العنوان المرأة المسلمة الداعية - العدد (317)
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
مشاهدات 77
نشر في العدد 317
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 14-سبتمبر-1976
الحلقة 2
2- من الواقع
أين تقع المرأة المسلمة اليوم؟ ما هو الدور الذي تقوم به في هذا المجتمع؟
هل هي مهيأة لأن تتحمل صدمات الواقع المزلزلة؟
هل هي مهيأة لأن تلعب دورها الحقيقي في المجتمع؟
ما هي الأخطار التي تهددها وتمنعها من تأدية هذا الدور؟
وأخيرًا: ما هو السبيل الذي يمكنها من تأدية واجبها في حلبة الصراع؟
أسئلة تفرض نفسها حين نبدأ بتصوير الواقع والتماس سبيل الخلاص والعلاج ولابد لنا من التماس الأجوبة لعلها تساهم في تحديد المشكلة، ورسم معالم الخطى الأولى في طريق طويل.
وإذا عدنا للواقع نجد أن المرأة المسلمة- اليوم- مشدودة بكثير من الأربطة إلى عديد من المؤثرات في تفكيرها وسلوكها ومشاعرها.
- فهي- أولًا- لم تنشأ النشأة الإسلامية الصحيحة- التي تجعل منها امرأة مسلمة واعية، لا يشوب عقيدتها وتصورها وسلوكها أي غبش أو انحراف وإنما نرى الواقع يدل على نشأة تعتمد على طبيعة البيئة والتقاليد التي درجت عليها، وعاشت سنواتها المبكرة في أحضانها، داخل البيت والمدرسة وهذا يجعلنا نعيد النظر في بيوتنا وسلوكنا، وما نتساهل به، وما نهمله، وما نقصر به وما نتركه للزمن، ولهذا حديث آخر إن شاء الله.
ولذا يطغى أثر البيئة على الاعتقاد والسلوك، ويؤثر في الطفلة فالشابة فالمرأة المسئولة عن أسرة وبيت وأولاد وطالبات.
ولنستعرض صورًا من هذا الواقع:
فهناك من النسوة من نشأ ضمن أسرة محافظة تحمل الإسلام أخلاقًا وعادات وتقاليد ومواسم، وتحافظ عليه محافظتها على كنز موروث دون إدراك لأسراره وجواهره وواجباتها نحوه.
لذا تبدو هذه المحافظة في المظاهر والشعارات أكثر مما تبدو في التوعية والتوجيه وصحة التصور والسلوك وتبدو المرأة- هنا- في تطبيقها لبعض تعاليم الإسلام، ولبوسها لشعاراته مطيعة لأوامر الأب، خاضعة لتقاليد الأسرة، مخلصة لموروثات المجتمع أكثر من تمسكها بعقيدة إلهية لها صلة بحقيقة الإيمان الصحيح والتصور الحقيقي للإسلام من هذه الصورة تنشأ بعض التناقضات عند هذا النوع من النساء ولاسيما عندما تواجه مشكلة عصرية، أو أمرًا مصيريًا كالزواج وغيره.
وفي الغالب، فإنها ستقبل القادم من مشكلة أو زوج- أو ترفض وفقًا لتقاليد الأسرة دون أن يكون رائدها في ذلك نظرة الإسلام وتعاليمه- بقبول الرجل المؤمن الخلوق، مهما كانت أوضاعه وظروفه.
وتظهر التناقضات في مواجهة مستحدثات العصر، ومظاهره ومغرياته الخادعة التي تتنافى مع الإسلام، وهنا نرى عجزها عن مناقشة الأمور وفقًا لمفهوم الإسلام وتصوره، فيأتي قبولها للجديد طبقًا لرضاء الأسرة- ورغبة الأم الفخورة بابنتها، دون أن تجد لنفسها المبرر المقنع للقبول أو الرفع، لانعدام الوعي، وقلة الخبرة، وخطأ التربية والنشأة، ولضعف الإيمان الذي يمدها بالصبر والثبات إزاء هذه الأمور المستحدثة.
هذه المرأة لا يمكن أن تبقى صامدة بشعاراتها الإسلامية أمام سيل العصر الجارف بمفاجآته ومؤثراته وغرائبه وخبائثه، وستظل عرضة للانحراف والتبدل إذا لم تتسلح بالإيمان والوعي، لاسيما حين تنتقل إلى بيت الزوجية، فتضعف سلطة التقاليد الموروثة، ورغبة الأب العاطفية وسواها.
وهنا تفاجأ بعالم جديد، يفتح لديها كوامن الغريزة الأنثوية، وحب الظهور فتستجيب لرغباتها- بما هو مقبول إسلاميًا، وبما هو مرفوض أيضًا- وتنهار أمام الفلسفة العصرية الجديدة، وتغدو واحدة منسجمة مع العصر متخلية عن التقاليد التي حملتها من بيت أبيها، مستجيبة لدواعي الوفاق والنجاح في بيتها الجديد، وإن محافظة المرأة على القيام بالفرائض الواجبة لن يؤهلها لأن تكون مسلمة تملك مؤهلات البقاء والحركة في المجتمع الجديد، ولهذا تسقط من حساب الداعيات أولًا، والمسلمات ثانيًا، لأن الإسلام لا يقبل الصور المشوهة الممسوخة لما يسمى بمسلم العصر رجلًا أو امرأة.
فالمسلم في صورته واحد، في الماضي والحاضر والمستقبل، لأنه يلتزم منهج الله الواضح، وأي انحراف عن الحق، واتباع الجاهلية.
فلا نعجب إذا رأينا أمثلة للمرأة التي انهارت رغم موروثاتها- وسارت وراء المظاهر، وألفت التبرج واستساغت الظهور بمظاهر الزينة المحرمة.
2. والمرأة المسلمة- إلى جانب ما سبق- لا زالت في صراع مع مستحدثات العصر الحديث ومغرياته وأساليبه في الدعاية والتأثير ومظاهره المتبرجة، وإظهاره للمرأة السافرة أمام جيل يركض لاهثًا وراء الجنس والملذات.
ولهذا فالمرأة المسلمة التي لا تملك العقيدة الصحيحة التي تربى عليها منذ الطفولة والوعي الصحيح ترى نفسها خلف الستار، وكأنها منبوذة من مجتمعها، مهددة بالنسيان من اهتمام العصر وأبناء العصر وهي موسومة بالتخلف إذ لا تلتفت إليها أنظار المعجبين- من رجل الشارع- ولا تسمع كلمات الثناء في زحمة الأسواق المختلفة المتقدمة، وتحرم من الإطراء الذي يطرب له- عادة النساء، ويوقظ عندهن كل مشاعر الأنوثة والجمال والعجب.
وهذا النوع من النساء مهما كان بعيدًا عن الأجواء العاطفية الخادعة لا يستطيع أن يتناسى فطرة الأنوثة حين ترى المرأة مثيلاتها يقفزن إلى مواطن الإعجاب والاهتمام، بيوت في هذا المجتمع، وهن منسيات بيوت في هذا المجتمع، وهن منسيات ومع فقدان الإيمان الواعي تبدأ بمعاناة صراع داخلي، وضغوط نفسية مؤلمة، مع متناقضات واقعها وتقاليدها الموروثة من أسرتها، حيث تشعر بتهديد حاد من هذا الواقع المؤلم، قد يؤدي إلى انحراف إثر ضعف وانهيار، فتخرج الفتاة عن إطار العادات الموروثة، وتنحرف مع التيار.
3. والصورة الثالثة من صور العصر، هي صورة المرأة المسلمة التي تنشأ في جو لا يعرف الإسلام، ولا يتمسك بأهدابه شعارًا أو سلوكًا مما يدفع بهذه الفتاة الشابة أن تخرج عن تقاليد النشأة المنحرفة للأسرة وتتخطى إطار العادات المستحكمة مما يثير لها متاعب وصعابا ليست هينة، فتنشأ المعارضات والمناقشات والتحديات التي قد تلجئها إلى نوع من التصلب الجهول حول موقف من المواقف، أو يوقعها في ردود أفعال خاطئة بدافع النزق والعصبية، نتيجة نقص في الوعي وضحالة في التجربة والخبرة.
وهنا يستطيع المشككون أن ينفذوا إلى أعماقها حين ينسجون حولها شباكًا من الاتهامات والأباطيل حول تاريخ الإسلام، وعقيدة الإسلام ثم حول سلوكها الشخصي، وبواعث تمسكها بالفضيلة، ومستحدثات عصرها الجديد كل هذا يؤكد ضرورة الإعداد المسبق المدروس للفتاة المسلمة، وبناء عقيدتها وفكرها بناء سليمًا مخططًا، لتتسلح بتصور صحيح واضح عن الحياة ولتحوز على وعي شامل لجوانب الحياة وشريعة الإسلام، ولتمتلك- وهو الأهم- إيمانًا قويًا مبصرًا، يعصمها من الشكوك ويجنبها الانزلاق، لتكون قادرة على مجابهة الغارة الحاقدة من أعداء الإسلام، والمتاجرين بالمرأة في سبيل أهدافهم الشيطانية.
4. فإذا كانت تلك صور من الواقع، أو بعض صوره، تعيشه المرأة المسلمة وتعاني منه، فإننا قد نجد صورًا وأشكالاً أخرى، تواجه فيه المرأة المسلمة أنواعًا من الكيد، وأصنافًا من الاتهامات الخبيثة لكي تخرجها من ساحة الدعوة، وتحرمها من شرف الجهاد والعمل للإسلام.
والصعاب متنوعة، تتمثل في دوائر تحيط بالمرأة، ولكل دائرة تأثيراتها وظروفها وإشعاعاتها.
فهناك دائرة النفس والعواطف لدى المرأة.
وهناك دائرة الأسرة التي تعيش ضمنها.
وهناك دائرة الأسرة التي تكون طرفًا في تأسيسها.
وهناك دائرة التقاليد والعادات الموروثة التي تأخذ طابع العقيدة.
وهناك دائرة المجتمع بكل ما فيه من إغراءات ومكائد ومثيرات.
وهناك دائرة الحاقدين من الأعداء الذين ينظمون صفوفهم للكيد والتضليل ويقفون جهودهم على محاربة الإسلام والمسلمين، وإفساد المرأة قبل ذلك كله.
إن هذا النوع من المسلمات يواجهن ضغوطًا من الأسرة، والمجتمع، ويتحملن قساوة الجفاء والتجريح والنقد والتسفيه والإغراء، ويواجهن ضغوط المدنية الحديثة.
ويكابدن آلامًا كثيرة لصدها ودفع شرورها.
إنهن يقعن بين نيران تحيط بهن، وكلها تتوق لإحراق هذه الجوهرة المقدسة المتقدة في قلبها.
وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ قال: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» (1)
وعن حذيفة- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه» (2).
5. مع هذا كله، لا يخلو المجتمع من وجود الفتاة المسلمة الواعية التي هيأت لها عناية الله- سبحانه وتعالى- أيادي أمينة، تعهدتها بالتربية الصالحة، والتنشئة الواعية، في بيئة إسلامية لم ترث الدين تقليدًا، وإنما فهمته، وآمنت به منهجًا من عند الله وحملته أمانة لا تفرط بها لأنها الحياة والمصير، لهذا عاشت هذه الفتاة في أجواء هذا البيت الطاهر، وعرفت الإسلام عقيدة وفكرًا وسلوكًا وواقعًا يوميًا.
وهي بهذه النشأة تستطيع أن تخرج لمواجهة المجتمع وحمل الدعوة إلى بنات جنسها، إذا ما حصلت على ثقافة كافية، واطلاع معقول يسمح لها بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواجهة صعاب الطريق، وأشواك السعي لمرضاة الله- عز وجل-.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل