; المدينة المنورة, مزارات وتاريخ (۱۸) قبور عمات الرسول ﷺ وعثمان بن عفان | مجلة المجتمع

العنوان المدينة المنورة, مزارات وتاريخ (۱۸) قبور عمات الرسول ﷺ وعثمان بن عفان

الكاتب محمدعبدالله فرح

تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012

مشاهدات 63

نشر في العدد 1997

نشر في الصفحة 48

الجمعة 13-أبريل-2012

تناولنا في الحلقة السابقة قبور آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الحلقة نتناول قبور عمات رسول الله ﷺ، وعددًا من الصحابة رضوان الله عليهم, فقد دفن بالبقيع عمات الرسول صلى الله عليه وسلم صفية بنت عبد المطلب وعاتقة بنت عبدالمطلب وأروى بنت عبد المطلب.

تحقيق ميداني من المدينة المنورة

قبر صفية بنت عبد المطلب هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصى, عمة الرسول ﷺ، وهى أخت حمزة بن عبد المطلب، أمها هالة بنت وهب خالة النبي عليه الصلاة والسلام.

أول من تزوجها الحارث بن حرب بن أمية، ثم هلك فتزوجها العوام بن خويلد ابن أسد، فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة.

أسلمت مع ولدها الزبير وأخيها حمزة وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجرت إلى المدينة وكانت من أوائل المهاجرات, كانت دائمًا تحض بلسانها على نصرة النبي ﷺ.

وكان أخوها حمزة بن عبد المطلب قد قتل ومثل بـه, فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلة قال لابنها الزبير: «أرجعها لكي لا ترى أخاها», فذهب إليها الزبير بن العوام وقال: يا أماه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي. فقالت صفية بنت عبدالمطلب: ولم؟ لقد بلغني أن أخي مات، وذلك في الله لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله, فلما جاء الزبير رسول الله ﷺ، فأخبره بقول أمه صفية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خل سبيلها», فأتت صفية، فنظرت إلى أخيها حمزة، وقد بقرت بطنه، فاسترجعت واستغفرت له. 

وموقفها الشجاع في غزوة الخندق لا ينسى حيث تقول: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطوف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله، قال: والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فاحتجزت، ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل -  قال: ما لي بسلبه من حاجة.

توفيت - رضى الله عنها - في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه سنة عشرين هجرية ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة, ودفنت في آخر الزقاق الذي يخرج إلى البقيع عند باب الدار التي يقال لها دار المغيرة بن شعبة، الذي أقطعه عثمان بن عفان رضى الله عنه. 

وكذلك ذكر نحوه ابن زبالة, وقال المطري وأرادوا عقد قبة صغيرة على قبر صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتفق ذلك لقربها من السور والباب.

يحتضن البقيع قبور عمات الرسول ﷺ صفية وعاتقة وأروى في آخر الزقاق عند دار المغيرة بن شعبة

عثمان بن عفان رضى الله عنه منع من الدفن بالبقيع فدفن في «حش كوكب» ثم أدخلها بنو أمية في البقيع

قبر عثمان بن عفان رضي الله عنه

وذكر الإمام أحمد بن حنبل في فضائل عثمان بن عفان، عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله فتنة، فمر رجل، فقال: «يقتل هذا المقنع يومئذ مظلومًا» قال: فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان. ولما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتمل إلى داره وتفاقم الأمر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس وألجؤوه إلى داره وضيقوا عليه وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة بيوتهم وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة عن أمر آبائهم منهم: الحسن والحسين وعبدالله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبدالله بن عمرو، وصاروا يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين، ولم يزل الأمر بهم إلى أن تجرؤوا عليه واقتحموا عليه داره، فذبحوه والمصحف بين يديه في يوم الجمعة الثاني عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وله بضع وثمانون سنة رضى الله عنه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. 

جاءت أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنهما، فوقفت على باب المسجد، فقالت: لتخلين بيني وبين دفن هذا الرجل، أو لأكشفن ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوها، فلما أمسوا جاء جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وعبدالله بن الزبير، وأبو الجهم بن حذيفة، وعبد الله بن حسل وفي رواية وكانت معهم عائشة بنت عثمان بن عفان رضي الله عنها أمه معها مصباح في حق، وكذلك كانت معهم حكيمة، وهى حكيمة بنت أمية بن الأخنس الخزرجي, فحملوه فانتهوا به إلى البقيع فمنعهم من دفنه ابن بحرة الساعدي، وذكر عروة بن الزبير قال: منعهم من دفن عثمان بن عفان و بالبقيع أسلم بن أوس بن بحرة الساعدي، قال: فانطلقوا به إلى «حش كوكب»، وهو بستان في المدينة موضع في أصل الحائط الذي في شرق البقيع الذي يقال له: خضراء أبان وهو أبان بن عثمان رضى الله عنه، فصلى عليه حكيم بن حزام، ثم حضروا له، فلما دلّوه صاحت بنته، فلم يضعوا على لحده لبنا، وأهالوا عليه التراب وانصرفوا وأدخل بنو أمية حش كوكب» في البقيع.

وقال السمهودي قلت: فلذلك تسمى تلك الناحية إلى اليوم بالخضاري، وفي طبقات ابن  سعد عن مالك بن أبي عامر، قال: كان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم في «حش كوكب»، فكان عثمان بن عفان الله يقول: «يوشك أن يهلك رجل صالح، فيُدفن هناك فيتأسى الناس به»، قال: فكان عثمان بن عفان أول من دفن به. 

وروي ابن زبالة عن ابن شهاب وغيره أن عثمان منع من البقيع، فدفن في «حش كوكب»، وكان عثمان بن مظعون أول من دفن في البقيع فجعل رسول الله له أثقل مهراس علامة على قبره ليدفن الناس من حوله، وقال: لأجعلنك للمتقين إمامًا، فلما استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة في ملكه أدخل الحش كوكب في البقيع وحمل المهراس، فجعله على قبر عثمان بن عفان، وقال: عثمان وعثمان، فدفن الناس حول عثمان رض الله عنه.

وقال المطري في كتابه «المغانم المطابة» وعلى قبر عثمان بن عفان قبة عالية ابتناها أسامة بن سنان الصالحي، أحد أمراء السلطان السعيد صلاح الدين بن أيوب في سنة إحدى وستمائة، وقلت «السمهودي»، ولم يذكر ابن النجار هذه القبة مع ذكره لقبة الحسن والعباس وسيدنا إبراهيم وغيرهما، مما كان في زمانه، وقد أدرك التاريخ الذي ذكره المطري وبعده بكثير.

قبر سعد بن معاذ

نقل ابن شبة عن عبد العزيز: أنه أصيب يوم الخندق، فدعا فحبس الله عنه الدم، حتى في بني قريظة، ثم انفجر كَلمُهُ، فمات في منزله في بني عبد الأشهل، فصلى عليه رسول الله، ودفنه ولحد له في طرف الزقاق «يعني البقيع»، الذي بلزق دار المقداد ابن الأسود، وهو المقداد بن عمرو، وإنما تبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهري، وهي الدار التي يقال لها: دار ابن أفلح في أقصى البقيع عليها جنبذة «هى القبة» «تاريخ المدينة».

وفي غزوة الخندق تلقت ذراع سعد سهما، دعا الله سعد، فقال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة.

وذكر السمهودي من المشاهد التي في البقيع مشهد فاطمة بنت أسد، أم أمير المؤمنين علي بأقصى البقيع.

قبر أبي سعيد الخدري رضى الله عنه

أبو سعيد الخدري الإمام المجاهد مفتي المدينة هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجي، وأخو أبي سعيد لأمه هو قنادة بن النعمان الظفري أحد البدريين استشهد أبوه مالك يوم أحد وشهد أبو سعيد الخندق وبيعة الرضوان وعن عبدالرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: عرضت يوم أحد على النبي وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي، ويقول: يا رسول الله إنه عبل العظام، وجعل نبي الله يصعد في النظر ويصوبه، ثم قال: «رده فردني»، ويعتبر من رواة الحديث، وتوفي سنة ٧٤هـ «سير أعلام النبلاء». 

والظاهر من الروايتين أن أبا سعيد الخدري كان يعلم موضع قبر سعد بن معاذ رضي الله عنهما؛ لأنه حفره وكان يشم رائحة المسك في موضعه، فحدد لابنه عبدالرحمن موضع قبره فجعل يدفنه بجواره بأقصى البقيع، وينبغي السلام هناك عليهما رضي الله عنهما.

وبذلك نكون قد دخلنا وسلمنا على خير جيل بعثه الله بعد الأنبياء، وهم الذين صاحبوا نبيه وناصروه وعزروه وظلوا على هذا رضى الله عنهم ورضوا عنه، حتى لقوا ربهم, فمنهم من دفن في أصقاع الأرض في أفريقيا وفي آسيا وأوروبا ومن وراء النهر وفي الجزر داخل البحار والمحيطات ومنهم من دفن في البقيع وهم جميعًا نحسبهم وهوا بما عاهدوا الله عليه، فنسأل الله أن نكون خير خلف لخير سلف ونلحق بهم ولا نبدل تبديلا، ونورد معهم على حوض النبي ﷺ.

ويوجد في البقيع أيضًا قبور بعض التابعين، مثل قبر الإمام مالك بن أنس، وقبر نافع مولى ابن عمر بن الخطاب، وكذلك أذكر أنا كشاهد عيان في هذا المكان دفن الشيخ محمد الغزالي «المصري».

                                                                                              يتبع

([*]) متخصص في تاريخ آثار المدينة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل