; حطم القيود «4» القابضون على الجمر | مجلة المجتمع

العنوان حطم القيود «4» القابضون على الجمر

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 27-مارس-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1594

نشر في الصفحة 66

السبت 27-مارس-2004

في مثل هذه الأجواء التي نعيشها في القرن الحادي والعشرين، حيث الغلبة لمعسكر الشيطان، فيما يعيش أصحاب الحق حالة الاستضعاف والقهر، ودين الله لا يحكم إلا في أجزاء أقل من أصابع اليد الواحدة من هذه الأرض، في مثل هذه الأجواء يكون الملتزمون بدينهم هم الغرباء الذين يواجهون أشد أنواع الحروب من معسكر الشيطان. 

في مثل هذه الأجواء يُحرم لبس الحجاب في بعض ديار المسلمين، ويُتابع ويُراقب من يصلي الفجر في المسجد في ديار أخرى، وفي بلاد ثالثة للمسلمين يعتبر نقد العلمانية جريمة، والدعوة للخلافة أو لبعض القيم الإسلامية جريمة.  

في مثل هذا العصر الأصل للعري، أما الحجاب والعفة فهما شذوذ، الأصل للسرقة والأمانة والورع شذوذ، الأصل للكذب والاحتيال والصدق والاستقامة شذوذ، فمن يصبر على كل هذا الضغط ويلتزم بدينه رغم هذه الحروب والجاذبات سوى الأقوياء؟ ولهذا السبب فإن الالتزام والتمسك بالدين من أبرز التعريفات للقوة. 

يعلمها لقمان لابنه: لقد أدرك لقمان أن الالتزام بالدين والدعوة إليه لا يقدر عليه إلا الأقوياء أصحاب العزائم، فقال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17). 

يقول سيد قطب رحمه الله: وهذا هو طريق العقيدة المرسوم.. توحيد الله، وشعور برقابته وتطلع إلى ما عنده وثقة في عدله، وخشية من عقابه. ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع البشر بالزاد الأصيل زاد العبادة لله والتوجه إليه بالصلاة، ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله من التواء النفوس وعنادها، وانحراف القلوب وإعراضها، ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي، ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء.. ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17). 

وعزم الأمور قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم. 

ويقول الإمام المناوي: الصبر قوة مقاومة الأهوال والآلام الحسية والعقلية. 

القابضون على الجمر: من يستطيع القبض على الجمرة ومن يتحمل حتى أن يقرب يده من النار عوضًا عن لمسها؟ إنها صورة يضربها رسول الله يبين من خلالها قوة هؤلاء الذين يلتزمون بدينهم في آخر الزمان. 

عن أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: ﴿وَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، للصابر فيها مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله. 

التحرر من القيود: ومن تعريفات القوة «مقدار تحررك من القيود»، والقيد هو كل ما يمنعك أو يعوقك من الانطلاق إلى عالم القوة، فالعادة السيئة قد تمنعك من القوة كعادة تدخين السجائر، أو شرب القهوة أو الإكثار من السهر أو تعود الإكثار من مشاهدة التلفزيون خاصة البرامج التي لا تنفع. 

وترددك باتخاذ القرار قد يمنعك من استكمال قوتك ويفوت عليك الكثير من فرص النجاح. 

وتفويض الآخرين لصناعة القرارات التي تخصك قد يمنعك من القوة، ويجعل مصيرك في أيدي الآخرين. 

واعتقادك ببعض المسلمات الموهومة، وإن كانت متعارضة مع الكتاب والسنة والعقل، يمنعك من القوة. 

وسرعة غضبك وضعفك في السيطرة على نفسك حين الغضب قد يمنعك من القوة. 

وعدم استغلالك للوقت الاستغلال الأمثل الذي يعود عليك في دنياك وآخرتك بالخير قد يمنع وصولك للقوة. 

والتزامك ببعض العادات الصحية الضارة قد يمنع عنك القوة. 

وعدم التزامك بالصلاة في المسجد وعدم التزامك ببقية الأوامر الدينية يمنعك من القوة لأن القوة الروحية أهم مكملات الشخصية القوية. 

إننا لن نكون أقوياء حتى نتحرر من جميع القيود التي تعوقنا وتمنعنا من الانطلاق في عالم القوة، ولا بد من تحطيم جميع هذه القيود، ونتذكر أننا ولدنا أحرارًا وأن الله تعالى يريد لنا الحرية، ولكننا نحن الذين نختار العبودية وتقييد أنفسنا بتلك القيود، ونحن الذين اخترنا الأسر ولم يُفرض علينا، وإذا ما أردنا تحطيم هذه القيود فإن ذلك يحتاج إلى قرار من أنفسنا لا من غيرنا. 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).

الهوامش

(1) في ظلال القرآن 2750/5 - الشروق

(2) مفردات الراغب 5273م

(3) رواه أبو داوود (4341) وجاء في شرح السنة348/14 قال محققه: للحديث شواهد يتقوى بها

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

118

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

بين الآباء والأبناء

نشر في العدد 70

101

الثلاثاء 27-يوليو-1971

مع الْقراء (العدد 70)

نشر في العدد 555

83

الثلاثاء 05-يناير-1982

رسائل- العدد 555