العنوان المجتمع النسوي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 967
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 22-مايو-1990
قلت وقالت
بقلم: أم سهيل
لعل العقد الأخير من هذا القرن سيشهد تحركات وتطلعات لشعوب قد
كبلتها قيود الذل، ومضى عليها زمن غير يسير وهي ترسف في آثار الخنوع والهوان، وإن
الحفنة الحاكمة من الطغاة قد ألفت مص الدماء، وراق لها أن تقيم كرسي استبدادها على
جماجم الأبرياء.
إن المتجبرين قد تشابهت قلوبهم وسلوكياتهم في كل زمان ومكان.
قال الله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. (الذاريات:53) إن
نشوة التسلط على الشعوب المقهورة قد أنستهم وأعمت قلوبهم عن ذلك الدرس العظيم الذي
سجله التاريخ في سفره الكبير «الظلم مرتعه وخيم» قد أنستهم أن الضغط يولد الانفجار..
فما من ظالم إلا كانت نهايته تشابه فعاله.. نهاية تمزقها وتخرقها لعنات الشعوب..
وإنني ما زلت أذكر مثلًا قد استأثرته كتب الأدب ورواه الميداني في كتابه المشهور «مجمع
الأمثال» تحت عنوان «جوع كلبك يتبعك» حفظ الطغاة هذا ونسوا النهاية.. نسوا أن
الكلب الذي اشتدت جوعته ربما يجعله حب البقاء يهجم بشراسة على من أذاقه مرارة
الحرمان، بل على من أراد أن يسلبه حق الحياة، ولعل أول من قال ذلك، ملك من ملوك
حمير كان عنيفًا على أهل مملكته يغصبهم أموالهم ويسلبهم ما في أيديهم.. وكانت
الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه فلا يحفل بذلك، وإن امرأته سمعت أصوات السؤال فقالت:
إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد، وإني لأخاف عليك أن
يصيروا سباعًا وقد كانوا لنا اتباعًا، فرد عليها «جوع كلبك يتبعك» وأرسلها مثلًا.
فلبث بذلك زمانًا ثم غزا بهم، فغنموا ولم يقسم فيهم شيئًا، فلما
خرجوا من عنده، قالوا لأخيه وهو أميرهم: قد ترى ما نحن فيه من الجهد، ونحن نكره
خروج الملك منكم أهل البيت إلى غيركم. فساعدنا على قتل أخيك واجلس مكانه، وكان قد
عرف بغيه واعتداءه عليهم.
فأجابهم إلى ذلك فوثبوا عليه، فقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو
مقتول وقد سمع بقوله «جوع كلبك يتبعك» فقال: «ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل
شبعه» فأرسلها مثلًا.
هذا صحيح.. فالظلم قد حرمه الرب تعالى على ذاته العليا وجعله
بين العباد محرمًا..
والظلم ظلمات يوم القيامة.. والظلم هو الذي يوقظ الشعوب ويثيرها
على من ظلمها وحرمها صفوفها.. يفجر في المشاعر طاقة تسحق الطغاة والظالمين.. ولكن
مع تلك الجرعة المرة التي تتجرعها الشعوب أري أن هناك سببًا آخر قويًا قد حرك
الشعوب.
ما هو؟
أنسيت الجهاد الأفغاني؟! إن ثبات المجاهدين طيلة هذه الفترة
القاسية وصمودهم أمام أكبر قوة عاتية طاغية قد نبهت الشعوب، وأيقظتها من رقدتها،
وحركت فيها حب التمرد على من أذاقها كؤوس الذلة والمهانة، إن عدم التكافؤ بين
قوتين.. قوة لا تملك من القوة والعتاد إلا النزر اليسير.. وقوة كالأخطبوط المخيف
الذي ألقى بكلكله على صيده لم يبق منه ولم يذر.. قوة قد أظلت العالم بظلال داكنة،
وغزت عقولهم وقلوبهم فغيرت العقائد والأفكار وسنن الحياة ومثل الإنسان وقيمه
وحصدتها بمنجلها المسموم.. إنها كالطوفان المخيف ظنت أن كل سد سينهار أمامها.. وأن
مقادير الشعوب ستغدو ملكًا لها.. فإذا بالجهاد الأفغاني يقف أمام ذلك السيل الآسن
الجارف كالطود الأشم الشامخ يهزأ بالأقزام البشرية التي جردت من سنا العقيدة
وطهرها ويطؤها بأقدام يسري فيها الحقد على الطغاة وممزقي الشعوب.. فلعل هذا
التفاوت يا أختاه بين القوتين.. قد حركت الشعوب لتعلن تمردها على آكلي جهد الإنسان
وقيمه.. قد علمت تلك الأمم المقهورة أن قوة العقيدة قوة لا تقهر.. وأن المسلم ولو
أعياه السقوط سينهض من جديد ويعاوده الحنين للسير نحو ينبوع الإسلام ليروي منه
ظمأه ويستنهض به همته، ويستمد منه القوة الخارقة التي تعيد للإنسان الأمن والهناء
والعز والسلام..
المرأة في موكب الدعوة
سمية أول شهيدة في
الإسلام
أخرج أبو أحمد الحاكم القزويني عن عبدالله بن جعفر رضي الله
عنهما، قال: مر رسول الله صلي الله عليه وسلم بياسر وعمار وأم عمار وهم يؤذنون في
الله تعالى: فقال لهم «صبرًا يا آل ياسر، صبرًا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.
وطعن أبو جهل سمية في قلبها فماتت، ومات ياسر في العذاب.. أما عمار فلم يتركوه حتى
ذكر آلهتهم بخير»(١).
هذه لوحة خالدة أبطالها ثلاثة: ياسر بن عامر العنسي حليف أبي
حذيفة المخزومي القرشي، وابنه عمار وزوجته سمية بنت خياط، وهؤلاء جميعًا من العامة
الذين يعيشون عادة على هامش الحياة، وماذا عسى أن يصنع التاريخ بغلام أجنبي حليف
يعيش كأمثاله من الأخلاط التي تعيش في مكة ساعية على أمر رزقها. وكان يومٌ، أكره
فيه التاريخ أن يلتفت إلى هؤلاء الدهماء أكثر مما يلتفت إلى السادة والقادة، وعلى
أن يسجل من أمر ياسر وعمار وسمية وأمثالهم من عامة الناس أكثر مما يسجل من أمر
خلفائهم من بني مخزوم والملأ من سادة قريش(٢).
إنه يوم تنزل الوحي الإلهي على قلب الأمين محمد صلى الله عليه
وسلم ليعلن الميلاد الحقيقي للإنسان وأن البشر كلهم لآدم.. وآدم من تراب، وليس
لأبيض على أسود ولا أسود على أبيض من فضل إلا بالتقوى، ويسلم عمار، ويعرض الإسلام على
أمه فتسلم، ويعرض على أبيه فيقول له: متى تصحبنا إلى محمد لنسمع منه كلمة الحق؟
وأقبل المساء من ذلك اليوم وإذا بأبي جهل عمرو بن هشام قد أقبل في فتية من بني
مخزوم، فوضعوا عمارًا وأبويه في الحديد، وأشعلوا في دار ياسر النار.
وتفنن أبو جهل ونفر من سادة قريش وعبيدهم بتعذيب هؤلاء،
يخزّونهم بالرماح والخناجر، يلهبونهم بالسياط، يعبثون بأجسادهم وهم يتضاحكون
ويتصايحون، يطرحونهم أرضًا، يحرّقونهم بالنار، يلقون عليهم الأحجار الثقال..
يسكبون عليهم الماء، وأبو جهل ينتظر متحرق النفس أن يسمع من أحدهم صيحة أو أنّة أو
شكاة.
ولكن هيهات.. لقد أشغلوا قلوبهم بذكر الله الذي آمنوا به،
وتركوا أجسادهم للطغاة يعبثون بها كما شاءت لهم همجيتهم أن تفعل.
ويمر النبي صلي الله عليه وسلم بالرهط المعذبين، فيسمع المشركون
صوت ياسر لأول مرة من يومهم ذاك، سمعوا صوت ياسر لا يتجه إليهم وإنما إلى النبي
فيقول:
- الدهر هكذا يا رسول الله؟
- قال رسول الله:
«ابشروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».
هنالك يسمع المشركون صوت سمية لأول مرة من يومهم ذاك، يسمعون
صوت سمية لا يتجه إليهم، وإنما يتجه إلى النبي فتقول:
- أشهد إنك لرسول الله، وأشهد إن وعدك الحق.
ولم تر قريش من العذاب في مكة مثل ما رأت ذلك اليوم، جاء أبو
جهل فقدموا له ياسرًا وسمية وعمارًا، فألهب أجسامهم بالسياط، ثم أذاقهم مس النار
ثم صب عليهم قرب الماء، ويكرر ذلك مرة بعد مرة وهو يصيح: لتذكرن آلهتنا بخير
ولتذكرن محمدًا بسوء أو لتموتن.
وتقول سمية بصوت مطمئن هادئ:
- بؤسًا لك ولآلهتك.. وأخرج الحنق أبا جهل عن طوره، فجعل يضرب في
بطن سمية برجله.. ثم يطعنها بحربة كانت بيده، فتشهق شهقة خفيفة ثم تكون أول شهيدة
في الإسلام(٣).
وسجلت سمية بنت خياط سبقها على رهطها.. وعلى أخواتها المسلمات..
آمنت بالله ورسوله وما كان لإيمانها أن تهزه الرياح العواتي، وثبتت في ميدان
الجهاد كالجبال الرواسي، وتقدمت إلى ميدان الشهادة باطمئنان وتسليم واستعلاء، وهي
تنظر إلى العلاء إلى بشارة النبي صلي الله عليه وسلم: إن موعدكم الجنة.
_________________
(1) حياة الصحابة: 1: 430.
(2) الوعد الحق: طه حسين- ص16.
(3) الوعد الحق: طه حسين- ص 121.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل