العنوان المدخل اللغوي للغزو الثقافي في شمال أفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
مشاهدات 64
نشر في العدد 794
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 02-ديسمبر-1986
- فرنسا حاولت وتحاول إضعاف العربية بين عرب شمال أفريقيا.
- الفرنسيون أطلقوا كذبة كبرى مفادها أن اللغة العربية لغة تخلف وانحطاط لا تصلح للحاق بركب الحضارة.
لماذا يشن الأعداء الحملة تلو الحملة على اللغة العربية والإسلام في نفس الوقت؟
اللغة في مفرداتها وتراكيبها وقوانينها أشبه ما تكون بخلايا الجسم الواحد المتفاعلة مع بعضها البعض والتي تقوم كل خلية منها بمهمة محددة وتحمل هذه الخلايا جميعها كما يقول دارسو الجينات سمات الشخصية ومميزاتها وعلى غرارها تحمل اللغة سمات الأمة التي تتكلمها ومميزاتها التي تتوارث من جيل إلى جيل وفي الأثناء وتبعًا لسنة الحياة والتطور يسهم كل جيل في إثراء اللغة وصقلها. فاللغة إذن ليست مجرد أداة اتصال جامدة ولكنها كائن ينبض بالحياة ومرآة تعكس شخصية الأمة التي تتكلمها وتاريخها وحضارتها وتقاليدها وقيمها فهي الوعاء الحافظ لكل قديم والمستقبل لكل جديد. ومن هذا المنظور للغة نفهم لماذا يشن الأعداء الحملة تلو الحملة على اللغة العربية والإسلام في نفس الوقت. ذلك أن العروبة «بمعنى الانتماء إلى لغة لا إلى جنس» والإسلام وجهان لعملة واحدة.
ويخطئ من يحاول التفريق بينهما إذ الدين الإسلامي المتمثل في القرآن والسنة حفظته اللغة العربية عبر القرون علاوة على أنها نقلته من السماء إلى الأرض ومن الجزيرة العربية إلى شتى أنحاء المعمورة وإذا كان هذا فضل اللغة العربية على الدين الإسلامي فللدين الإسلامي كذلك فضل على اللغة العربية حيث جر انتشار الإسلام إلى انتشار اللغة العربية.
واستيعابها الخلاصة حضارات غير العرب مما ساهم في تقدمها وارتقائها وازدهارها وبذلك صارت اللغة العربية هي لغة الحضارة والتقدم وعظم شأنها وتسابق العلماء والمؤلفون عربًا وغير عرب إلى التأليف بها وعنها ولكن وقع ما وقع من تقهقر العرب والمسلمين فتفككت أوصال الأمة وطمع فيها الطامعون ولما جل المستعمر بالجناح الغربي من الوطن العربي كان يهدف أولًا وقبل كل شيء إلى استعمار الأرواح واستلاب الثقافة لأنه يعلم أنه بذلك يحقق السيطرة على الأرض وعلى الشعوب حتى لو أضطر عسكره إلى الجلاء عن تلك الأرض والاختفاء بعيدًا عن عيون شعوبها من هنا رأيناه يعمل طوال وجوده العسكري على اجتئات المقومات الوطنية في شمال أفريقيا وفي مقدمتها اللغة العربية والدين الإسلامي ويقر المستعمرون بأن الغزو الثقافي الذي يشمل الأرواح والعقول والأذواق والسلوك هو أعلى درجات الاستعمار ومن خلاله يصل المستعمر إلى كل أهدافه وغاياته الأخرى.
هجمة على العربية بالضرب على وتر الجنس:
حاول الفرنسيون ان يغرسوا في عقول عرب شمال أفريقيا أنهم ينتمون إلى جنس غير جنس العرب وقومية غير قوميتهم واضعين بذلك أسفين الفرقة بينهم وبين إخوانهم من العرب المشارقة وحتى في لغة هذا المستعمر فأن عرب «ARABE» تعني الجنس واللغة في نفس الوقت وبالتالي إذا أقتنع الشمال أفريقيين بأنهم غير عرب فأنهم سيتركون اللغة العربية تلقائيًا وفي هذا الإطار ركز المستعمرون على تسمية العرب في شمال أفريقيا لا بالعرب وإنما بالبربر وأطلقوا عليهم تسمية قديمة هي Maurils «مور» وحتى الفتح الإسلامي للأندلس يطلقون عليه «غزو المور» «بربر شمال أفريقيا» لشبه جزيرة أيبيريا» يقول الكابتان فيكتور بيكي في كتابه «الشعب المغربي» الذي نشره سنة 1935م «أن الفكرة الأساسية التي يجب أن نتشبع بها هي أن الشعب المغربي ليس عربيًا» بلي ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك عندما زعم أن بربر شمال أفريقيا هم من أصل آري مثل الأوروبيين وعليه «يستطيعون أن يصبحوا فرنسيين ويجب أن يصيروا بعد وقت قليل فرنسيين لغة وروحًا.».
الفرنسية بدل العربية
المعادلة التي وضعها الاستعمار وخطط على أساسها هي أنه يقدر ما تضعف اللغة العربية في شمال أفريقيا بقدر ما يتسع المجال أمام اللغة الفرنسية المتمكن والتغلغل ومد جذورها في المنطقة وهكذا ظن المستعمر أنه على المدى البعيد سيتمكن من ربط منطقة شمال أفريقيا بما يسميه «الوطن الأم» أي فرنسا ولعل جيل الثلاثينات والأربعينيات من المغاربة الذين اتيح لهم دخول المدارس يذكرون كيف كان المعلمون الفرنسيون يعلمونهم أنهم ينتمون إلى فرنسا لا إلى العالم العربي من خلال أحد النصوص الذي يحمل عنوان «فرنسا وطننا الأم».
إن كل المناهج التربوية التي وضعت في عهد الاستعمار تهدف إلى اقتلاع جذور العربية من المنطقة وزرع الفرنسية بدلًا عنها باعتبار أن اللغة هي المدخل لأي غزو سواء كان ثقافيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا وعلى هذا الأساس صدرت تعليمات للمعلمين في أقطار شمال أفريقيا لإبراز كل ما من شأنه أن يضمن «التمايز والتفرقة بين ما هو بربري وما هو عربي ولم يتردد المستعمر في الجهر بنواياه في فرنسة شعب المغرب العربي فقد أعلن الجنرال بريمون «ضرورة فرنسة البرير وتجريدهم من الإسلام» مثلما لم يتردد الكابتن لوغلاي في إصدار تعليمات للمعلمين تقول بالحرف الواحد «علموا كل شيء للبربر ما عدا العربية والإسلام».
أن كانت هناك خطة مدروسة للقضاء على اللغة العربية وهذه أهم ملامحها:
1- قطع كل الروافد التي تغذي الثقافة القومية العربية بغلق المساجد والمدارس التي كانت تعلم اللغة العربية والقرآن وهدم الزوايا التي كانت مصادر إشعاع ثقافي وديني ومصدر مقاومة وبالتضييق على الاتصالات بين المغرب والمشرق وبذلك خبت نار اللغة العربية لأنها لم تعد تواكب التاريخ والتطور الحضاري وأوجد المستعمر الفرصة لنفسه ليدعي أن ما أصاب اللغة العربية من انحطاط إنما هو أمر طبيعي لقصور ذاتي فيها وعجز متأصل عن تقبل الجديد محاولًا بزعمه هذا خلق مركب نقص لدى كل عربي في شمال أفريقيا إزاء أحد مقومات شخصيته إلا وهو اللغة العربية.
2- إنشاء مدارس فرنسية حديثة يدخلها أبناء الذوات والمتعاونين مع المستعمر تخرج الكوادر المتفرنسة قلبًا وقالبًا والتي تعول عليها فرنسا لتسليمها الوظائف العليا والخيرية لمست زمام الأمور بالبلاد وإيجاد هذه المدارس الحديثة إلى جانب المدارس العتيقة والمؤسسات التربوية التعليمية التقليدية يهدف إلى إطفاء جذوة الاعتزاز لدى المغاربة باللغة العربية والدين الإسلامي وإعطاء صورة براقة ولامعة للغة الفرنسية «لغة التحضر» حتى ينجذب إليها الشباب ويتعلموها ويتكلموها فتنتشر على كل لسان وعندها يسهل أن تمرر عبرها ثقافة المستعمر وأدبه وتقاليده وعاداته التي ستزيح بالضرورة التراث العربي القديم وتؤدي بالتالي إلى لبنات الشعب وتغريبه وقد قال أحد واضعي هذه السياسة: «أن أحسن وسيلة لتغيير الشعوب البدائية في مستعمراتنا وجعلهم أكثر ولاء وأخلص في خدمتهم لمشاريعنا هو أن تقوم بتنشئة أبناء الأهالي منذ الطفولة وأن نتيح لهم الفرصة لمعاشرتنا باستمرار وبذلك يتأثرون بعاداتنا الفكرية وتقاليدنا فالمقصود إذن باختصار هو أن نفتح لهم بعض المدارس لكي تتكيف فيها عفوهم حسب ما نريد».
3- فرنسا المحيط في الشارع أو الإدارة أو مكان العمل حيث صارت لغة الخطاب هي الفرنسية وحررت الأوراق الرسمية بالفرنسية وحملت الشوارع أسماء فرنسية وكتبت علامات السير في الطرقات بالفرنسية وصارت العطلة الأسبوعية يوم الأحد بدلًا عن الجمعة «وبقيت هكذا إلى اليوم في تونس والمغرب» ضف إلى ذلك فرنسة الإذاعة والصحافة وكل هذا من شأنه طبعًا أن يركز اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية.
4- إنشاء ما يسمى بجمعية «الأبناء البيض» ثم تلتها جمعية «الأخوات البيض» بهدف ردف الجهود السياسية للقضاء على التراث والثقافة واللغة العربية بجهود دينية ذات طابع إنساني إذ تتمثل مهمة هذه المؤسسات في التسلل إلى الأسر العربية عن طريق ما تقدمه لها من عون مادي وخدمات اجتماعية ذات طابع إنساني «في الظاهرة» لتحبيب الروح الفرنسية والروح النصرانية إلى قلوب عرب شمال أفريقيا كخطوة تمهيدية على طريق نصيرهم يقول الكاردينان «لافيحري » عن جهود الآباء البيض والأخوات البيض: «وأن السماح للمسيحية بأن تؤثر في الروح البربرية يعني ولا شك تسهيل تفتيت الكتلة العربية والقضاء عليها بقوة ويعني تبعًا لذلك القضاء على الإسلام في أرضه بشمال أفريقيا لقائدة حضارتنا وعرقنا.»
والجدير بالذكر أن جمعيات الآباء البيض والأخوات البيض أنشأت عدة مؤسسات ثقافية مثل النوادي والمدارس والمكتبات التي كانت عامرة بالكتب وحيث كان الدارس المغربي يجد فيها ما لا يجده في غيرها من المراجع والمصادر وقد ساهمت هذه المؤسسات باسم العلم والثقافة في نشر اللغة الفرنسية كما كانت محطة للمستشرقين وهمزة وصل بينهم وبين ما يدرسونه عن حضارات المشرق والمغرب العربين وما زالت بعض هذه المؤسسات الشفافية قائمة إلى اليوم في بعض المدن في شمال أفريقيا وأن تقلص نشاطها إلى حد كبير.
الكذبة الكبرى
الكذبة الكبرى التي أطلقها الفرنسيون هي أن اللغة العربية لغة تخلف وانحطاط ووصفوها بأنها لغة القرون الوسطى وقارنوها باللغات المبينة مثل اللاتينية والعبرية والهيروغليفية محاولين أن يثبتوا في عقول المغاربة المسلمين أنه لا مناص لهم من تعلم الفرنسية إذا كانوا يريدون الخروج من التخلف واللحاق بركب الحضارة وللأسف استطاعوا بدرجات متفاوتة - أن يقنعوا بعض من شرب من لبان ثقافتهم ولغتهم بهذه الفكرة الجهنمية فرأينا على مر السنين الماضية ولا زلنا نرق حتى الآن من يدعو إلى الفرنسية وبخط من شأن اللغة العربية وهؤلاء يتخفون الآن تحت شعارات ضرورة تعلم اللغات والازدواجية اللغوية الضرورية وفتح النوافذ على العالم الآخر وما إلى ذلك من شعارات ظاهرها حق وباطنها باطل والمطلع على شؤون المغرب العربي يدرك أن مثل هذه الدعوات للتمسك بالفرنسية وفي مرحلة أخرى بالفرنكفونية إنما تصدر عن المنتفعين من التبعية الاقتصادية لفرنسا ومن ربط عجلة الاقتصاد في بلدانهم بالاقتصاد الفرنسي القاطر وهذا الأمر يدلل بوضوح على إن الغزو الثقافي يخدم الغزو الاقتصادي الذي يكون هو بدوره مقدمة وأحيانًا موازيًا للغزو السياسي.
التصدي للفرنسة
من مظاهر الغزو اللغوي والاستلاب الثقافي في المغرب العربي أن النقاش كان يدور كليًا أو جزئيًا في الاجتماعات والمحافل الرسمية باللغة الفرنسية وأن بعض الخطب الرسمية كانت تلقى من فوق المنابر الدولية باللغة الفرنسية أما تعاليًا عن العربية أو عجزًا عن تكلمها وفي كلتا الحالتين لا يخرج الأمر عن كونه غزوا لغويًا ولم يقف داء هذا الغزو عند المحافل الرسمية وفي أوساط عليه القوم من رجال الثقافة والسياسة بل تعداه إلى عامة الناس في كل مكان وحتى في المساجد حيث كنت تسمع من يقول «الينيسي فو» يرحمكم الله «Alignez Vous» أي استقيموا للصلاة يرحمكم الله وهكذا تعودت الأذن المغربية عمومًا وأن كان ذلك بدرجات متفاوتة من بلد إلى بلد على الخلط بين العبارات الفرنسية والعبارات العربية وشكل ذلك المزيج ضربًا من اللغة لا هو عربي ولا هو فرنسي ولا يعني هذا أن المغاربة لم يتقنوا اللغة الفرنسية بل أن بعضهم صار يتكلمها بطلاقة وقد برزت مؤلفات مغربية باللغة الفرنسية ذات قيمة أدبية وعلمية كبيرة وقد شعرت شعوب المنطقة بخطر هذا الغزو اللغوي الذي يتهددها فكان لا بد من حسم الأمر وترجيح كفة لغة على لغة وعندئذ رفع شعار التعريب كمطلب قومي لا مفر منه لحسم الصراع لقائدة اللغة العربية وقد حققت الثورة الجزائرية خطوات لا يستهان بها على طريق التعريب حيث أن الجزائريين تضرروا أكثر من جيرانهم من آثار الفرنسة.
لم يحقق المستعمر سوى نتائج هزيلة في مجال الغزو اللغوي بالمقارنة مع الجهود الضخمة التي بدلها في منطقة شمال أفريقيا للوصول إلى هدفه ويعود الفضل في التصدي له وعرقلة ساعيه إلى وعي المغاربة بعروبتهم وحسهم الوطني الذي مثله أحسن تمثيل رجال البندقية والقلم من أمثال الأمير عبد القادر الجزائري وعبد الحميد ابن باديس من الجزائر ومن أمثال مشائخ جامع الزيتونة وطلابه بتونس الذين افشلوا العديد من مخططات الفرنسيين عبر ما كانوا يكتبونه وينشرونه في مجلاتهم وجرائدهم ومن أمثال مشائخ جامعة القرويين بفاس الذين لم يدخروا جهدًا في مقاومة الفرنسية والتصدي لها بكل ما أوتوا من وسائل وقد حافظ هؤلاء على صلاتهم بالمشرق العربي وأطلعوا على كل ما ينشر فيه ولم تفتهم عن أحداثه السياسية والثقافية والاجتماعية كبيرة ولا صغيرة ولكنهم يقولون في استياء بقدر ما كان أهل المغرب مولين وجوههم شطر المشرق ومقبلين عليه.
كان أهل المشرق معرضين عن المغرب متملصين من مسؤولياتهم تجاه محنته اللغوية ولكن هل يلام أهل المشرق وقد كانوا يعيشون هم الآخرون أكثر من محنة في ذلك الوقت؟؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل