; المرأة الداعية تعزف عن الحياة الدنيا وبهرجها وسلاحها الإيمان والتقوى. | مجلة المجتمع

العنوان المرأة الداعية تعزف عن الحياة الدنيا وبهرجها وسلاحها الإيمان والتقوى.

الكاتب عثمان قدري مكانسي

تاريخ النشر السبت 19-يونيو-2010

مشاهدات 67

نشر في العدد 1907

نشر في الصفحة 42

السبت 19-يونيو-2010

المرأة مربية وداعية (٢ من ٢)

«أم سليم» إحدى السابقات إلى الإسلام كانت مثالًا يقتدى في الصبر وحسن التصرف.

 إذا تحلت المرأة بالتقوى والعمل الصالح كانت حرية أن تبني جيلًا عظيمًا وأمة ثابتة الأركان ورجالًا يبنون بسواعدهم المؤمنة وعقولهم الراجحة مجد أمتهم.

المرأة المسلمة ترى حياتها في الإسلام، وسعادتها في العمل بما يرضي ربها، وتدعو إلى الله على بصيرة، وتجد راحتها في بناء بيت إسلامي دعائمه التقوى وأساساته الإخلاص. 

هذه أم سليم بنت ملحان بن خالد مجاهدة جليلة ذات عقل ورأي، أسلمت مع السابقين إلى الإسلام، وبايعت الرسول ﷺ، فغضب زوجها مالك بن النضر غضبًا شديدًا من إسلامها، وقال لها: أصبوت؟ قالت: ما صبوت ولكني أمنت بهذا الرجل... ثم جعلك تلقن ابنها أنسًا وتشير إليه بقولها: قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن محمدًا رسول الله، فكان مالك يقول لها: لا تفسدي علي ابني، فتقول: لا أفسده. 

ثم خرج زوجها إلى الشام فلقيه عدو فقتله، فلما بلغها قتله قالت: لا أفطم أنسًا حتى يدع الثدي وكان ابنها أنس غلاماً حدثًا.. هذه المرأة يخطبها أبو طلحة وهو مشرك فتقول له: يا أبا طلحة، ما أعيب فيك شيئًا فنعم الرجل أنت، ولكنك مشرك تعبد الأصنام، فيعود إليها عارضًا عليها مهرًا مغريًا، فتقول: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده حجر لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار فينجزها لك؟ هل يضرك؟ هل ينفعك؟ أفلا تستحيي من عبادتك هذه؟ فإن أسلمت فإني لا أريد منك صداقًا غير إسلامك! لا تريد أن يكون زوجها من ذوي الأموال والأطيان فكل ذلك زائل، إنها تريده من أصحاب الإيمان والتقوى وأهل الهدى والرشاد..

ويقع الإسلام في قلبه فينطق بالشهادتين، فتتزوجه ويكون إسلامه صداقها(١)

امرأة داعية مربية كهذه حريصة كل الحرص على مرضاة زوجها، روى ابنها أنس قال: كان لأبي طلحة طفل يشتكي «مريض» فخرج أبو طلحة لبعض أعماله، فقبض الصبي، فلما رجع قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان، فظن أن ابنه شفي فاطمأن، فقربت إليه عشاء فتمشى، ثم تصنعت له وتزينت أحسن ما كانت تتصنع وتتزين موقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرايت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب أبو طلحة، ثم قال: تركتني حتى تلطخت(٢) ثم أخبرتني بابني، كيف فعلت ذلك؟ فلما هدأ أو كاد قالت: واروا الصبي. 

فلما أصبح أبو طلحة أتى النبي ﷺ فشكا له ما فعلت أم سليم، فقال له الرسول ﷺ: «أعرستم الليلة»، قال: نعم، قال النبي ﷺ داعيًا: «اللهم بارك لهما»، فحملت من تلك الليلة وولدت غلامًا.

قال أبو طلحة لأنس: أحمله حتى تأتي به النبيﷺ، وبعث معه بتمرات، ولا يرضعه أحد حتى تغدو على رسول الله ﷺ، فحمله الرسول ﷺ بيديه الشريفتين ومضغ الثمرات، ثم أخذها من فيه، فجعلها في فم الصبي، ثم حنكه وسماء عبد الله.

قال ابن عيينة «أحد التابعين»: رأيت من أولاد عبد الله المولود تسعة أولاد، كلهم قد قرؤوا القرآن(٣).

مثال يقتدى

فأم سليم إمرأة تعرف أن ما قدر الله كائن، فلم تلطم، ولم تولول، واحتسبت ولدها، وقلبها غاية في الحزن، وحاولت التخفيف عن زوجها في مصابهما بولديهما(٤)  فعوضهما الله ولدًا صالحًا وذرية صالحة، ولم ينكر رسول الله ﷺ صنيعها، إنما خفف عن زوجها ودعا لهما أن تكون ليلة مباركة، وكان دعاؤه عليه الصلاة والسلام بلسمًا، وكانت أم سليم مثالًا يقتدى في الصبر وحسن التصرف. 

والمرأة الداعية المربية لا تكون كذلك إلا إذا تسلحت بالإيمان والتقوى

١- فعزفت عن الحياة الدنيا وبهرجها، وعلمت أن الدنيا فانية، فلم تعمل لها إلا بما يبلغها منازل الآخرة تلك الدار الباقية.

٢- وقامت الليل فصلت، وسألت الله عز وجل الهداية والعفو والغفران، وسألته من خيره وفضله وكانت خير شريك وصاحب لزوجها تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر. 

قال ﷺ: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء».

٣- وأتت زكاة مالها وتصدقت على الفقراء والمساكين، وساعدت زوجها بمالها إن كان فقيرًا، فهو أبو أولادها، والمعروف مع الأقربين أولى.

٤- وصامت تبتغي الأجر من الله وتعود نفسها تحمل المشاق، والصبر على الجوع والعطش، فتتذكر الفقراء المحرومين، والأسر البائسة، وتشعر بشعورهم، فتعمل ما وسعها العمل على التخفيف عنهم، ومساعدتهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

زار الرسول ﷺ أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها، فقدمت إليه طعامًا، فقال: «كلي»، فقالت: إني صائمة، فقال النبي ﷺ: «إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا»، وربما قال: «حتى يشبعوا»(٥)، وما أجمل دعاء رسول الله ﷺ حين زار سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزيت، ولم يكن لديه اللحم مرصوصًا فوق الأرز، ولا أنواع الحلوى التي يشبع لرؤيتها الناظرون قبل أن يأكلوا، أكل رسول الله ﷺ وصحبه ولم يأنفوا من خبز وزيت، ودعا رسول اللهﷺ لأهل البيت قائلًا: «أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة»(٦)

 ٥- ووصلت رحمها، وتقربت إليهم، وأكرمتهم إن استطاعت، فمن أكرم أقاربه كان أقدر على إكرام الآخرين، ومن أحسن إلى أرحامه سهل الله له إكرام من دونهم، والنبع يروي ما حوله ثم يصل إلى ما بعد.

فعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها اعتقت وليدة(٧)، ولم تستأذن النبيﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله إني اعتقدت وليدتي؟ قال: «أو فعلت؟» قالت: نعم، قال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك»(٨).

فعلى الرغم أن العتق من أفضل القريات كانت صلة الرحم والإحسان إليهم أعلى فضلًا وأجزل مثوبة. 

وقد مر بنا قبل صفحات بر أسماء ذات النطاقين بأمها المشركة.

وصدقت في قولها وفي فعلها، فلم تدع ما لم يكن، ولم تفخر بما لا ينبغي، ولم تسئ إلى مشاعر الآخرين وإن سابقتهم ورغبت أن تكون خيرًا منهم، إن المنافسة سمة من سمات الإنسان، ولكن يجب أن تكون في الحق وبالحق، وإلا كانت خداعًا ومكرًا لا يليق بالمسلم أن يتصف بهما، ألم يقل الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ (الإسراء: ٣٦)، ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)

كذلك روت أسماء رضي الله عنها أن امراة قالت: يا رسول الله، إن لي ضرة(٩) فهل علي إن تشبعت(١٠) من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال النبي ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»(١١).

فهي تريد أن تظهر أمام ضرتها أن زوجها يفضلها عليها، ويميل إليها، فيعطيها ما لا يعطي الأخرى لتكيدها وتؤذي مشاعرها، فبماذا شبهها النبي ﷺ إن فعلت ذلك؟ إنه صور هذه الفعلة الشائنة بمن يتزيا بزي أهل الزهد أو العلم أو الثروة ليفتر به الناس، وهو غير ذلك.

٧- وتوكلت على الله ولجأت إليه في العسر واليسر ووصلت حبلها بحبله فكانت أهلًا للأسوة الحسنة والقدوة الطيبة، فاستن الناس بسنتها، واقتدوا بسيرتها.

وقد حدثنا النبي ﷺ قصة هاجر أم إسماعيل عليه السلام، فقد جاء إبراهيم عليه السلام بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت الحرام، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعها هناك، ووضع عندها جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب؟ وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت. 

جواب رائع، رائع، يدل على عظيم الإيمان بالله سبحانه، وجميل التوكل عليه، والرضا بقضائه، فهو سبحانه خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

وقال الملك الذي حفر بجناحه زمزم: «لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيتًا يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله». نعم إن الله لا يضيع أهله. 

فإن فعلت تلك التي تندرج تحت سمة التقوى كانت امرأة صالحة مصلحة، ودرجت في مرابع الإيمان، وكانت حرية أن تبني جيلًا عظيمًا وأمة ثابتة الأركان ورجالًا يبنون بسواعدهم المؤمنة وعقولهم الراجحة مجد أمتهم، نسأل الله ذلك.

الهوامش

(1) من كتاب «نساء فاضلات»، ص ٦٥-٦٦ بتصرف.

(۲) لطخت: تقذرت بالجماع

(۳) رواه البخاري برقم (٥٤٧٠)، ومسلم برقم (٢١٤٤)، وأحمد برقم (١٢٤٥٤). 

(٤) أخرجه أحمد برقم (٧٣٦٢-٩٣٤٤)، وأبو داود برقم (۱۳۰۸)، والنسائي برقم (١٦١٠)، وانظر: المشكاة برقم (۱۲۳۰).

(٥) رواه احمد برقم (٧٣٦٢-٩٣٤٤) والترمذي برقم (٧٨٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. 

(٦) رواه أبو داود برقم (٣٨٥٤) بإسناد صحيح.

(7) الوليدة: الأمة، ملك اليمين. 

(۸) رواه البخاري برقم (٢٥٩٢)، ومسلم برقم (۹۹۹) وأحمد برقم (۲٦۲۷۷)، وأبو داود برقم (١٦٩٠).

(٩) امرأة الزوج الأخرى بفتح الضاد. (۱۰) الذي يظهر الشبع وليس بشبعان «الادعاء بما ليس كائنا لتكيد ضرتها».

(۱۱) رواه البخاري برقم (٥٢١٩) ومسلم برقم (۲۱۳۰)، وأحمد برقم (٢٦۳۸۱)، وأبو داود برقم (٤٩٩٧)

(۱۲) أخرجه البخاري برقم (٣٣٦٤).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

500

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال