العنوان المسؤولون والدعاة في السعودية يلقون الأضواء على الفروقات بين الشورى والديمقراطية
الكاتب عبدالعزيز الجبرين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993
مشاهدات 41
نشر في العدد 1064
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 31-أغسطس-1993
- د. التركي وزير الشؤون الإسلامية: الشورى جزء من الدين ومنبثقة عنه وتختلف عن الديمقراطية في المجال والإطار الكلي والمصدر.
- د.
حمزة الفعر: الشورى فيما يسوغ فيه الاجتهاد فقط.
- معالي
الشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى:
الناخب قد لا يملك القدرة على التمييز.
- الشيخ
مناع القطان: تعدد الأحزاب مصدر التعصب.
ما نقاط الاختلاف والتقارب بين النظام الشوري والنظام الديمقراطي؟ وهل يمكن أن نسمى الشورى ديمقراطية؟ وهل يجوز العكس؟ وكيف ومن أين يستقي كلا النظامين سلطتهما ومهماتهما؟ وماذا عن الاختيار والانتخاب في كل من النظامين؟ وما النظم والمفاهيم والقضايا التي يمكن أن تطرح في هذين النظامين؟
جالت في
خاطري مع صدور نظام مجلس الشورى وترشيح أعضاء في السعودية فسعيت إلى عدد من
العلماء والمسؤولين لاستطلاع آرائهم في تلك القضايا ورصدها، فكانت النتيجة هي آراء
كل من:
معالي الشيخ
محمد بن جبير عضو هيئة كبار العلماء ورئيس مجلس الشورى بالسعودية، ومعالي الدكتور
الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي عضو هيئة كبار العلماء ووزير الشؤون
الإسلامية، والشيخ الأستاذ مناع القطان العالِم الإسلامي المعروف، والدكتور حمزة
الفعر عميد البحث العلمي في جامعة أم القرى.
وفي البدء
سألت فضيلة الأستاذ مناع القطان الأستاذ بالدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية حول هذه النقطة فقال: الناس لم يتعبدوا بالألفاظ، وما يسمى
بالديمقراطية هو لفظ غربي له مفهومه وله دلالته فهو يعني بالدرجة الأولى-كما أرى-
النظام الشوري.
والخطأ فيه-
أي مفهوم الديمقراطية- يرجع إلى أن الحكم للشعب بمعنى الذين يتم اختيارهم للنظام
الشوري الديمقراطي هم الذين يتسلمون السلطة العليا. ولكن النظام الشوري في الإسلام
لا يعطي لأهل الشورى سلطة تشريعية، وإنما يعطي أعضاء مجلس الشورى أو رابطتها حق
الاجتهاد فيما لا نص فيه وما يعرض للأمة ويتجدد في كل عصر. فليس لمجلس الشورى في
الإسلام سلطة تشريع ولكنها سلطة شورية بنيت على ضوء قواعد استنباط الحكم الشرعي في
المستجدات حيث قد تتغير الأحكام بتغير المستجدات أو الزمان أو المكان والظروف..
هذا من ناحية.
ومن ناحية
ثانية الوضع الديمقراطي الغربي يعني تعدد الأحزاب لا لتتعاون على ما فيه المصلحة
العامة ولكن لينافس بعضها بعضًا ويتعصب كل لحزبه تعصبًا أعمى، وهذا يؤدي بدوره إلى
انقسام الأمة والخصومة بين كل حزب وآخر، ولكن الشورى الإسلامية ليست كذلك، فالأمة
تمثل من خلالها حزبًا واحدًا إن أصابت السلطة أو كان الحاكم على حق وقف من خلفه
أهل الشورى جميعًا لأنهم ما جاءوا إلا لنصرة خيار الحق. وإن حادت السلطة أو الحاكم
وقفوا جميعًا موقف المواجهة له بنصحه وإرشاده والحيلولة بينه وبين خطئه قدر
الإمكان، فهم حزب واحد على أية حال من الأحوال وليسوا أحزابًا متعددة، بل حزب الله
مع الحق وإن أصاب الحاكم، وضد الباطل وإن أخطأ الحاكم.
الأصل هو الاختيار للأمة
ولكن كيف
يكون اختيار عضو الشورى؟ وما الفرق بين النظام الشوري الإسلامي والنظام الديمقراطي
الغربي في هذه الجزئية؟ يجيب الشيخ مناع القطان حينما وجهت إليه هذا السؤال بقوله:
إن الإسلام لا يدعو إلى أن يطلب المسلم السلطة والإمرة وإنما يدعوه الناس إليها إن
وجدوا فيه الكفاءة، وفي حديث أبي ذر رضى الله عنه: «لا تطلب الإمارة فإنها يوم
القيامة خزى وندامة.. إنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن
مسألة وكلت إليها». وإنما يجوز له هذا إذا كان على ثقة من نفسه وعلى يقين أنه لا
يوجد من يغني عنه، كما جاء في قصة يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى
خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (يوسف: 55).
فالأولى هو
أن تختارهم الأمة بنفسها عندما ترى فيهم الكفاءة وهي تختار من ترى له وتعلم فيه
الصلاح والإخلاص والقدرة على العطاء والكفاءة فتختارهم الأمة عن طريق عقلائها
والقادرين فيها على تقويم الرجال، أما إذا ترك الأمر لعامة الشعب كما هو في النظام
الديمقراطي فإن العوام لا يعرفون الأشخاص ولا يدركون مستواهم ولا أهليتهم، وإذا
نزل الأمر إلى هذا المستوى من عامة الناس فإن رأي هؤلاء الذين لا علم لهم ولا
معرفة بالأشخاص يكون لاغيًا، خاصة مع إمكانية شراء الأصوات وإمكانية تنفذ أصحاب
القدرة المالية في الوسائل التي تخاطب الجماهير فيحظون بالأصوات الكثيرة، أما
أصحاب الكفاءة العلمية إذا كانوا من الفقراء والمعدمين فإنهم لا يحظون إلا بأصوات
قليلة مثل أهل الرأي والمعرفة والحنكة والإدراك بالشخصيات وفي وسط كهذا لا تؤدي
الانتخابات إلى اختيار الصفوة الذين يقال عنهم أهل الشورى.
حق التشريع نقطة خلاف
ويرى معالي
الشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى الجديد في المملكة أن الفرق كبير بين الشورى
والديمقراطية حيث إن من حق من انتخب في مجلس النواب أو البرلمان أن يصدر ما شاء من
قوانين وإن أحلت المحرمات أو حرمت ما أحل الله، بينما الشورى ومن يمثلها لا تتعرض
بحال من الأحوال لقضية محسومة في الشريعة في الكتاب أو السنة بتوجيه أو تقرير،
ولكن مهمة الشورى ومجملها تتمثل في الاجتهاد فيما لا نص شرعي فيه فيقرر ذلك المجلس
ما فيه المصلحة العامة للوطن والمواطن دون معارضة النصوص.
ويرى الشيخ
ابن جبير أن البرلمانات الحديثة قد تقرر إلغاء حد من حدود الله وقد يعودون إليه،
فمثلًا عقوبة الإعدام- والحديث للشيخ ابن جبير- يمكن أن تقر ثم يتراجع عنها مرة
أخرى بالإلغاء وهكذا.
من يختار من؟!
ومن
الفروقات الأساسية بين النظامين في رأي معالي رئيس مجلس الشورى أن الاختيار عن
طريق الانتخاب في المجالس البرلمانية قد لا يمثل صفوة المجتمع بشكل متوازن.
فالناخب كما يقول ابن جبير على اختلاف مؤهلاته ونوعيته قد لا يكون لديه القدرة على
التمييز غالبًا بين الأشخاص المؤهلين؛ فكل من رشح نفسه وعلا صوته وصار له دعاية
انتخابية كبيرة يحقق النجاح بغض النظر عن خبرته وتأهيله! أما في النظام الإسلامي
الشوري -كما يرى معاليه- فإن أعضاء المجلس يتم اختيارهم من قبل ولي الأمر الذي
سيفرغ جهده- بلا شك- للبحث عن الأشخاص الذين يتحملون مثل هذه المسؤولية ويكون
لديهم الخلفية الجيدة والخبرة والمعلومات والمؤهلات.
أما معالي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة في المملكة وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي فقد حدد تلك الفروقات كالتالي حيث قال: يمكن أن
نشير إلى عدد من الفروق الكثيرة بين الديمقراطية والشورى يأتي في مقدمتها:
- الفرق
في المصدر: فالديمقراطية تستمد نشأتها ونموها من
فكر بشري يتسم أحيانًا بالفردية، ويتسم حينًا بالجماعية، والديمقراطية تستمد
حياتها من ناحية أخرى من عامة الناس، فأحد تعريفات الديمقراطية، هو أنها حكم
الشعب بالشعب للشعب وليست الشورى كذلك فالشورى نصوص موحى بها من الله تعالى
من حيث المصدر في التلقي ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159). والشورى مبدأ مأمور بالأخذ
به وإنفاذه من حيث العمل والتنفيذ، وللشورية قيمتها وأهميتها هنا فالشورى
ليست مسألة سياسية فحسب بل هي سلوك ديني تعبدي أيضًا.
- فرق
المجال: وهناك الفرق في المجال ففي الديمقراطية
يخضع كل شيء للمناقشة والتصويت، حتى الأخلاق يخضعونها للتصويت، وقد حصل ذلك
في برلمانين أوروبيين هما: البرلمان البريطاني والبرلمان الألماني. وحين يخضع
كل شيء للتصويت لن تكون هناك معايير ثابتة لضبط السلوك الإنساني، وعندئذ تقع
الفوضى ويعم الاضطراب ويكثر الفساد، وهذا وضع بائس طفق أناس كثيرون يشكون منه
في البلاد الديمقراطية.
- فرق
الإطار الكلي: ويواصل الدكتور التركي:
وهناك الفرق في الإطار الكلي أو العام فالديمقراطية جزء من فلسفة عامة لها
رؤيتها الخاصة إلى الدين والقيم الأخلاقية والإنسان والمال والعمل السياسي
والغاية من الحياة والعلاقات الاجتماعية.. إلخ. وهي فلسفة غير متصالحة مع
الدين- في الجملة- أو هي متناقضة مع الدين في الجوهر والمصدر والغاية. أما
الشورى فهي جزء من النظام السياسي في الإسلام، وهذا النظام السياسي جزء من
الدولة في الإسلام، والدولة في الإسلام جزء من النظام الإسلامي الشامل الكامل
الذي استغرق بتشريعه الزمان والمكان منذ نزوله، وإلى أن تنتهي قصة الحياة
والأحياء من فوق الكوكب الأرضي وغيره من مجالات الكون. فالشورى من هنا جزء من
الدين بمعنى أنها منبثقة منه ومتناغمة معه خادمة له، فلا تعارض إذن بين
الشورى والدين ولا تدابر بينهما، كما هو الموقف بين الديمقراطية والدين.
فروق في الحقوق والقيم
أما الشيخ
الدكتور حمزة الفعر عميد البحث العلمي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة فقد رأى أن
الفروقات بين الديمقراطية والشورى تكمن فيما يلي:
1.
الشورى في الإسلام محصورة فيما يسوغ فيه
الاجتهاد، ولابد أن تكون الأمور التي يتوصل إليها بعد هذا الاجتهاد مما يتفق مع
الشريعة المطهرة، أما الشورى في الأنظمة الديمقراطية فهي- كما يقول الدكتور الفعر-
مطلقة في كل شيء إلا القليل الذي يقيده الدستور وإن كان الدستور في هذه الأنظمة
أيضًا عرضة للتغيير بين آن وآخر.
2.
الحقوق في الشورى الإسلامية هي واجبات اجتماعية
وبيئية مرتبطة بتحقيق مصالح الفرد والمجتمع بتوازن يكفل استمراريتها وفعاليتها في
ضوء المقاصد الشرعية فليس الحق لصاحب الشورى في ذاته بل الحق للمجتمع وهو نائب عن
المجتمع في رعاية هذا الحق، وتحصيله للأمة، أما في الديمقراطية الغربية فإن الجانب
الفردي هو الطاغي على غيره والحقوق الاجتماعية فيها فلا يكاد يلتفت إليها.
3.
الحريات العامة في الشورى الإسلامية مقيدة
بضوابط الشرع، أما في الديمقراطيات فهي مطلقة لا يحدها شيء إلا ما نص عليه القانون
وقليلًا ما ينص القانون عندهم على الاستثناء!
4.
الشورى في الإسلام مرتبطة بالقيم الأخلاقية
الثابتة المستمدة من الدين أي إن الشورى تحرص على استمراريتها وتراقب وجودها
وتتابعها فهي غير قابلة للتغيير والتغلب، بينما القيم في الديمقراطيات الغربية
متغيرة غير ثابتة وهي ليست كما هي عندما دل عليه الشرع المطهر بل هي عندهم ما
يؤيده رأي الأغلبية.
الوازع وتنمية الرقابة
5.
الشورى في الإسلام تقوم على أساس أن الله هو رب
العالمين وله حق التشريع، والدين الحق هو الإسلام فلا يجوز فيها تغيير الدين ولا
السعي لنقض أساس من الأسس المعلومة المستقرة في الأحكام، بينما في الديمقراطية
الأساس هو حرية التدين وللإنسان أن يختار ما يعتقد فيغير دينه على هذا الأساس أو
يبقى دون دين.. وكل ذلك باطل في الإسلام ولا يمكن أن يقبل بحال.
6.
الشورى تهتم بتنمية الوازع الحي في النفوس من
خلال الممارسات الشورية وتجعل من الإنسان نفسه حارسًا على تصرفاته باستنادها على
أدلة الشرع وإلى ما أنزله الله سبحانه وتعالى علينا، بينما لا تعير الديمقراطيات
هذا الأمر أي اهتمام فلا تحاسب الإنسان المنتمي إليها على شيء من ذلك ولا تدعوه
إلى الاهتمام به.
ولكن مع كل
هذه الفروقات فلا شك أن هناك نقاط الاتفاق بين الشورى والديمقراطية وإن كانت
قليلة. ولكن إذا عرفنا أن هناك نقاط اختلاف جذرية ونقاط اتفاق فإنني أرى أنه لا
يجوز أن نطلق على الشورى الإسلامية لفظ الديمقراطية لاستناد الأولى إلى شرع الله
والثانية في مضامينها تستند إلى عقول البشر، وشتان بين شرع الله وجهود وعقول البشر
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).
اقرأ أيضًا:
المذاهب الإسلامية في الإمامـة والخلافـة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل