; المجتمع الثقافي (1790) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1790)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2008

مشاهدات 71

نشر في العدد 1790

نشر في الصفحة 44

السبت 23-فبراير-2008

28 عامًا مضت على اعتقاله..

قراءة في أوراق الأديب الأسير «إبراهيم عاصي»

 يحيى بشیر حاج يحيى

 

إبراهيم عاصي أديب سوري، ولد عام ١٩٣٥م، صدر له في مجال القصة القصيرة والنقد الاجتماعي إصدارات منها: سلة الرمان، ولهان والمتفرسون، حادثة في شارع الحرية، للأزواج فقط، همسة في أذن حواء.

 

وقد كتب عن أدبه الناقد محمد الحسناوي ود. عماد الدين خليل والأستاذ محمد حسن بريغش ود. مأمون فريز جرار وكاتب هذه السطور، وطبع أكثر إنتاجه في دمشق والدوحة وبيروت والقاهرة. وقد مضى على «اعتقاله» أكثر من ثمانية وعشرين عامًا، وانقطعت أخباره كالآلاف من المعتقلين.. وهو إلى جانب الكتابة الأدبية والفكرية والاجتماعية، كان خطيبًا متميزًا ومحاضرًا ناجحًا، وناشطًا في مؤسسات العمل الخيري.

عرفته أستاذًا لي في المرحلة المتوسطة والثانوية، وعاصرته زميلًا في التدريس، وأخًا ناضجًا في العمل الإسلامي والإصلاح الاجتماعي.

ضيق عليه في مجال التعليم ما بين نقل داخل المحافظة، أو إبعاد إلى محافظات أخرى ثم تغيير في العمل بنقله من التعليم إلى دوائر خدمية.

من المناسب بعد ثمانية وعشرين عامًا على اعتقاله أن أطلع القراء على بعض ما لم ينشره قيامًا بحقه وتمهيدًا لإصداره في كتاب كان قد كتب مقدمته بعنوان من حصاد الأيام.

وهأنذا أنتقي للقارئ بعض ما جاء فيه: «يقول أستاذنا الحاضر الغائب في فقرة تحت عنوان «الشرف العظيم» شرف للإنسان عظيم، بل خير له ألف مرة، أن يقال عنه: فلان قضى –وهو في شرخ الشباب– في سبيل الله، من أن يقال عنه: «فلان عاش حياته الطويلة كلها وهو يتغنى بحب الله». وتحت عنوان «وجوه الظلام» يقول: لقد قرأت الظلم في عيون كثيرة ورأيته في وجوه شتى ولكنني ما قرأت وما رأيت ظلمًا هو أوضح صورة، وأدق تعبيرًا منه في وحل جلده الصقيع، إنه وحل خشن صلب كز متحجر لئيم، على أنه ما أسرع ما يميع لمجرد أن يمسه أول خيط من دفء شمس ونور!!

وكذا الظلم والظلام.. فيرغم لوم النظرة، وكزازة الوجوه فإن نور الحق سرعان ما يفضحهم.. شمس الإرادة سرعان ما تصهرهم وتجريهم وحلًا ذائبًا أذل من الطين!!

وتحت عنوان «الأخلاق والنقد» يقول: «أخلاق بلا دين كنقد بلا تغطية فهذا زائف موقوت، وإن تداوله بعض الناس وتلك وقتية زائلة، وإن تحلى بها بعض الأشخاص.

 أخلاق صادرة عن دين كنقد يدعمه الذهب فهذا يزداد قوة، ويعظم نفوذًا بتعاظم رصيده من السبائك، وتلك تزداد رسوخًا وأصالة بتزايد الدين الذي يغذيها، والإيمان الذي يحوطها ويحميها».

وعن معادن الأشياء وجوهرها يقول تحت عنوان «الحديد... والجوهرة»: قد تتسلل قطعة من حديد في غفلة من الدهر لتستقر بين اللآلئ المتوهجة في تاج الملك وقد تسقط في التراب جوهرة كانت يومًا على تاج ملك إلا أنه مهما امتد الزمن فإن الحديدة لا تصير لؤلؤة بينما تظل الجوهرة جوهرة.

 وفي تلك الفقرات القصيرة نقرأ عن «العنيد والشديد»: «العنيد إنسان إذا اصطدم بصخرة، لم يجد وسيلة لتحطيمها إلا رأسه، والشديد هو الذي يحتال عليها مستخدمًا في تحطيمها رأيه وفأسه».

 وعن الأزواج والقهر يقول: «حيثما وجدت زوجة مقهورة في بيتها، فاعلم أن وراءها زوجًا لئيمًا، وحيثما وجدت زوجًا مقهورًا في بيته، فاعلم أن وراءه امرأة عقورًا».

وعن المغرورين كما في أذن المغرور يقول: قلما تجد إنسانًا يصم أذنيه عن سماع كلمات الإطراء والثناء عليه، ولكن المغرور هو الذي لا يفتح أذنيه إلا لها!!

وعن أصناف الناس في «ناس وناس»

يقول: «من الناس من يرى كل الناس خيرًا منه فذاك هو المتواضع فليحترم، ومن الناس من يرى نفسه ندًا مكافئًا لكل الناس، فذاك هو المعجب بنفسه فليهمل، ومن الناس من يرى نفسه فوق كل الناس، فذاك هو الحقير فليحتقر»!!

وعن الإحسان ومراتبه كما في فقرة إذا أحسنت، يقول: «إذا أحسنت المحسن إليك فأنت البر الوفي، وإذا أحسنت لمن لم يحسن إليك فأنت الكريم الخفي، وإذا أحسنت لمن أساء إليك فأنت المؤمن الصفي».

 وعن الإساءة كما في «إذا أسأت» إذا أسأت لمن أساء إليك فأنت المعاقب القادر وإذا أسأت لمن لم يسئ إليك فأنت الظالم الفاجر، وإذا أسأت المحسن إليك فأنت اللئيم الناكر».

وعن المغامر الجريء والمتزن العاقل كتب يقول في (أحب .. وأحب): «أحب المغامر رجلًا يثير الغبار، لا يقتحمه.. يتقدم الصف، لا يمشي فيه، يسترخص الغالي ويجود بالنفس ويستسهل الصعب .. لا يتهيب المجاهل متذرعًا بالحكمة وهو يخفي الفزع!! ولذا فأنا أحب من النار أول لسان لهب ينشب منها، وإن كان هو أول ما يخبو وأحب من البراعم أول متفتح منها، وإن كان الصقيع له بالمرصاد وأحب من الذرا أكثرها شموخًا، لا تعبأ وإن كان السيل عليها حربًا!

 أحب كل من يشق دربًا، ويكتشف بجهده مجهولًا، ويرسي بيديه أساسًا، وينحني ليجعل من جسمه جسرًا للمستحقين من بني الإنسان. وأحب المتزن: «رجلًا يعرف قبل الخطو أين يضع قدمه، وقبل التلفظ أين يضع كلمته. ولذا فأنا أحب من يغلب صمته على كلامه، ومن يسبق تفكيره فعله، وفعله قوله.. أحب كل من لا يبطره نصر، أو يقتله إخفاق.. وكل من لا يخدعه سراب أو تستهويه بهارج، أو يعميه ضباب».

ولا نجد ونحن نختتم هذا العرض السريع كلمة أجمل مما قاله صديق عمره المرحوم محمد الحسناوي: «لو أتيح لهذا الرجل المعطاء أن يأخذ دوره، لأثرى الأدب العربي والإسلامي بمكتبة أدبية لا تقل عن مكتبة باكثير والكيلاني..

 قبل اعتقاله بساعات تداولت معه بشأن النزوح عن البلد، وموجات الاعتقال تحصد الأبرياء، فقال: ماذا جنيت حتى اغترب عن أهلي وبلدي وكأنه غاب عنه –رحمه الله حيًا ميتًا– ما قاله سفهاء قوم عن نبيهم وأتباعه: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (الأعراف: ۸۲).

 

                                أسرى جوانتانامو!

شعر: د. عدنان النحوي

أسرى أشد من الجبال قُلُوبُهُمْ                  ويَقينُهم بالله لـــم يتزلزل

وعزيمة أقسى من القيد الحدي                د يعض من أيد تشد وأرجل

وبعزة الإيمان والتوحيد والــ                 أمل الأغر المشرقِ الْمُتَهَلل

ومضوا إليه على الصراط المستقيـ         ـم أعلى يقين صادق مستبسل

حملتهم في الجو طائرة لأب               ـعد رقعة الظلام سجن موزل[1]

ما بين أغلال وبين سلاسل                   شدتهم المقاعد والأرحل[2]

 على عنق أعز على يد!                    وبقية الأطراف بين الأحبل[3]

 نصبوا الحراسة حولَهُمْ: فَمَدججا          ن لِكُلِّ مشدود الوفاق مكبل

لا يستطيعون اللقاء لدى النزا              ل ولا مواجهة الكمي الأبسل

فروا إلى جو السماء تَحَصَنُوا               بالطائرات! بكل هول مرسل

بالقاذفات تصب من أهوالها                وبكل برج زاحف متنقل[4]

 فروا: ويدفعُهُم بِذلِكَ رَعْبَهُمْ                فزعًا بحقد في النفوس مؤصل

 واها! يُساق المؤمنون وقيدهم                يطغى على أيد تشد وارجل

كم سبحت تلك الأيادي أودعت               لله خاشعة بطرف مسيل [5]

 ولكم سعت أقدامهم لله في                   خَيْر يعم وفي جهاد أطول

حملوا الأسارى والقيود عليهم             فَزَعًا إلى ناني الديار مغول

حملوهم لجونتنامو، سجن قا            عدة الطغاة المجرمين السفل

حذر الشقي المجرم المذعور من        فئَةٍ أَشَدَّ على العدو وأعجل

 ومضى الأسارى والقلوب يقينها      بالله أثبت من رواسي الأجبل

 وهب السكينة للنفوس فأشْرَقَتْ          بُشرى وآيَةُ مَوْعِد لم يَخْذُلُ

 وهدى يموج على جوانبهم رضى     نورًا يشق من الظلام الأنيل

 وندى يرف ونَسمة تحنو فيا            لحنو برد في الهجير مظلل

ومضوا وعزة دينهم تسمو بهم         أمنًا على صبر أعزوا حمل

عبق الجنان وفرحة اللقيا بدا          ر الخلد والنعمي وطير المنزل

 عمَرَتْ قُلُوبَهُمْ على شوق يمو           ج ولهن العلا أجل وأكمل

هذي البطولة: ما جل جمالها         من بين وحزمة الصبر الجلي

 



[1] موزل: ضيق ويجلب الضيق

[2] أرحل : جمع رحل

[3] أحيل: جمع حبل

[4] برج زاحف الدبابة

[5] طرف مثل: مرسل للدموع.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل