدايتها واضحة.. ولا نهاية لها. 

تعلن - كلها - اتحادها لمواجهة «الكارثة»  وتخرج الهمسات من بين الصفوف متسارعة «أي.. كارثة؟!! وبعد قليل تكشف الإدارة المسؤولة أنه وسط هذا الكون يوجد أناس «يتمصمصون»، ولابد من مناصرتهم!!.. عندئذ يرتاح الهامسون المتسائلون.. لأنه بعد هذه الضجة المثارة ستنفض الحشود التي سمعت مراراً بهذه «المصمصة»، ولم تحرك ساكناً.. وسوف تقفل راجعة.. فلقد اجتمعت واجتمعت، ولم تقدم شيئاً سوى الاجتماع.

وهو وحده كفيل بأن يوقف الشفاه الداكنة. عن !..«المصمصة»

صمت القطيع 

 كان يقود سيارته عائداً من عمله الإضافي وصوت الراديو يهدر بالأخبار المفزعة لدرجة أنه تخيل أنه لم يبق سواه على قيد الحياة.. لم يكن المنزل بعيداً، لكنه كان في منطقة خلاء.. شعر بآلام مثانته الممتلئة، أوقف السيارة على جانب الطريق وحاول الترجل منها بهدوء كان الظلام شديداً، بحيث لم يكن يرى موطئ قدمه، نظر للسماء، كانت مجرد سقف مطلي بالسواد بقي معلقاً بين السيارة والأرض، حتى تناهى إلى سمعه صوت قطيع من الخراف عندها تجاسر على النزول.. أنصت بشيء من الألفة.. لم يسمع لها صوتاً.. ساد صمت غريب، بينما بقي يسمع هدير قوائمها.. لقد كانت قطعاناً هائلة.. تسائل كيف تساق هذه الأعداد الهائلة في هذا الليل. تكوم غبار حرث قوائمها للأرض في حلقة، كان غباراً أزرق يشبه الدخان الذي ينطلق من عوادم السيارات يزيد من ظلمة هذا الليل وحلكته. شعر بالاختناق.. حاول ازدراد ريقه كان طعم التراب مراً، حنظلياً، صعب البلع، كان يحتمي بعجلة السيارة، وكان لايزال يسمع صوت هدير أقدامها يضرب الأرض وهي تقترب بهدوء وصمت شديدين حتى على كثرتها لم تكن تثغي، وحين يخيل إليه أن ما سمعه هو صوت ثغاء وإن كان صوتاً واحداً مكتوماً مريراً يتبع ذلك همهمة وصوت تهشم لشيء ثم يسود الصمت من جديد..

هل يمكن أن تكون بلا رعيان لم يكن هناك غناء ولا نشيد، تساءل بمرارة: ألا يفعل الرعيان ذلك لم يكن يرى من الطريق إلا بقدر مسافة أضواء المصابيح الأمامية، وكانت السيارات المارة بجنون تضيء المكان للحظة خاطفة، ثم يعود الظلام سيد المكان بعد فترة خيل إليه أنه يسمع صوت الرعيان كان واضحاً أنه صوت الرعيان.. لقد كانا اثنين فقط وكان يبدو أن أحدهما يعطي الأوامر والآخر يتلقاها، كان الرأي لواحد والآخر بلا صوت، كان يبدو أنهما على خلاف، لكن الأول كان قوياً وحازماً.. كانت أضواء السيارات القادمة من الاتجاه الآخر تعكس على باب السيارة الخلفي ظلاً لعدد من الذئاب كانت تذهب وتجيء في مسافة متر واحد، وتدور حول نفسها بعصبية... أغلق باب سيارته ببطء، وعلى الباب رأي ظلال أعداد أخرى من الذئاب كان واضحاً من حركتها القلقة أنها تنتظر في هذه الأثناء، عاد الراعيان للحديث المتقطع القليل المرتاب، في حين كانت القطعان تسير بهدوء واطمئنان غريبين قال المتردد الذي يبدو تابعاً للآخر : لماذا؟ رد الأول بطريقة غريبة هازئاً لأن هذا هو ما يفعل بالضعفاء... بعد صمت طويل، وكأنه يحاول أن يستجمع شجاعته لطرح السؤال: لكن لماذا علينا فعل ذلك ؟؟ قال بقسوة وقد بدا صبره ينفد إما نحن وإما هي؟ هه ماذا تختار؟.. عاد الصمت من جديد والقطعان بدت تقترب كثيراً من هنا رغم عواء أحد الذئاب في هذه الأثناء وبينما هو يقف متردداً بين البابين الأمامي والخلفي لسيارته، وقد شل الخوف قدرته على الحركة رأى أحد الرعيان لقد كان طويلاً ضخماً، وله أذنان طويلتان حادتان كتلك التي رأى على باب سيارته وبمساعدة أضواء السيارات رأى عينيه ورأى بهما اللمعان نفسه، لم يكن هناك سواه، أما بقية الرعيان، فقد كانوا من ضمن القطيع..

لقد كانت القطعان تعرف أين تساق، ولم تكن تثغي... لم تكن تثغي كما يجب، لم يكن يثغي سوى واحد أو اثنين، ولم تحاول الهرب للجهة الأخرى، الغريب أنها لم تكن تثغي.. لم تكن تثغي. 

منيرة الأزيمع – الظهران 


لا ينفك النص عن المؤلف

بقلم: محمد السيد

إن لم يحمل الشعراء هم أهلهم فمن ينهض جامحاً يتلو تراتيل أوجاعهم....؟ ومن للنص يحضر معه الكاتب فلا يموت؟ 

وتأتي الحداثة، وما بعدها، لتعلن بصلف غياب الكاتب خذ الكلمات وأقرأها واترك الكاتب يموت في ذاكرتك عذرك في حمل هذه الفكرة الشكلي، أنك أيها المثقف العربي، مجرد كاتب هوامش على  حواشي ما يدفعه إليك المركز الغربي الثقافي من متون... (كما عبر عن ذلك الحبيب الجنحاني في جريدة الزمان 27/4/2001م.

وأنت أيها الشاعر الفلسطيني «سميح القاسم»، كيف يغيب عنك خطل الفكرة، فيطاوعك جنانك أن تشارك في تلك الأسطورة المهولة هولوكست؟ محاولاً بعث الحياة في خرافة تقتل كل صباح ومساء أطفال شعبك، وتعتدي على مقومات وجودك، وتهين كل قيمة إنسانية لا تزال قائمة صامدة على تخوم ذاكرتك؟. 

ما الذي تقصده من الإهابة بشعبك المذبوح أن يقف دقيقة صمت، حدادًا على ضحايا الهولوكست الذين بحجتهم سرق وطنك وتنشر ذلك في جريدتك، مما جعل حتى إذاعة لندن تذهب إلى استغراب عرض وإهابة كهذه من مثلك؟.. اكانت هذه الإهابة منطلقة من إيمانك بمقولة «موت الكاتب»، وغيابه عن النص..؟ لكنك لم تحسن التخفي، إذ لم تنتبه إلى أن الناس كل الناس لا يؤمنون بهذه الفكرة المجلوبة بل أنهم يشددون طول الوقت على تلازم النص والموقف وتناسبهما وتوافقهما ولهذا فهم يحضرون الكاتب دوماً ليحكموا له الحساب على سطور النص وما بين السطور. 

أم أن أحلام «النوبل»، وجوائزها راودت مخيلتك حيناً من الدهر، وعلمت أن مفتاح البوابة يقبع في تلك الطاقة؟ ولكنك تعلم أنه قد سبقك بها المنتظرون من قبلك الأخذون بتلابيب النصوص الأصيلة، كي يفجروا بها جبهات الأمة، ظناً منهم أن كل الاحتفالات التي يلاقونها، تغنيهم عن التأمل الطويل فيما أقدموا وما سيقدمون عليه من تقديم رأس ثقافة الأمة على طبق من غدر لأعدائها والراغبين في انفجارها من الداخل. 

وأختم كلامي اليوم بالقول: إني أحسن الظن، وذلك من خلال علمي أنك تحمل هم قضية وشعب.. فلا تنزلق القدم بك إلى مواقع الفصام بين الكلمة والموقف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم