; المجتمع الثقافي (1909) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1909)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010

مشاهدات 69

نشر في العدد 1909

نشر في الصفحة 42

السبت 03-يوليو-2010

كان صيفاً من فصول أزمنة جافة متعبة، حارقة، غادر زوجها الحياة بعد صراع مرير مع المرض، وبقيت مكبلة بالبؤس، منديلها مضرج بالدمع، فمنذ رحيله وهي تحترق وتذوب مع الأنين.

كيف ستنقذ نفسها ؟ كيف تمتلك مقدرة تسد بها نافذتها السوداء التي ينسكب منها هواء الفقر بلا هوادة؟ ماذا تفعل في كوخها الذي جردته السنوات من كل متطلبات الحياة ؟ كيف تعيش من بعده وهي غريبة عن هذه القرية؟ 

قصة قصيرة

شروق وغروب

بسام الطعان

كل تلك الأسئلة كانت تدور على ألسنة الناس، ولكن أحداً منهم لم يمد لها يد العون. 

حين بدأت المواجهة بين نفسها وأفكارها، أعدت نفسها للرحيل النهائي، وفي الصباح لملمت ثيابها وسافرت إلى المدينة الكبيرة، سافرت وهي تحمل على كتفيها المثقلتين بالعذاب اثنين وثلاثين عاما من الحسرة، سافرت وأمامها آلاف الأحلام التي تمنت فيما مضى أن تحققها . 

***

كان "درويش" منهمكا في البيع والشراء وقبل أن يغلق محله التفت يمينا ، فانطبعت في عينيه صورة امرأة تتكوم في الزاوية المقابلة تمسح عبراتها المراقة تضم ابنها الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات إلى صدرها بحب كبير، وبعاطفة قوية مضاعفة، وبين لحظة وأخرى ترسل نظراتها نحو السماء. 

خطا نحوها متئدا وقف أمامها وراح يتفحصها، ثم قال وقد بدا الاهتمام على وجهه: 

- ماذا تفعلين هنا يا أختي؟ ولمَ تبكين؟ 

- غريبة وفقيرة أنا .. هدني التعب فجلست لأستريح قليلاً. 

طلب منها أن تتبعه، وبعد تردد استجابت لرغبته وراح يستمع إليها : 

- وصلت إلى هذه المدينة منذ خمس ساعات أو أكثر.. وأنا أحمل على كتفي ولدي هذا وها قد حل المساء ولا أدري ماذا أفعل فقريتي بعيدة وها أنا وولدي محاصران بين فكي الغربة والجوع والخيبة والآلام. 

سألها عن المكان الذي جاءت منه. 

- هناك في البعيد، في أطراف البلد تنام قريتي.

سألها: لماذا تركت القرية التي تنام في أطراف البلد وحضرت إلى المدينة؟ 

- إن البؤس العائم فوق حبة القلب هو السبب. 

سألها عن المكان الذي تنوي الذهاب إليه.

- لا مكان محدد لي، وأنا أريد لقمة العيش .. لقد نفذت نصيحة ناصح وأتيت إلى هنا، قال لي بعد أن تُوفي زوجي: اذهبي إلى المدينة يا ابنتي وهناك ستجدين الراحة والأمان، وها قد جئت وأنا مثقلة بعذابي. 

كان يصغي إليها بكل حواسه، ولأنه لا يحب أن يرى جائعاً أو مظلوماً أدخل الشمس في عينيها. 

وبما أن زوجته سيدة فاضلة وتشبهه في الكرم وحب الآخرين، قبلت وبكل رحابة صدر أن تظل هي وابنها في بيتها بعد أن أخبرها بحكايتها.

لم ينجب البقال "درويش" غير "أسعد" الذي يكبر "حسام" بسنة ونصف السنة. مرت الأيام وهم يعيشون في محبة وكأنهم أسرة واحدة، لكن "أسعد" لم يكن يحب "حساماً" أبداً ، وكان كل يوم يسخر منه لأتفه الأسباب رغم توبيخ والده له، وكثيرا ما كان يضربه دون سبب يُذكر، أما هو فكان لا يكن له إلا الحب. 

بعد أن انتسب "أسعد" إلى الجامعة بثلاثة أشهر، توفي والده، وترك له ثروة كبيرة، ولكن ما أن جاء اليوم التالي حتى تغير كل شيء. 

وحشياً وغريباً كان تحوله تجاه أمه، وتجاه المرأة ،وابنها لكنه سرعان ما تهشم وانهزم في غمرة الأيام العاتية. 

بعد خمسة أشهر من وفاة الأب، توفيت الأم وتركته وحيدا يفعل ما يريد. 

عشرون عاما أو أكثر والمرأة لا تهدأ .. تظل كل الوقت في عمل متواصل خادمة لأسعد، تعتني به أكثر من ابنها، وفي النهاية يكون الطرد من نصيبها. 

ظل "أسعد" يسهر في الملاهي والبيوت المشبوهة، يقضي أسـبـوعـا فـي مدينة، وأسبوعا في مدينة أخرى، وكان قد تخلى عن دراسته الجامعية، وكان دائما يضحك ويقول لمن حوله: "إن هذه الطاولة أفضل من كل جامعات العالم"!

***

أما "حسام" فقد ابتدأ مرحلة جديدة من حياته، منذ صغره وهو يحلم بأن يكون مثل الحاج، فلا معنى لإنسان لا يحلم، استقل في بيت يخصه وحده، واستمر في دراسته حتى تخرج في كلية التجارة، وكان "درويش" قد ترك له ولأمه مبلغاً من المال - أودعه باسمه في البنك - استطاع به أن يفتتح محلا تجاريا لبيع المواد الغذائية، فصارت ثروته تزداد خلال سنوات قليلة، والخير ينهال عليه حتى بات أشهر تاجر في البلد بعدما دخل عالم التجارة برأسمال قليل. 

أما "أسعد"، فقد أصبح على وشك الإفلاس، لأنه لم ينتبه إلى ثروته وهو يبددها على طاولات القمار وعلى رفاق السوء. 

صار ضائعا، وحيدا في العراء، وها هي الشوارع تفتح له ذراعيها، تحتضنه ببرودتها وتقدم له أفضل ما لديها من وجبات الجوع والتشرد ، وكثيرا ما طرق أبواب رفاقه، لكن الأبواب كانت دائمة موصدة في وجهه، فلم يجد أمامه غير طريق السرقة، وراح يسرق أي شيء ليشرب الخمر، ظل يسرق حتى وقع في قبضة الشرطة وهو يسرق خاتما من أحد محلات الصياغة. 

أما "حسام"، فلم يكن يعرف عنه أي شيء، فقد مرت خمس سنوات دون أن يراه أو أن يسمع عنه شيئا، باستثناء تلك المرة التي زاره فيها للاطمئنان عليه، وكان ذلك قبل ثلاث سنوات، لكنه أوقفه أمام الباب الخارجي وقال له ساخراً : 

- من أنت حتى تسأل عني؟.. إياك أن تأتي إلى هنا مرة أخرى، أتسمع ؟ 

حين علم حسام من أحد أصدقائه بأمر "أسعد" لم يتأخر بالذهاب إليه هو وأمه. 

بعد أن خرج من السجن، بقي "حسام" إلى جانبه إلى أن تأكد من أنه أصبح رجلا سوياً، ولم تمر أيام قليلة حتى استرجع له بيته الذي كان قد رهنه ، ثم فتح له الفضاءات وقال: 

- انطلق من جديد. 

فما كان من أسعد إلا ارتمى في حضنه ومن ثم في حضن أمه وهو يذرف الدموع ويقول بأسى بالغ : سامحوني. 

واحة الشعر

من خلف الأسوار

شعر: أ. د. رشاد محمد البيومي(*

في ليلة ليلاء غاب ضياؤها
 

دهمت حماي جحافل الطغيان
  

جاؤوا بغدر الظالمين تلصصاً
 

     وغدوا سراعاً في حمى الشيطان
  

خرقوا جدار الصمت في حلك الدجي
 

وتترسوا بالجبن والنيران
  

سلبوا الحقوق نذالة وتشفيا
 

وتنافسوا بالفحش والبهتان
  

داسوا المحارم غلظة وتجبرا
 

صفة الجبان وخسة الجرذان
  

فزع الجوار تساؤلاً في حيرة
 

وتسربل الجمهور بالكتمان
  

وتجاوب الصوت البعيد مرددا
 

هل سارق أو قاتل أو جان؟
  

رد الجميع تجرداً وأمانة
 

وتسابقوا بالجهر في إعلان
  

لا.. لا.. هو قدوة.. بل درّة
 

هو زهرة من روضة الإخوان
  

قد كان دوما بيننا متفانيا
 

مثلا من الإخلاص والإحسان
  

يقري الضيوف بحلمه وبجوده
 

ويزيل عنا الهم بالتحنان
  

ويضيء في ود محافل جمعنا
 

ويشارك المكروب بالوجدان
  

ماذا جنى ؟ هل جرمُهُ
 

دفع اللواء براية القرآن
  

ماذا جنى؟ هل إثمُهُ
 

رفض الخضوع لطغمة العدوان؟
  

ماذا جنى جنی؟ هل وزره
 

نشر الهدى لهداية الحيران؟
  

ماذا جنى؟ هل ذنبه
 

زهد الحياة برفقة الحيتان؟
  

***

يا سادتي حار الكلامُ بخاطري
 

لما تساوى الأُسد بالفئران
  

يا سادتي ذل الأنام وما دَرَوْا
 

أن الحقوق تضيع بالإذعان
  

يا سادتي جف المداد مخافة
 

ليصول أهل الفجر والبطلان
  

يا سادتي سكت الكلام مهابة
 

فالصمت مفروض من السلطان
  

***

لكنني لن أنثني.. لن أنحني
 

لن أستجيب لدعوة الخذلان
  

سأعود أحمل رايتي خفاقة
 

فوق الجباه بعزة الرحمن
  

فلتفخر بُنَيَّ بنسبتي وبعزتي
 

فأنا وأنت وديعة الديان
  

واقصد "محمد" باب ربك داعيا
 

ليزول حكم الجور والطغيان
  

واسأل إلهك أن يدك عروشهم
 

ليغيب عهد الذل والخذلان
  

***

أ "محمد".. هلا وَعِيْتَ مقالتي
 

هلًا عرفت مكائد الثعبان
  

فاقصص حكاية محنتي متباهيا
 

واسلك سبيل الحق بالإيمان
  

والزم حياة النور معتزاً بها
 

وانهج مسار النبل والرضوان
  

فغدا سنلقى الله في ساح الرضا
 

ليعود فيها الحق بالميزان
  

 

 

 

 

 


 

(*) نائب المرشد العام للإخوان المسلمين

 

قراءة في الأعمال الإبداعية للدكتور جابر قميحة (١-٢)

أكثر شعراء جماعة الإخوان المسلمين استحقاقا للدرس والمتابعة والعناية 

يمثل إبداعه جزءا من التاريخ الأدبي للحركة الإسلامية في بابها الشعري والمسرحي بوجه عام 

في المقدمة التي كتبها بنفسه يؤكد جابر قميحة أنه صدر عن تصور إسلامي في التعامل الفني مع الحياة والكون والإنسان 

يُعد الدكتور جابر قميحة (المولود في ۱۹٣٤م) بحق واحداً من أهم الأصوات الأدبية والنقدية بوجه عام، والشعرية بوجه خاص، في الفترة الممتدة من نحو نصف قرن تقريباً داخل الحركة الإسلامية؛ ذلك أنه يصدر فيما يبدعه من شعر ومسرح عن تصور إسلامي حاكم للكون والحياة، وهو ما يمكن التعبير عنه بأنه شاعر ينتصر لمبادئ الفكرة الإسلامية في كل ما يبدعه. 

د. خالد فهمى (*)

وإذا كان جابر قميحة الناقد والأكاديمي أول من صك مصطلح الشاعر الرسالي والناقد الرسالي؛ فإنه والحق يُقال أول من يستحق إطلاق هذا النعت عليه، ذلك أنه شاعر رسالي بالمعنى الذي أطلقه وأراده فهو ابن فكرة ورسالة مؤمن بها متفرغ للتعبير عنها فنياً ساع إلى التبشير بها والدفاع عنها، وكشف ملامحها الوضاءة التي تحيط بها، ولا سيما كلما اشتدت رميات المعادين للفكرة الإسلامية وهذا التعبير طال جوانبها المختلفة أفكارا ومبادئ وأحداثاً وتواريخ ورموزاً وأعلاماً. 

وقد صدرت أخيرا مجموعة الأعمال الشعرية والمسرحية لهذا الرائد الذي يمثل إبداعه بحق جزءا من التاريخ الأدبي للحركة الإسلامية في بابها الشعري والمسرحي بوجه عام، كما أنه يمثل جزءا أصيلا من التاريخ الأدبي للإخوان المسلمين إن لم يكن أكثر شعراء هذه الحركة استحقاقا للدرس والمتابعة والعناية. 

هذا، وقد استقبل المثقفون المنتمون المعاصرون الطبعة التي جمعت أشعاره ومسرحياته بالارتياح والرضا. 

وجاءت مجموعة الأعمال الشعرية والمسرحية للدكتور جابر قميحة في ثلاثة مجلدات كبار ، ضمت شعره ومسرحه الذي سبق نشره. 

  • المجلد الأول، وفيه من الدواوين: 
  1.  لجهاد الأفغان أغني 
  2.  الزحف المدنس. 
  3.  حديث عصري إلى أبي أيوب الأنصاري.
  4.  على هؤلاء بشعري بكيت. 
  5.  حسبكم الله ونعم الوكيل 

المجلد الثاني، وفيه دواوين:

  1. لله والحق وفلسطين. 
  2. حول أسماء الله الحسنى. 
  3. الإقلاع في البحور السبعة.

المجلد الثالث وفيه المسرحيات التالية: 

  1. محكمة الهزل العليا تحاكم الأيدي المتوضئة. 
  2.  السيف والأدب ومسرحيات أخرى. 
  3.  الرؤيا الأخيرة ليوسف الصديق. 

وقد حرص د. جابر قميحة على أن يطلع قارئه على كل ما كتب مهما كانت درجة فنيته ومع إقراره واعترافه بضعف بعض أعماله وضعف صياغات بعضها الآخر؛ ليتيح للدرس العلمي أن يقف على محطات التطور وملابساته خدمة لتقدم الإبداع في داخل الحركة الإسلامية. 

جابر قميحة الشاعر الرسالي 

افتتح المستشار عبد الله العقيل المجلدات الثلاثة بمقدمة، أوضحت الأصول الأدبية التي غذت شجرة الإبداع التي سكنت نفسه الكريمة والتي ورثها من شعراء الإسلام الأوائل الذين طالما نافحوا وجاهدوا بأشعارهم في سبيل نصرة الإسلام. 

يقول عبدالله العقيل (1/8) والأستاذ الدكتور جابر قميحة الداعية المجاهد والكاتب الناقد والأديب الشاعر من أبرز الأدباء الذين حملت أعمالهم الأدبية هم الدعوة إلى الله ودافعت عن الدعوة والدعاة، فقد وقف قلمه لله تعالى وسخر كل إمكاناته ووقته لكتابة فنون الأدب المختلفة من شعر ونثر وقصة ومسرحية مجاهدا بالكلمة، وخادماً لقضايا الأمة، ومدافعا عن مقدساتها وحرماتها. 

وقد أحسن العقيل عندما عد د. جابر قميحة في زمرة مباركة من أبناء الفكرة الإسلامية على امتداد العصر الحديث، الذين خدموا قضاياها بأدبهم وشعرهم من أمثال: مصطفى صادق الرافعي وعلي الطنطاوي ومحمود محمد شاكر، وسعيد العريان، وعلي أحمد باكثير، ونجيب الكيلاني ... وغيرهم. 

وقد رصد المستشار العقيل ما سماه بمنطلقات إبداعه الشعري ومرتكزات رؤيته الفنية والشعرية في ثلاثة محاور هي: 

أولا: الإيمان الصادق المتين بالإسلام بمفهومه الشامل. 

ثانيا: حب اللسان العربي والوفاء له بما هو لسان الدين ولسان القومية، وبما هو رمز الاتصال بالتراث، وبما هو لسان غني وافر الميزات.

ثالثاً: الانطلاق من طبيعة التربية الإخوانية بما هي أصل حاكم لإنتاجه الأدبي. 

جابر قميحة أمام مرآة جابر قميحة 

وفي المقدمة التي كتبها د. جابر قميحة بقلمه لأعماله الشعرية والمسرحية؛ وقف أمام مجموعة من العلامات رأى أنها ضرورة للقارئ بين يدي مجموعته الشعرية والمسرحية؛ أوجز فيها - وهو محق وهو محق – رؤية الإسلام العظيم من قبول الشعر، وتقديمه لمنجزه في خدمة قضايا الدعوة والجهاد بما يجعله في مرآة نفسه، وإن لم يصرح وريثا شرعيا لقائمة طويلة من الشعراء المجاهدين من أمثال : عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وعبيدة بن الحارث، وغيرهم. 

وتصل الأمانة العلمية إلى حد أن يرصد مجموعة من العلامات المهمة على طريق قراءة هذا المنجز الشعري وعلى طريق تقويمه، وتقويمه الحركة الشعرية المرتبطة بالفكرة الإسلامية وقضاياها وجهادها في الحياة 

المعاصرة، وهو في هذا السبيل يقرر ما يلي:

أولا: الوعي بتفاوت مستوى شعره فكراً وعاطفة وتصويراً وأداءً ولغةً وهو أمر منطقي مع تقدير المدى العمري الذي شمل إنجازه الشعري.

ثانيا: خضوع ترتيب القصائد في الدواوين المختلفة؛ لترتيب سمّاه مراعاة المادة الشعرية، وهو ما يمكن أن نسميه ترتيباً موضوعيًا، وهو منهج قديم مألوف في غير میدان علمي؛ بمعنى أن قصائد موضوع ما وضعت في ديوان مستقل على ما ترى في مثل ديوان "لجهاد الأفغان أغني"، أو ديوان "لله والحق وفلسطين".. إلخ، ولم يشذ عن هذه المنهجية إلا ديوانه "الإقلاع في البحور السبعة" الذي جمع فيه ما تناثر في يومياته من قصائد تفاوت زمان إنجازها . 

ثالثا: جاءت عناوين الدواوين حاملة عنوان القصيدة المركز في كل ديوان.

رابعا: اشتباك قصائده مع أحداث الوطن العربي الكبرى، وتعرّضت للفكرة الإسلامية ومحنها، وأحداثها، ومدنها، وشخوصها، ما جعله يقول عن مجموعته هذه (1/23): إن هذه الدواوين تصلح أن تكون معجما تاريخيا صبغ بلغة الفن الشعري. 

خامسا: ومن ناحية التقدير الكمي؛ فإنه يقسمها ثلاثة أنواع: 

أ - مقطوعات "نادر". 

ب- قصائد متوسطة الطول. 

ج- مطولات ذات طابع ملحمي "الغالب".

سادسا: توزع الدواوين على نوعي الشعر العمودي والتفعيلة، وفيما يتعلق بمسرحه يقرر أنه جاء مسرحاً شعرياً باستثناء رحية واحدة وهي السيف والأدب، ويقرر أنها جميعاً تذرعت بما يسمى الإسقاط السياسي مع تفاوت في تقدير درجته تصريحا وتلميحا. 

ويقرر جابر قميحة في مرآة جابر قميحة أي في المقدمة التي كتبها بنفسه أنه ابن وفي لما سماه الرسالية الإنسانية، قاصداً أنه صدر فيما صدر عن تصور إسلامي في التعامل الفني مع الحياة والكون والإنسان وهو يتذرع في رؤيته النقدية تلك بما قرره واحد من النقاد الكبار وهو د. محمد مصطفى هدارة يرحمه الله، الذي ينقل عنه أن التزام الأديب المسلم يُعد جزءاً من عملية الإلهام الفني. 

إهداءات الدواوين وجه كاشف عن رسالتها 

مجموع ما أورده في بدايات دواوينه من إهداءات يكشف لنا عن الفكرة التي حكمت إبداعه الأدبي، وارتبطت به وانطلق منها؛ ففي مقدمة ديوانه "لجهاد الأفغان أغني" (7/36) يهديه للشهيد المجاهد د. عبدالله عزام. 

وفي مقدمة ديوان "الزحف المدنس"(1/116) يهديه إلى الدماء الكويتية البريئة التي أزهقها نظام صدام حسين البعثي. وفي مفتتح ديوانه لله والحق وفلسطين (١/٣٦) يهدي عمله إلى أمير المجاهدين المعاصرين أحمد ياسين يرحمه الله، ومثل ذلك تراه في مقدمات مسرحياته إلى واحد من شيوخه، وهو أستاذه المغفور له بإذن الله عبد الرحمن جبر. 

مكونات قصائده.. شهادة واضحة على انتمائه

إن تحليل قصائد جابر قميحة من خلال بوابة اللغة كاشف عن رؤية واضحة المعالم، حاكمة على رؤيته للعالم، وتصوره للكون، وهو الأمر الذي عكس روحاً إسلامية وإنسانية. 

وفحص المعجم الشعري موزع على مجموعة من الحقول الدلالية قائد إلى ما نقرره من التزام ورسالية. 

فعلى مستوى حقل القصيدة تنتشر تعابير أعيد تخليقها شعرياً من مثل: عقيدة في ديوان "حسبكم الله"، و"عقدي مع الله" و"الراحلون مع الله"، و"وثيقة الولاء". 

وفي ديوان "على هؤلاء بشعري بكيت"  يرد مثل: في موكب الملائكة، في ذمة الله.

ويرد معجم آخر ظاهر الدلالة على المذهب الفكري والوجداني المؤسسي في أشعار جابر قميحة محكوما بطبيعة الصراع المعاصر الذي يواجه الفكرة الإسلامية، وهو معجم الجهاد الذي ظهر ظهورا مكثفا؛ حتى إنه طغى عنوانه على بعض دواوين المجموعة الشعرية، وظهرت مفردات وتعابير هذا الحقل وقد حققت لنفسها قدراً من العصرية، مثل: 

صوت المقاومة الجندي، والملحمة في ديوان "الزحف المدنس"، والجهاد والدماء والانتفاضة والحجارة والتحرير، والزحف والدم في ديوان "حسبكم الله ونعم الوكيل"، وشيخ المجاهدين وعمر المختار والشهيد عزام، وهو ملمح عصري تحولت فيه هذه الأعلام إلى الانفتاح الدلالي لتصير أوسع من مجرد أعلام. 

 

 


 

(*) كلية الآداب - جامعة المنوفية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

188

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

132

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم