العنوان المرأة والسياسة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1989
مشاهدات 76
نشر في العدد 898
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 03-يناير-1989
- الذين يغررون بالمرأة لتزج نفسها فيما لا يتناسب مع طبيعتها، إنما يؤججون عقدًا نفسية في صدور النساء
لا أريد أن أناقش هنا جواز تولي المرأة المناصب السياسية والقيادية في المجتمع، أو عدم جواز ذلك من الناحية الشرعية، فذلك موضوع سيدخلنا في جدل تقييم الأدلة، وقوتها وضعفها، مما يفتح مجالًا للأخذ والرد يتشعب به الموضوع، ويبعدنا عن أملنا في نقاش هادئ، نصل به إلى ما نريد من إقناع المسلم وغير المسلم، والموافق والمخالف، لأنك إذا قلت بعدم جواز دخول المرأة في السياسة من الناحية الشرعية ، سيقال لك هذه عائشة أم المؤمنين اشتركت في عمل سياسي، وتزعمت حركة سياسية بعد مقتل عثمان، وإذا قلت إن هناك حديثًا شريفًا يقول « لن يُفْلِحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهَمُ امرأَةً »(البخاري: 4425) سيقال لك إن هذا الحديث قاله الرسول عليه الصلاة والسلام عندما بلغه أن الفرس ولوا عليهم امرأة، فهي قضية خاصة يشير فيها إلى ما ينتظر فارس بعد ذلك من عدم الفلاح، وزوال دولتهم، خاصة بعد أن مزق والدها کسری کتاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، ولم يأمر المسلمين بعدم تولية امرأة، وسيقال لك إن القرآن ذكر ملكة سبأ ولم يعقب بعدم صلاحيتها للحكم، وإن التاريخ الإسلامي قد شهد تولي شجرة الدر الحكم في مصر، وأروى بنت أحمد الصليحية التي تلقب ببلقيس الصغرى في اليمن، وإذا قلت لهم إن الفقهاء المسلمين قد قالوا بعدم جواز تولي المرأة الإمامة العامة، سيقال لك ليس هناك نص قطعي الدلالة والثبوت يمنع ذلك، وإن فرقة من الخوارج هم الشبيبية يقولون بجواز تولية المرأة الإمامة، وإنه بعد أن قتل إمامهم شبيب تولت أمه غزاله إمامتهم، وإنها خطبت على المنبر، وقال عنها الشاعر:
أقامت غزالة سوق الضراب لأهل العرافين حولًا قميطًا
سمت للعرافيين في جيشها فلاقي العرافان منها أطيطا
وسيقال إنه يمكن أن تقاس الوزارات على القضاء، وقد قال بعض الفقهاء بجواز أن تتولى المرأة القضاء فيما يجوز شهادتها فيه، وإن الإمام أبا حنيفة قال بجواز قضائها فيما عدا الحدود والجنايات، وإن الإمام الطبري قال بجواز قضائها في كل شيء حتى في الحدود والجنايات.
لن نخوض في هذا الأمر من هذا المنطلق للسبب المذكور آنفًا، ولكننا سنناقش الموضوع من الزاوية المنطقية والواقعية؛ لأن الذين نريد مناقشتهم يدعون أنهم عقلانيون ومنطقيون وواقعيون، فتعالوا نناقش هؤلاء.
لا نختلف أن المرأة لها حقوق الإنسان وواجباته، لأنها إنسانة، وهي أيضًا أنثى فلها حقوق الأنثى وعليها واجبات الأنثى، وليس الذكر كالأنثى بلا خلاف، فكما أن الناقة غير الجمل، فالجمل غير الناقة، وكما أن الخروف غير النعجة، فالنعجة غير الخروف، والمرأة هي المرأة مهما حاولت التشبه بالرجال، حتى لو تنكرت في ثيابهم وشواربهم ولحاهم، فلا يجب أن تغفل صفاتها بأي حال من الأحوال، والمجتمع الإنساني مكون من عنصري الذكر والأنثى، ولكل مهمته في الحياة، فهناك حمل تختص به المرأة، وللحمل تأثير تضطرب أثناءه المرأة في مزاجها وأعصابها اضطرابًا كبيرًا، وهي مستودع للجنين الذي يمثل الجيل الناسخ لما سبقه، فمن وظيفتها المحافظة على هذا الجنين الذي تحمله في أحشائها حتى تضعه، وهو ليس ملك لها، فللمجتمع فيه حقوق كحقوق والديه، ولله الذي خلقه فيه حق، ثم تأتي بعد ذلك مهمتها في حضانته وتربيته، فهي أولى بذلك، لأنها أشفق وأحنى، والله قد استودع طعامه في ثديها، ولا شك أن المرأة عندما تمسك بالطفل الصغير وتضمه إلى حضنها، يختلف ذلك عما إذا مسكه رجل وحمله وضمه إليه، ففي المرأة حرارة حسية وروحية تخرج من طبيعة العنصر النسائي عطف وحنان يتحرك به صدر الأنثى وجسمها وذراعيها، وإذا كان الحمل وتربية الصغير هو من مهمة المرأة ترى ماذا يحدث لو افترضنا أن مجتمعًا صغيرًا لا يزيد عدد سكانه عن عشرة آلاف نسمة يعيشون في مدينة واحدة في ظل دستور واحد يساوي بين الرجل والمرأة في تولي الوظائف العامة، وفي اشتراك المرأة والرجل في الحياة السياسية، فخرج كل من الرجال والنساء من بيوتهم للاشتراك في النشاط السياسي، والمجالس النيابية، والعمل في المكاتب ولم يقبل أحد أن يبقى عند الأطفال في البيت، ترى ماذا تفعل السلطة إذا كان الدستور يبيح للجنسين الخروج والمشاركة بدون قيد ولا شرط، فإذا التزمت أحدهما بالبقاء في البيت تكون قد خالفت الدستور، ولا يمكن أن يكون قرارها عادلًا إطلاقًا يتفق مع طبيعة الأشياء، ومراعيا لمصلحة الأطفال والصالح العام، إذا هي كلفت الرجل أن يقوم برعاية الأطفال وهم في حاجة إلى الأم، أليس من العدل والعقل والمنطق إذا أن يعهد إلى كل واحد بالعمل الذي يتقنه، وحسب تخصصه؟
يقول أشياع المرأة، وأنصارها في تولي المناصب السياسية إن أنديرا غاندي وكورازون أکينو و باندارنيكا، وتاتشر وجولدا مائير العجوز الشمطاء التي هزمت رجال العرب، وأخيرًا بنازير بوتو، والشيخة حسينة، خير مثال على نجاح المرأة في مجالات السياسة، ونقول لهؤلاء: هل جد جديد عندما دخلن هؤلاء النساء مجال السياسة وتولين مناصب بدلًا من الرجال؟ هل حلت المشاكل في مجتمعاتهن؟ وهل كان لمجيئهن تأثير على المنازعات الدولية؟ فهل أزلن شبح الحروب؟ وماذا استفادت الحياة الاجتماعية من جهود المرأة في ميدان الحياة السياسية؟ وهل قضي على الجرائم في المجتمعات؟ وهذه الدول المتقدمة بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإيطاليا والمانيا وغيرها من الدول التي احتلت المرأة في مجالسها النيابية مقاعد، وتولت وزارات منذ زمن طويل، هل حصل فيها بسبب وجود المرأة في هذه المناصب إصلاح وتقدم لم يستطع الرجال أن يحققوه؟ إذا كان الأمر بين الرجل والمرأة، فلماذا إذًا الإصرار على جر المرأة إلى المجالس النيابية وتترك مهامها الأساسية؟ وتلك النساء اللاتي ذكر أنهن تولين مناصب الوزارة لم يتولينها إلا بفضل الرجال، فأنديرا غاندي لو لم يكن أبوها نهرو ما تولت الوزارة، وباندرانيكا لو لم يكن زوجها ما تولت، وأكينو كذلك، وبنازير بوتو لو لم يكن أبوها زعيمًا لحزب الشعب ما انتخبت زعيمة للحزب، وكذلك حسينة زوجة مجيب الرحمن في بنغلاديش، أما تاتشر وجولدا مائير فمن الحالات النادرة والنادر لا حكم له، وكل النساء اللاتي تصدرن الحياة السياسية في بلادهن لم يأتين إلا بوحي من الرجال.
إن الذين يغررون بالمرأة لتزج نفسها فيما لا يتناسب مع طبيعتها، إنما يؤججون عقدًا نفسية، فيشحنون صدور النساء بالضغينة على الرجال لتثار فيهن نزعات المنافسة والانتقام، باعتبار أنهن ظلمن في السابق، ولو تأمل النساء وأنصارهن ممن يتسلون بالأحلام والأوهام لوجدوا أنه لا فائدة من كل هذا الذي يروجون له، وإنما هو عبث في عبث، والذي يجب أن يخشاه العقلاء في المجتمعات الصغيرة أن يتوسع نطاق المطالبات النسائية، وإقحامهن في وظائف الرجال بفعل بعض الرجال الذين يريدون أن يثبتوا تحضرهم وتقدمهم، أن ينعكس الأمر وتختل الموازين فتتحول الرياحين إلى شياطين، ويسقط الرجل من منزلته ودرجته فلا أدري كيف يستسيغون أن تقوم المرأة بالأعمال التي تتعارض مع أنوثتها واختصاصها؟ ألا يرون أنها سمجة في زي الشرطي، وفظيعة عندما تنبطح لتحريك مدفع رشاش، أو تتسلق سلالم المطافئ، أو تحمل على ظهرها قطع الطوب؟ إن الذين يعملون على إقحام المرأة في غير مجالاتها يجاملون مجاملات جوفاء، ولا يقدرون العواقب والمصائب التي ستحل بمجتمعاتهم إذا هم تمادوا في دعواتهم بالمساواة بين الرجل والمرأة في كل المجالات.
نحن لا ننتقص المرأة، بل نرى أنها مؤهلة لنيل الدرجات العليا في كل الفنون والعلوم، ولكن كل مجال تدخله المرأة لا بد وأن يكون على حساب مجالات أخرى مهمة في المجتمع، فمجالات العائلة، وبناء الأسرة وتماسكها سيتأثر بخروج المرأة إلى العمل في مجالات الرجال من غير ضرورة، فقيام المرأة بالعمل الذي لا يتفق مع طبيعتها من شأنه أن ينعكس على مهمتها في الحياة.
أي أن كل خروج للمرأة في أعمال المجتمع محسوب ومطروح من حساب خصائص العائلة، وتماسكها وتراحمها، فالمطلوب من المرأة أن تعد نفسها بكل المؤهلات التي تزيد من كمالها وحرمتها، فالعائلة هي مأواها، وهي مطمح الإنسانية المتطلعة إلى الكمال، أما إذا استمرت المرأة في التخلي عن مهمتها الأساسية، وزاحمت الرجل في أعماله، فإن ما ينتظر الجنس البشري من الأهوال ما ليس بعدها إلا الفناء، اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.