; المرأة في العصر النبوي | مجلة المجتمع

العنوان المرأة في العصر النبوي

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993

مشاهدات 69

نشر في العدد 1049

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 11-مايو-1993

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (النحل:٥٧ – ٥٩).

هكذا كانت المرأة في جاهلية الناس قبل عصر النبوة رزية مهانة لا حق لها ولا كرامة، ولا رأي ولا وجود. حلس الخدر والبيوت استعبدها الرجال في ذلة وامتهان إن سألت لا تجاب، وإن احتيج إليها فللسقي والاحتطاب والتقاط النوى للإبل وتغذية الكلاب أو لإبراد غلة الشهوات، ويصف عمر أمير المؤمنين قومه في أسى واكتئاب: «كنا في الجاهلية لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في شيء من أمورنا، بل كنا ونحن بمكة لا يكلم أحدنا امرأته، إذا كانت له حاجة سفع برجليها فقضى منها حاجته! فلما جاء الإسلام أنزلهن الله حيث أنزلهن وجعل لهن حقا.

وهكذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الناس وخاطب النساء بالاسم وهو ينذر عشيرته الأقربين: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبدالمطلب» فكانت المرأة سباقة بهدي النبوة ودين الحق، فكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء به فخفف الله بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يسمع شيئا يكرهه إلا ثبتته وهونت عليه أمر الناس، ثم تتابعت النساء بعدها أسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت الخطاب وأسماء بنت مخربة التميمية وفاطمة بنت المجلل وفكيهة بنت يسار ورملة بنت أبي عرف وأمينة بنت خلف، فكل هؤلاء أسلمن قبل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وبإسلامه تم عدد المؤمنين أربعين. (ذكره ابن إسحاق في السيرة: ٤٧-٥٠).

وما كادت تخرج المرأة تجاهر بدينها وتخرج من سرية دار الأرقم وحصار شعب أبي طالب إلى الناس والمجالس الاجتماعية العامة حتى تكالبت عليها الجماهير الكافرة تفتنها عن دينها وتتفنن في تعذيبها والتنكيل بها في إصرار وقسوة بالغة، فما زادها إلا إيمانا وتسليما فلم ترتد مسلمة واحدة بعد إيمان، ولا ارتابت بعد إيقان، ولم تقل كلمة الكفر تقية، ولا أضمرت نفاقا أو شكا، ولا ضعفت عقيدتها بعد قوة. ولا خضعت للعمل بدينها في الخفاء بعد الإعلان مجلية بذلك رسوخها وثباتها، مخلفة وراءها كثيرا من الرجال مرتدا أو مرتابا أو قائلا لكلمة الكفر متقيا بها العذاب، وفي طليعة هؤلاء المعذبات في الله المستهينات بالمحنة والمستعذبات لها ثقة منها بالله: سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر، كانت سابع سبعة في الإسلام عذبها آل بني المغيرة على الإسلام وهي تأبى غيره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بها وبولدها عمار وبزوجها ياسر وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: «صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة». ومازال لها أبو جهل لعنه الله في شرذمة من السفهاء يضربونها ويسيلون دمها حتى طعنها بحربة في موضع العفاف منها فقتلها..

قال مجاهد بن جبر التابعي: أول شهيد في الإسلام سمية أم عمار كانت عجوزا كبيرة وضعيفة، ولما انتقم الله لها من أبي جهل يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: قتل الله قاتل أمك!

وحمامة أم بلال بن رباح، وأم عبيس زوج كريز بن ربيعة، وكان يتولى كبر تعذيبها الأسود بن عبد يغوث، وجارية لبني كعب بن عدي كان عمر يعذبها قبل إسلامه، ولبيبة جارية بني المؤمل والنهدية وابنتها. وزنيرة الرومية كان يتولى تعذيبها أبو جهل، كن جميعا يلبسن أدراع الحديد، ويصبرن في الشمس، ثم يسلمن لزبانية العذاب، وهن مع ذلك مفترات الثغور هازئات بمعذبيهن، لم تفارق كلمة الإسلام قلوبهن المشرقة لحظة!

ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما حل بالمؤمنين من تكاثر المحن والآلام واشتداد الفتنة والعذاب أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة فهاجروا وكان فيهم من النساء كثيرات منهن رقية بنت رسول الله وسهلة بنت سهيل مراغمة لأبيها، وأم سلمة هند بنت أبي أمية- أم المؤمنين بعد، وليلى بنت أبي حثمة وأم كلثوم بنت سهيل، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت صقران وأمينة بنت خلف وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان- أم المؤمنين بعد، وبركة بنت يسار وسودة بنت زمعة- أم المؤمنين بعد.

ثم وردت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة المسلمة المدنية الأنصارية معززة لأختها المهاجرة المكية، فحضرت بيعة الرضوان نسيبة بنت كعب أم عمارة البطلة المقاتلة، وأسماء بنت عمر وأم منيع (كما في جوامع السيرة لابن حزم) مع من حضر من الرجال فبايعوه عليه الصلاة والسلام على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم وأن يهاجر النبي إليهم وأصحابه، وكانت هذه البيعة سرًّا.

وهاجر النساء المؤمنات من أوطانهن وهجرن أهليهن أبًا وأمًّا وزوجًا وأولادًا إلى الله ورسوله بالمدينة، ولم يكد يتخلف منهن أحد، وكن من السباقات، فمنهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قال ابن سعد: هي أول من هاجر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم قرشية خرجت من أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله ورسوله غيرها، خرجت من مكة وحدها!

وليلى بنت أبي حثمة العدوية أسلمت قديمًا وهاجرت الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ويقال إنها أول ظعينة دخلت المدينة في الهجرة، قال: كان عمر- ولم يكن قد أسلم بعد- من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة جاءني عمر وأنا على بعيري فقال: إلى أين يا أم عبدالله فقلت: آذيتمونا في ديننا فنذهب في أرض الله قال: صحبكم الله!

والمرأة في العصر النبوي لم تترك الرجال ينفردون بشيء دونها، فلم تكتف بأن تسلم وتغلق عليها دارها، بل تابعت الدين الجديد في جميع مراحله إيمانا وعذابا في سبيله وهجرة ودعوة إليه باللسان والسيف في نفسها ومع عشيرتها من زوج وأهل وولد في غيرة وحماس وتفرغ ليلا ونهارا سفرا وحضرا عذراء وزوجا وأما، سبقت بجهودها الرجال.

وكانت سمراء بنت نهيك تؤدب الناس وبيدها سوط، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، واستشار عبدالله بن الزبير أمه أسماء في قتال الخوارج عليه فأجابت: «إن خرجت لإحياء كتاب الله وسنة نبيه فإن الشاة لا تعذب بالسلخ فمت على الحق، وإن كنت إنما خرجت لطلب الدنيا فلا خير فيك حيا ولا ميتا» ولم تدعه إلى الاستسلام!

والخنساء بنت عمرو السلمية الشاعرة المسلمة حضرت معركة القادسية ومعها بنوها أربعة رجال فحرضتهم على القتال ونصر الإسلام إلى أن استشهدوا فبلغها الخبر فقالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته».

وفي بيت فاطمة بنت قيس الفهرية من المهاجرات الأول، في بيتها اجتمع أهل الشورى لاختيار خليفة المسلمين أمير المؤمنين عمر لعقلها وكياستها واطمئنانا لسريتها وسرية بيتها.

وأم سلمة أم المؤمنين أشارت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استشارها في غزوة الحديبية حين عصاه أصحابه حين أمرهم ثلاث مرات بالنحر والهدي والحلق والإحلال، فما قام أحد منهم ولا تحرك وهم غضاب منكرون، فأشارت إليه بأن يخرج هو ويصنع ذلك بنفسه أولا، ففعل، فوثبوا على هديهم فنحروه وأكب بعضهم يحلق بعضا حتى كادوا أن يغموا من شدة الزحام.

أم سليم أم أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم خطبها أبو طلحة قبل أن يسلم فقالت: ألا تستحي تعبد شجرة! إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقا غير الإسلام، قال: حتى أنظر في أمري. فذهب فجاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتزوجته وكان صداقها الإسلام وحده!

أم شريك القرشية أسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة فأخذوها وعذبوها بالتجويع والتعطيش أياما وتركوها تحت حر الهاجرة والشمس، ثم قالوا لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا!

أم شريك الأنصارية امرأة غنية عظيمة النفقة في وجوه الخير ونشر الإسلام كان بيتها مثابة للضيفان وأهل الحاجة من المسلمين.

عفراء بنت عبيد النجارية لها سبعة أولاد كلهم شهدوا بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حواء بنت يزيد الأنصارية زوج قيس بن الخطيم الشاعر كان يصدها عن الإسلام ويؤنبها ويسخر منها ويأتيها وهي راكعة فيكشفها ويضع ثيابها على رأسها، ويأتيها وهي ساجدة فيقلبها على رأسها ويقول إنك تؤمنين بدين لا يدري ما هو!

(يتبع)

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

500

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال