; المجتمع الثقافي (1552) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1552)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003

مشاهدات 61

نشر في العدد 1552

نشر في الصفحة 48

السبت 24-مايو-2003

 مسرحية من فصل واحد

الحضارة السوداء

محمد على البدوي

تفتح الستارة

المنظر: جزء من غرفة النوم، مضاءة إضاءة خفيفة، تظهر صورة معلقة على حائط الغرفة، ومكتب صغير في الوسط وأوراق مبعثرة هنا وهناك.

المشهد: صاحب الغرفة - سالم - يظهر وهو يجوب الغرفة يمنة ويسرة، وكأنه يفكر في أمر ما..

سالم لابد.. لابد.. من مشروع كبير وضخم... و... وحديث ترى ما هذا المشروع ما هو؟ يتوقف قبالة الجمهور - وجدته... شقق مفروشة للعزاب. نعم للعزاب شريحة مهملة ومحتقرة... وحاجتهم للسكن ملحة.. لاسيما وأنهم غرباء مساكين سأستغل هذه الفرصة... التجارة مهارة و... و لكن ما هذا يا حاج سالم؟ أين أخلاقيات التاجر المسلم؟ أين الصدق والأمانة؟ والعطف على المساكين لا.. لا.. سأترك هذا المشروع وأبحث عن مشروع مشروع آخر... آخر. نعم... نعم لقد وجدته مشروع الموسم... مؤسسة عملاقة متخصصة في الصرف الصحي المدن الكبيرة والمجمعات السكنية الضخمة تشتكي من طفح مياه المجاري التي تهدد البنية التحتية وبالتأكيد سيدفعون كل ما أريد في سبيل تخليصهم من هذه المشكلة و.... و.... ولكن ما هذا -يضع يده على أنفه- صرف صحي.. مجاري.. ما هذه القذارة يا حاج سالم؟ المسلم يتنزه عن هذه الأعمال الممتهنة أووه... لقد تعبت في الحصول على مشروع أضرب به السوق... وأحقق به الأرباح العالية.. أنا أبحث عن مشروع حديث يدر علي الملايين.. يحتاجه الناس جميعًا ويبحثون عنه.. إذن ما هذا المشروع؟ يقف فجأة.. وجدته.. وجدته يا لسعادتي - يدور حول نفسه - بالسعادتي السعادة.. الجميع يبحث عنها .. الصغير والكبير.. الغني والفقير يبذلون من أجلها الأموال ليسافروا إليها كل مكان... سأقدمها لهم في أطباق من ذهب.. سأطلق قنبلة القرن سأكون حديث العالم الصحف والمجلات... ومحطات التلفزة وأجهزة الحاسوب.. ومواقع الإنترنت.. ياللسعادة... إلى السعادة.. ياسادة.. إلى السعادة.

 تضاء خلفية المسرح لوحة عملاقة كتب عليها الحاج سالم... للسعادة الجاهزة، يظهر سالم تحت اللوحة في الانتظار.. يسمع وقع أقدام يظهر من يمين المسرح رجل عجوز وقد اكتسى رأسه بالشيب.. تتضح معالم العجوز شيئًا فشيئًا.. إنه الروائي الأمريكي «همنجواي». 

همنجواي طاب مساؤك.

سالم: ومساؤك.

همنجواي: الحاج سالم صاحب حانوت السعادة؟

سالم: بشحمه ولحمه واسمه ورسمه.. أنا سالم وهذا الحانوت «يشير إلى اللوحة». همنجواي: شكرًا لله.. لقد وصلت أخيرًا.

سالم: هل من خدمة؟

همنجواي: يبدو أنك لا تعرفني يابني.

سالم: يسرني أن أتعرف.

همنجواي: أنا أرنست همنجواي... الروائي الأمريكي. 

سالم: الشيخ والبحر، ولمن تقرع الأجراس.. ومائة عام من العزلة...

همنجواي: «مقاطعًا» بل مائة عام من الشقاء والتعاسة.. صدقني يابني صدقني.

سالم: وجائزة نوبل؟

همنجواي: جائزة نوبل والأضواء والشهرة والأموال لم تصنع لي السعادة إنني في بحر متلاطم من القلق والمرض والوحدة.. أحس أن شيئًا عظيمًا ينقصني

سالم.. و...

همنجواي: وجئت إليك في سبيل الحصول على السعادة التي بحوزتك.. سأدفع لك كل أموالي وأضوائي وشهرتي فقط امنحن السعادة.. امنحني السعادة.. أرجوك.

يجثو «همنجواي» على ركبتيه.. ويستند على كفيه.. ويجهش بالبكاء.. بينما تسلط عليه إضاءة خفيفة.. وقع أقدام أخرى تضاء الإنارة يدخل شاب في الأربعين من عمره.. يبدو عليه القلق والاكتئاب تظهر صورته بوضوح... إنه «ديل كارينجي».

ديل: عمتما مساء.

سالم: السلام على من اتبع الهدى.

ديل: أيكما الحاج سالم؟

سالم: نعم.. هل من خدمة؟

ديل: أنا ديل «كارينجي».. جنتك من أقصى الأرض أنشد السعادة التي أعلنتها عبر موقعك

في الإنترنت. 

سالم: انتظر قليلًا.. انتظر.. يهرش رأسه... كارينجي «دع القلق وابدأ الحياة».. ألست أنت..؟ 

ديل: بلى انا من كان يعالج القلق.. أنا من كان يشق للناس طريق السعادة.. لكنني أقسم لك يا سيدي إنني أعيش القلق الآن.. أعيش العذاب.. حاولت أن أوهم نفسي بالسعادة... شربت كثيرًا.. أكلت حتى اتخمت.. رقصت حتى تعبت.. ولكن ... لا فائدة.. لا فائدة.

سالم: عجیب!

ديل: لا تعجب.. يا سيدي إنها الحقيقة المرة .. نعم... هي ما أحدثك به الآن.

سالم: وكتبك ومؤلفاتك وأموالك وشهرتك.

ديل: إنها المزيد من الشقاء.. بل هي الشقاء بعينه.. أرجوك لا تكثر علي يا سيدي وامنحني سعادتي.. وسأمنحك كل ما تريد .. أرجوك.. أتوسل إليك.

ينتبذ مكانًا قصيًا من المسرح ويجهش بالبكاء حيث تسلط عليه الإضاءة.. وقع أقدام تقترب أيضًا.. يظهر رجل في الخمسين من عمره وقد عصب رأسه وذقنه بعصابة من القطن الأبيض.. تتضح معالمه.. ويظهر للجمهور.. إنه الفنان العالمي فان جوخ.. يقترب من الحاج سالم. 

جوخ: هنا سالم؟

سالم: أنا سالم.

سالم وأنت؟

جوخ فان جوخ.. الفنان العالمي.

سالم بالطبع أنت عالمي.. ومحظوظ بالشهرة والملايين.

جوخ «في حزن» هكذا يقولون.

سالم: يقولون..؟!

جوخ بل يزعمون. إنهم لا يعلمون بالجحيم الذي أعيشه.. أتنفسه.. أمضغه. ها... ها... ها ... «يضحك».

سالم: یا سید فان...

جوخ «وقد تشبث بسالم»: بل أنت سيدي.. أنت منقذي.. سأهبك كل ما أملك من أجل الحصول على سر الحياة.. إكسير الحياة الذي بحوزتك.. السعادة.

سالم «في خبث» كل ما تملك..؟! حسنًا.

«تضاء الإنارة فيظهر الجميع في المسرح».

همنجواي: بل أنا الذي سأدفع لك ما تريده.

ديل: بل أنا سأكتب لك كل شيء.. كل شيء..

جوخ: بل أنا.

همنجواي قلت لك أنا ..

ديل: اصمتا .. أنا الذي سأحصل على السعادة أولًا.

سالم: ها.. ها... ها... «يضحك» أشقياء.. لا يمكنكم الحصول على إكسير السعادة.

الجميع: لماذا؟!

سالم: لأنكم تأخرتم كثيرًا.. كثيرًا جدًا..

الجميع: تأخرنا.

سالم: نعم.. يا سادة ... لقد انتحرتم... اخترتم نهايتكم بأنفسكم.. الشهرة.. الأضواء...

المعجبون.. الأموال الطائلة لم تمنحكم السعادة... أما أنا فسر سعادتي في قلبي.. في إيماني بربي.. وقناعتي برزقي ويقيني بدربي في صلاتي.. سعادتي في يدي.. «يصرخ» هيا انصرفوا.. لن أبيعكم سعادتي.. هيا .. هيا .. 

الجميع.. لا .. لا .. لا ...

«تطفأ الإنارة.. ويعم الظلام المسرح.. وتختفي الأصوات.. يضاء المسرح وتظهر غرفة وقد خلت من كل شيء إلا من سرير النوم وعليه سالم تقلب على فراشه وهو يصرخ. سالم: هيا.. انصرفوا.. انصرفوا.

«يدخل صديقه خالد ينظر إلى الساعة ثم تقدم إليه ليوقظه».

خالد: أووه أما زلت نائمًا؟.

سالم... هيا استيقظ

سالم: يستيقظ وهو يغالب النوم.

سالم: أين أنا؟

خالد: أنت هنا يا سيدي.

سالم :وأين فاخ جوخ.. وديل كارينجي؟

خالد: سالم.. ما الذي حدث لك يا عزيزي؟ لقد تأخرنا كثيرًا عن موعد المقابلة في الوظيفة الجديدة.. هذه عاشر مؤسسة نتقدم لها.

سالم: وظيفة.. أي وظيفة.

خالد: أووه.. هل ستعود مرة أخرى.. هل نسيت أننا نبحث عن وظيفة منذ سنتين بلا فائدة.

سالم: ولكن مشروعي القادم..... 

خالد: «مقاطعًا»: عدت للحديث عن مشاريعك... سأنصرف.. وسأتركك للأحلام.. وداعًا سالم وهو يهم بالخروج خالد: انتظر يا صديقي... انتظر

«يتبعه سالم.. تطفأ الإنارة»

ستارة...


مفارقة قاتلة

محمد السيد

في أوساط النخب الثقافية قصيدة رثاء، تتلى في حفل زفاف ممهور بالنفاق.

حلم اليوم.. حلم الغد.. شوق الأطفال لأمهاتهم بعد طول غياب، إنها جميعًا تصل إلى مفترق الطرق، والمشهد الثقافي الغربي يتشظى مفارقًا بغالبية رائحة الأرض، نائيًا بجنبه عن قلب الهوية، متقلبًا بوجهه في حيوات الآخرين، داخلًا بصلبه في قوقعة التخفي، التي تظهر قولًا، وتبطن موقفًا ورأيًا وفكرًا وممارسة، وذلك ليتلاشى المعنى الوجودي للجمع في صورة قلقة حيرى، لا تصمد لريح، ولا تقف الهجمة فالزيتونة العتيقة أضحت ظلامية، ومياه النبع مجتها الأذواق المريضة، والتربة الفواحة بالأمجاد والأجداد تحولت إلى سراب خادع في عرف الذين يمتطون جواد الثقافة هذه الأيام، أو يعومون في بحارها الضحلة، يريدونها نقلة منبتة، لا أرضًا تقطع، ولا ركبًا تبقى يفجرون التاريخ والأصل، ولا يقدمون شيئًا يستطيع مداعبة حلم الجمع القريب، بل الملتحم مع الأصل الذي يشكل الإسلام المكون الأساسي في ثقافته، كما قال الأستاذ محمد عبد الجبار في كتاب الديمقراطية بين العلمانية والإسلام.

العجيب في نص هؤلاء المثقفين الساعين إلى الفراق، أنهم يدعون فيه طلب الحرية واحترام الرأي الآخر، في الوقت الذي تدل ممارساتهم الفكرية على روح إقصائية قمعية للآخر المخالف مهما كان اتجاهه، لا سيما إذا كان هذا الآخر إسلاميًا.

وتتجلى هذه الروح الإقصائية أول ما تتجلى في:

  1.  مفارقة كل ثقافة تمت إلى الإسلام مع أن الإسلام جزء أساسي من مكونات الذات الجمعية لمجتمعات العالم الإسلامي (الديمقراطية بين العلمانية والإسلام ص ۱۳۲).

 وهم بهذا يقصون عن عمد هذا المكون الأساسي لثقافة الأمة، ويتعاملون معه وكأنه غير موجود أو غير مرغوب فيه، ولذلك عوقبوا بإعراض الجماهير عن نصوصهم الغريبة. 

  1.  التعامل غير التسامحي مع النص الآخر المخالف أو المعارض، إلى الحد الفاصل بين الحياة والموت، إذ إنهم بممارساتهم وقفزهم البهلواني فوق الحقائق وخارج ادعائهم لقبول الرأي الآخر، أسسوا لمنهج إعدام المخالف وتغييبه من خلال الإجهاز عليه بالتهم والتحريض السلطوي، وطمس الحقائق واتخاذ الافتراء مركبًا، يبحرون به إلى غاية واحدة متمثلة في إخراج كل نص أصيل أو دعوة مؤسسة على فكر الاستمرار من الساحة مرة واحدة وإلى الأبد. 

ولقد كان جورج طرابيشي أحد أصحاب هذه النصوص التي تسعى إلى نقل فعل النص الأوروبي الثقافي، لفرضه على الساحة الثقافية العربية معارضًا كل نأمة تحاول الكلام عن التراث الثقافي، ولو كان هذا الكلام غير صائب:

فانتقد الطرابيشي عابد الجابري، لا لأن هذا الأخير أورد كلامًا صائبًا في نقد العقل الغربي، بل لأنه عول شيئًا على التراث واستمرارية النقلة الحضارية ودور التاريخ في هذه النقلة، ولم يكتف الطرابيشي بذلك، بل حاول ويحاول إعدام الكثيرين ممن نهجوا على خط إعطاء التراث والاستمرارية شيئًا من الاعتبار.

إن الطرابيشي مثل واحد من الأمثال التي تضرب في هذا السياق، وإلا فإن الكثير من الذين يتصدرون المشهد الثقافي العربي، ينهجون النهج غير التسامحي مع الرأي الآخر مع أنهم في الوقت نفسه يدعون ادعاء عريضًا بالحرية وقبول الرأي الآخر، وهذه كما ترى مفارقة قاتلة خصوصًا عندما يكون النهج القمعي المطروح لا يعتمد مرجعية معقولة سوى الهوى والمزاجية واتباع المستورد..


 أحمد شوقي... في مدائحه النبوية

ذهب الشعراء في تناولهم مدح الرسول الكريم ﷺ مذاهب شتى تتناسب وشخصية الشاعر، ولون ثقافته، وتتأثر بالذوق الفني العام للأدب في العصر الذي قيلت فيه وبالظروف العامة من سياسية واجتماعية وفكرية في فترة انتشارها.

وسيرة الرسول الكريم  من يوم أن بدأ دعوته إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى صارت مصدر إلهام الشعراء، وينبوعًا صافيًا فياضًا لا يعتريه نقص، يتجدد فيضه دفاقًا قويًا عطرًا ذكيًا، يستمد الشعراء منه أروع قصائدهم، ويسجلون بأسلوبهم سجايا الرسول الكريم ومزايا شريعته الغراء، ويرسمون للناس أمثل الطرق للاقتداء بنبيهم، ويصورون ما تضمنته السيرة من بطولات وتضحيات، وصبر وجهاد، حتى أتم الله نوره﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (التوبة:40).

وبعض الشعراء يقتصرون على ذكر السيرة النبوية، وصفات الرسول الكريم، ونسبه الطاهر، وسرد الغزوات، وهذا ملحوظ في أغلب المدائح التي قيلت إلى أوائل عصرنا الحديث، ومن ثم لم يعد الشعراء يكتفون بذلك، بل إنهم وجهوا اهتمامهم إلى الموازنة والربط بين الماضي والحاضر، والدعوة إلى الاقتداء بما في سيرة الرسول من بطولات وتضحيات، وأخذوا يبرزون مزايا الشريعة الإسلامية، ويدعون للعودة إليها، ويبينون للمسلمين أن أهم أسباب تأخرهم ترجع إلى عزوفهم عن قرآنهم، وسيرة رسولهم ﷺ ، وأن المستعمرين لم يطمعوا فيهم إلا يوم أن هجروا تعاليم دينهم والذي وجه شعراءنا في العصر الحديث هذه الوجهة هو ما أصاب الأمة الإسلامية من نكبات بسبب الاستعمار... الذي تغلغل في الأقطار الإسلامية وفرض سيطرته عليها، وحاول متعمدًا الغض من مبادئ الإسلام، وتحقير كل ما هو شرقي.

وشاعرنا الكبير أحمد شوقي عاش في فترة من الزمن شهد فيها العالم الغربي أحداثًا جسامًا، من احتلال أجنبي، إلى قيام حرب عالمية، ثم تلا ذلك ما تلا ذلك من ثورات بغية التخلص من نير الأجانب وما كان يظل الأقطار الإسلامية من سلطان الخلافة الإسلامية، وما دب بين شعوبها من فرقة وتخاذل، وما نشأ فيها من جهل وفساد في نظم حياتها السياسية والاجتماعية والفكرية، ولم يكن هناك غير بصيص من الأمل في الشعور المكبوت الذي غذته دعوات المصلحين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومصطفى كامل، وغيرهم، وأخذت تذكيه قرائح الشعراء الذين أسهموا بنصيب وافر في إيقاظ الشعور في القصائد الكبرى التي ظهرت عند نهاية الحرب العالمية الأولى، مثل «بكرية، عبدالحليم المصري، وعمرية، حافظ إبراهيم، وعلوية، عبد المطلب التي صورت أقوى الشخصيات الإسلامية، وأروع انتصارات المسلمين في عهودهم الزاهرة يحفزون بها الشباب.

وشعر شوقي في مجموعه يعد صورة حية للفترة التي عاش فيها، بالإضافة إلى تلك الصور الخالدة التي تنطق أحداث الماضي، وقد تناول أغراضًا كثيرة وعد في بعضها من المجددين.

ومن الموضوعات الإسلامية التي تناولها مدح الرسول الكريم في أربع قصائد كبرى تعد من عيون الشعر حاكى في اثنتين منها الإمام البوصيري، والأخرى هي «الهمزية»، أما القصيدة الثالثة، فهي «سلوا قلبي» وهذه القصائد الثلاث بالديوان والرابعة بعنوان «ذكرى المولد»، وهي منشورة بكتاب آخر عنوانه كرمة ابن هانئ هذا غير مقطوعة من ثلاثة وخمسين ومائة بيت ضمن أرجوزة العرب الكبرى، وكان إنشاء هذه القصائد جميعًا بين ۱۹۱۰ و۱۹۱۷م، وقد تناول شوقي في هذه المدائح نواحي عديدة من سيرة الرسول الكريم وحياته وشريعته.

وقد نفذ شوقي إلى عرض سيرة الرسول من خلال هذه المدائح لينفس عما يجيش بصدره من آلام سببها هجوم المستعمرين من أمثال هانوتو الذي نشر رسالته المشهورة عام ١٩٠٠م، وتصدى لها الإمام محمد عبده بالتفنيد، ثم كرومر الذي كان لا يألو جهدًا في الطعن على الشريعة الإسلامية، وغير هذين الاستعمارين ممن كانوا يحاولون إذاعة الفتن وبلبلة الأفكار لزحزحة المسلمين عن عقائدهم.

ومن الأمور التي أذاعها المغرضون: أن الإسلام قد أقام دولته ونشرها بحد السيف، وهم يرمون من وراء ذلك إلى الغض من قيمة القرآن في هداية البشر، وقد تناول شوقي هذه الدعوى، وفندها منطقيًا، مستدلًا بما لقيته المسيحية من اضطهاد في أول أمرها.....

يقول في نهج البردة:

 قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا    لقتل نفس ولا جاؤوا لسفك دم

جهل وتضليل أحلام وسفسطة     فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم

لما أتى لك عفوًا كل ذي حسب    تكفل السيف بالجهال والصمت

والشر إن تلقه بالخير ضقت به    ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحس

طريدة الشرك يؤنيها ويوسعها     في كل حين قتالًا ساطع الحد

 لولا حماة لها هبوا لنصرتها        بالسيف ما انتفعت بالرفق والرحم 

وعندما يجيء ذكر الشريعة الإسلامية ومزاياها نجد الفيض الغزير والمعلومات القيمة التي تظهر في الموازنة بين الشريعة الإسلامية، وما سبقها، ويخيل إليك أنك تستمع إلى عالم متضلع، وفيلسوف يحلل ويقيم الأدلة والبراهين على فضل هذه الشريعة الغراء، وكأنه يريد أن يقول: إن كل ما يرمى به هذه الشريعة من مطاعن ينبغي ألا يلتفت إليه، أو يقام له وزن مهما كان مصدره.

يقول في نهج البردة:

شريعة لك فجرت العقول بها        عن زاخر بصنوف العلم ملتطم

يلوح حول سنا التوحيد جوهرها   كالحلي للسيف أو كالوشي للعلم

غراء حامت عليها أنفس ونهى      ومن يجد سلسلًا من حكمة يحم

ثم يبين أنها صالحة لكل زمان ومكان، وأنها كفيلة أن تنير السبيل أمام المصلحين في سائر أقطار العالم على مر الزمان، وكر السنين.

نور السبيل يساس العالمون بها   تكفلت بشباب الدهر والهرم 

يجري الزمان وأحكام الزمان على  حكم لها نافذ في الخلق مرتسم 

ثم يبرهن على ذلك بما كان في ماضي الأمة الإسلامية، مما سجله التاريخ:

لما اعتلت دولة الإسلام واتسعت   مشت ممالكه في نورها التمم

 وعلمت أمة بالفقر نازلة             رعي القياصر بعد الشاء والنعم

 أرأيت تصويرًا أدق من هذا إلى أثر الإسلام في العرب ثم استمع إليه حين يشير إلى نتيجة التمسك بمبادئ الإسلام وشريعته:

كم شيد المصلحون العاملون بها       في الشرق والغرب ملكًا باذخ العظم

للمعلم والعدل والتمدين ما عزموا    من الأمور وما شدوا من الحزم

سرعان ما فتحوا الدنيا لملتهم         وأنهلوا الناس من سلسالها الشيم

ساروا عليها هداة الناس فهي بهم   إلى الفلاح طريق واضح العظم 

ثم تراه يعرض بسائر المبادئ التي يحاول المستعمرون إذاعتها لتنحية تعاليم الإسلام، ويعتبر أن شريعة الإسلام وحدها هي الصالحة"

لا يهدم الدهر ركنًا شاد عدلهم       وحائط البغي إن تلمسه ينهدم 

نالوا السعادة في الدارين واجتمعوا   على عميم من الرضوان مقتسم

ثم يعود إلى تكرار هذه المعاني بصورة أخرى في الهمزية، وهنا نجده يوازن بين تشريع الإسلام وغيره من الشرائع، وينحي باللائمة على الذين يتعرضون للإسلام:

ظلموا شريعتك التي نلنا بها             ما لم يذل في رومة الفقهاء

مشت الحضارة في سناها واهتدى   في الدين والدنيا بها السعداء 

ويقول في الموازنة:

بك يا بن عبد الله قامت سمحة    بالحق من ملل الهدى غراء 

بنيت على التوحيد وهو حقيقة    نادى بها سقراط والقدماء

إلى أن يقول:

داء الجماعة من أرسطاليس لم   يوصف له حتى أتيت دواء

فرسمت بعدك للعباد حكومة    لا سوقة فيها ولا أمراء

الله فوق الخلق فيها وحده       والناس تحت لوائها أكفاء

فهل جاء المصلحون ودعاة الديمقراطية بما هو أسمي من ذلك؟ وزعماء الاشتراكية، هل سبقوا محمدًا في دعوته إليها، وتطبيقه العملي لمبادئها؟

الاشتراكيون أنت إمامهم      لولا دعاوى القوم والغلواء

 داویت متئدًا وداووا طفرة  وأخف من بعض الدواء دواء

ويقول في قصيدة سلوا قلبي:

 فلم أر غير حكم الله حكمًا  ولم أر دون باب الله بابا 

ولا عظمت في الأشياء إلا   صحيح العلم والأدب اللبابا 

ويعد أبيات تراه يعيب على المسلمين حرمان الفقراء حقوقهم، وإهمالهم فريضة الزكاة مع تأديتهم لغيرها من الفرائض:

عجبت لمعشر صلوا وصاموا    ظواهر خشية، وتقى كذابا

وتلفيهم حيال المال صما         إذا داعي الزكاة بهم أهابا 

لقد كتموا نصيب الله منه     كأن الله لم يحص النصابا

وقد كان شوقي يشعر في قرارة نفسه بالحالة العامة للأمة الإسلامية، ولم يكن يملك غير الدعاء والتوسل إلى الله أن يأخذ بيدها، وينتشلها مما تردت فيه ولكن بعد أن عرض مزايا شريعة الإسلام، وصور عظمة المسلمين أيام كانوا متمسكين بها أدق تصوير، ودعا إلى العودة إليها لأن ذلك هو طريق العودة إلى المجد.

يقول في ختام نهج البردة:

یا رب هبت شعوب من منيتها       واستيقظت أمم من رقدة العدم

سعد ونحس، وملك أنت مالكه      تذيل من نعم فيه ومن نقم

رأي قضاؤك فينا رأي حكمته           أكرم بوجهك من قاض ومنتقم 

يا رب أحسنت بدء المسلمين به   فتمم الفضل، وامنح حسن مختتم 

رحم الله شوقي، فقد كان في إسلامياته واعيًا عميقًا، ينطق عن بحث في ماضي الأمة الإسلامية، وخبرة في حاضرها، وأمل في مستقبلها..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

155

الثلاثاء 05-يناير-1971

رد على إسفاف المشبوه

نشر في العدد 74

225

الثلاثاء 24-أغسطس-1971

عداء اليهود للأمة الإسلامية

نشر في العدد 216

129

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

بريد المجتمع (216)