; المساعدات الأمريكية للفلسطينيين أولويات مختلة.. واشتراطات خطرة | مجلة المجتمع

العنوان المساعدات الأمريكية للفلسطينيين أولويات مختلة.. واشتراطات خطرة

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1592

نشر في الصفحة 34

السبت 13-مارس-2004

في تاريخ الدعم المالي الأمريكي للفلسطينيين لا تقدم الولايات المتحدة الدعم لجهاز السلطة الفلسطينية بشكل مباشر، وإنما تلجا إلى تصريف هذا الدعم من خلال الفريق الدولي للدول المانحة، وبهذه الآلية التحايلية أمنت الولايات المتحدة لنفسها ثغرة للهروب من التزاماتها الجدية لاتجاه الشعب الفلسطيني فحسب؛ بل أيضًا تجاه السلطة الفلسطينية المتبلورة نتاج اتفاق سياسي رعته واشنطن بذاتها. 

ورغم أن السلطة الفلسطينية لبت الشروط الأمنية في العلاقة مع الاحتلال الصهيوني، إلا أن المساعدات الأمريكية كانت شحيحة، وبقيت محصورة في إطار الدول المانحة، أو صندوق النقد، أو تركزت في رفع الجاهزية الأمنية الفلسطينية. دون أن يدرج أو يذكر حجم هذا التمويل في الموازنات الرسمية، كل ذلك يؤشر على التالي:

1- أن السلطة الفلسطينية الناشئة لم تتلق مساعدات أمريكية تليق بحجم الثمن الذي قدمته في التسوية التي هي دون شك مصلحة أمريكية؛ مما يؤكد أن الولايات المتحدة لا تقيم هذه الأثمان التي تدفعها السلطة، ولا تقدم أي رعاية مقابلة أو متبادلة.

2- قبل التوقيع على اتفاق أوسلو أوهمت الولايات المتحدة السلطة الفلسطينية بـ «جنة اقتصادية»، تبين فيما بعد أن كل ذلك مجموعة أكاذيب ورطت السلطة في انتفاح اقتصادي أوهم الشعب الفلسطيني بأحلام «سنغافورة الشرق الأوسط»، ومع الوقت أدرك الشعب الفلسطيني أن أوضاعه الاقتصادية بعد التسوية ساءت بدل أن تتحسن، وفاقم ذلك السوء الاحتكارات والفساد المتفشي في أجهزة ووزارات السلطة من جهة وحجم العمالة الضخم الذين عينتهم السلطة لحل مشكلة البطالة من جهة وربط الولاء بالتوظيف، مما أدى إلى بطالة مقنعة تأخذ 50% من موازنة السلطة الكلية و68% من النفقات الجارية، وهو ما أحدث عجزًا سنويًّا يقدر بـ 500 مليون دولار خاصة فقط بالنفقات التشغيلية التي لو توقف صرفها الآن لانهارت السلطة على الفور.

3- بالمقابل بقيت إسرائيل، تستفيد من التهدئة المتحصلة نتاج التسوية الناجمة عن أوسلو من حيث حجم الاستثمار والعلاقات المنفتحة والتجارة الخارجية، والأهم أن الولايات المتحدة بقيت عند التزامها السنوي لـ «إسرائيل» بعد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر والمقدر بثلاثة مليارات دولار، 60% منها للجانب العسكري، و40% للجانب الاقتصادي؛ ناهيك عن البرامج الاقتصادية المشتركة والتسهيلات التجارية والائتمانية، والقروض طويلة الأجل وقد بلغت حصيلة المساعدات المباشرة من عام ١٩٨٩، حتى عام ٢٠٠٢ حوالي ٤٢ مليار دولار؛ أي أكثر من نصف المساعدات المقدمة منذ نشوء «إسرائيل» عام ١٩٤٨ والتي بلغت ۸۳ مليار دولار.

4- في محطات مختلفة، لاسيما في أوقات اشتداد الانتفاضة تدخلت الولايات المتحدة سياسيًّا لتقويض دعم المؤسسات والدول المانحة لإجبار السلطة على تعديل سلوكها الأمني والسياسي تجاه إسرائيل، والشواهد على ذلك كثيرة.

أوجه المساعدات الأمريكية

توجه مجمل المساعدات الأمريكية إلى المنظمات الفلسطينية غير الحكومية، وهي بالمناسبة لم تتجاوز منذ سنة ١٩٩٦ وحتى الآن مبلغ ۹۰۰ مليون دولار، وهذا بالطبع رقم متواضع بالنظر إلى المعاناة الفلسطينية التي تخسر (يوميًّا) بعد انتفاضة الأقصى ١١ مليون دولار في القطاعات المختلفة - حسب إحصاءات الأمم المتحدة.. ويمكن حصر وجهة هذه المساعدات بالبنود التالية:

1- التزام سنوي من خلال وكالة غوث اللاجئين (تعليم وصحة وتدريب وإصلاح ضرر) يبلغ ۸۸ مليون دولار ارتفعت إلى ۱۲۸ مليون دولار بعد انتفاضة الأقصى، وهذه المساعدات بالكاد تؤمن الاحتياجات الأساسية للاجئين في وطنهم، وحتى هذا التمويل جوبه بالكثير من التشكيك الإسرائيلي بعد تحول المخيمات الفلسطينية لمعاقل للمقاومة، فضيقت الولايات المتحدة تصرف الوكالة في هذا الدعم من خلال التدقيق في هوية المستفيدين من جهة، وعدم إصلاح أضرار بيوت المقاومين أو عوائلهم مثلًا. 

2- التزام سنوي من خلال وكالة التنمية الأمريكية يبلغ ٧٥ مليون دولار ارتفع إلى ۱۲۰ مليون دولار، يوجه أغلبه للقضايا الفكرية والتطويرية والإصلاحية حسب المفهوم الأمريكي لكل هذه المعطيات.

3- بعد انتفاضة الأقصى أيضًا جرى توجيه ٢٠ مليون دولار مباشرة للسلطة في عهد حكومة أبو مازن، وهي الأسبقية الأولى في توجيه المال بشكل مباشر للسلطة. 

4- بعد انتفاضة الأقصى جرى تبني بعض البرامج الصحية والبنى التحتية بلغت ما يصل إلى ۱۰۰ مليون دولار.

من خلال ما تقدم نستطيع استنتاج أمرين:

الأول: أن هذه المساعدات هشة، ولا يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد فلسطيني يناسب الأولويات أو التنمية الحقيقية، كون التمويل مشروطًا بتطابقه مع البرامج والمصالح الأمريكية، وليس الحاجات والأولويات الحقيقية.

الثاني: بعد انتفاضة الأقصى نستطيع أن نرصد توجهات مالية أمريكية انحرفت عن البرامج السابقة، وحاولت محاكاة بعض جوانب المعاناة الفلسطينية، مع الحرص الشديد على عدم مساعدة المقاومين الفلسطينيين.

ويمكن رصد أسباب الانحراف الأمريكي الطفيف عن السياسات السابقة في سعة التمويل أو أشكاله (بعد انتفاضة الأقصى) في التالي: 

1- الخشية من انهيار السلطة، والحاجة إلى الحفاظ على جيش المنتفعين منها بدل تحولهم إلى جيش من المقاومين، وهذا قريب جدًّا من الفلسفة الإسرائيلية التي تسعى إلى التهرب من الأعباء المدنية رغم سيطرتها الفعلية على كل مفاصل الحياة الفلسطينية؛ بحيث تبقيها مشلولة سياسيًّا. وضعيفة أمنيًّا بمقدار أو حدود تصديها للمقاومة الفلسطينية.

2- الحرب الأمريكية والإسرائيلية على الجمعيات الإسلامية في الداخل والخارج، والحاجة إلى خلق بديل يعتمد عليه، يبقى التمويل بيده يحدد لمن يعطي ومن لا يعطي.

3- الخشية من تفرد الجمعيات الإسلامية في مساعدة الفلسطينيين المتضررين، وبالتالي قدرتها على تأمين بنية إسنادية للمقاومين وخلق بديل اجتماعي وارث لنظام السلطة المتآكل.

إشكالية الدعم الأمريكي للمنظمات غير الحكومية

الغريب أن الولايات المتحدة تخلط عمدًا بين دعمها للشعب الفلسطيني والمنظمات غير الحكومية، فتحسب هذا على ذلك، ورجه الاعتراض لا يتعلق بالدعم الأمريكي لتلك المنظمات، ففي الوضع الصحي ذلك هو المسار الأفضل، ولكن علينا أن نعيد النظر قبل تصنيف هذا الدعم وكأنه دعم يصل لفئات الشعب المتضرر؛ إذ نلاحظ أن:

1- طبيعة البرامج التي يريدها الأمريكان تتعلق غالبًا بأجندة مشوهة تتعلق بالتطبيع والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والبرامج التدريبية، ورغم أهمية هذه العناوين (ما عدا التطبيع) عند الشعوب المعافاة من ظروف الاحتلال، إلا أن الإلحاج يبقى لإغاثة الشعب المتضرر يوميًّا.

2- الكثير من موازنات هذه المشاريع يذهب إلى بنود الإداريات التي تضخم لدى بعض المنظمات الفلسطينية لتصل إلى 70%؛ مما يعني أن المستفيد بالدرجة الأولى هو المنظمة وبقاؤها واستمرارها، وليس الشعب الفلسطيني.

3- عندما حاولت السلطة سنة ١٩٩٩ السيطرة على التمويل الذي تحصله تلك المنظمات، والذي يصل سنويًّا إلى ٢٠٠ مليون دولار، فشلت في ذلك بسبب التدخل الأمريكي الحاسم، رغم علاقة السلطة الجيدة بالأمريكان، في ذلك الحين ورغم إدراكنا أن غاية السلطة السيطرة على هذه الموارد أكثر من رغبتها في محاربة تلك المنظمات، إلا أن مثلها يؤشر على مدى الاهتمام الأمريكي بتكريس هذا التمويل بأجندته المشوهة.

أخطار الاشتراطات الجديدة 

سعت الولايات المتحدة من خلال وكالة التنمية الأمريكية إلى إضافة بند على شكل وثيقة يلزم الجمعيات أو الهيئات صراحة بعدم تقديم أي دعم مادي أو أي موارد لأي فرد أو هيئة تعلم أو بوسعها أن تعلم بأنها تدعو إلى أو تخطط أو ترعى أو تشارك أو أنها قد شاركت في النشاط (الإرهابي)، وتشكل هذه الشهادة أحد الأحكام والشروط الصريحة للاتفاقية، وأي خرق لها سيشكل أساسًا لإنهاء الاتفاقية بشكل انفرادي من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قبل انتهاء مدتها، ومن الواضح أن التفصيل الغني والتدقيق اللفظي لمصطلح (الإرهاب)، كما سبق القصد منه عدم وجود أي فسحة أو هامش للتهرب كون المطلوب أبعد من التوقيع على وثيقة روتينية، فالمطلوب:

1- إخضاع الجمعيات الفلسطينية للشروط السياسية والمفاهيم الأمريكية حول الإرهاب الذي يعني تنكر تلك الجمعيات للمقاومة المشروعة التي تصنفها اللوائح الأمريكية كإرهاب ممارس ضد دولة مسالمة وآمنة، وليس ضد احتلال.

2- تضييق الخناق على المقاومة الفلسطينية بعد ضرب إسنادهم من قبل الجمعيات الإسلامية، فالمطلوب أيضًا إغلاق كل المنافذ التي يمكن أن يستفيدوا هم أو أقاربهم منها. 

3- إجبار الفلسطينيين على استشعار مدى الثمن الذي يمكن أن يدفعوه إذا ما استمروا بالانتفاضة أو بتأمين الدعم الشعبي لها، بحيث يصلون إلى لحظة الإنهاك والاستسلام، فبعد محاصرتهم سياسيًّا يأتي حصارهم اقتصاديًّا؛ بحيث يصبحون عالة على المساعدات الأمريكية بالشروط التي تجعلهم - إن قبلوها – يتنكرون لمقاومتهم وحقوقهم.

4- لقد حصلت «إسرائيل» على تنكر فلسطيني رسمي لبعض فاعليات المقاومة ولاسيما العمليات التي تتم في العمق داخل الأرض المحتلة عام ١٩٤٨، والمطلوب الآن إخضاع المؤسسات الأهلية لذات المنطق بما يحاصر شرعية المقاومة رسميًّا وأهليًّا.

5- إن الآثار الخطرة لهذه الوثيقة ستأتي مع تقدم الزمن حينما يتدخل المزاج الأمريكي العلني والإسرائيلي الخفي في الوقوف على كل فعل أو قول لهذه الجمعيات وربما غدا التدخل في كادرها وموظفيها وقوائم المستفيدين منها. وربما مطالبتها باستنكار عمليات المقاومة ونبذها. والانخراط الواضح في تأييد كل المبادرات السياسية الأمريكية وهكذا.

المواقف الفلسطينية تجاه الاشتراطات

اتسمت تلك المواقف بالتالي:

1- التأخر في التحرك، وبعد أن تورط الكثير من الهيئات والجمعيات بالتوقيع على هذه الوثيقة، بقصد أو بدون قصد؛ سواء بحجبة الجهل بخطورتها أو حرصًا على عدم توقف الدعم الأمريكي عنها؛ مما قد يعني نهايتها.

2- تحرك القوى الفلسطينية ضعيف في التحذير من مخاطر الوثيقة، في ضوء تصورها القائم على فلسفة «أن هذا التحرك الأمريكي متوقع وغير مستبعد».

كل ذلك يدل على تلكؤ وأحيانًا عجز التحرك الفلسطيني، ورغم يقظة بعض القوى والفاعليات السياسية والأهلية، إلا أن التحرك يبقى ضعيفًا. وبرأينا فإن استحقاقات الخطورة سيجري تلمسها مع مرور الوقت، ومن المهم القول في نهاية كل ما تقدم إن الإشكالية ليست فيما يريد الدعم الأمريكي أو شروطه، فهذا معروف لكل قارئ، الأهم ماذا نريد نحن العرب والفلسطينيين؟ وإلى أي حد نحن واعون لما يريدون؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1317

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق