العنوان المسرحيات المتجددة على الحدود العربية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
مشاهدات 58
نشر في العدد 745
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 10-ديسمبر-1985
الافتتاحية:
التوتر الأخير في العلاقات المصرية الليبية في أعقاب اتهام مصر الحكومة الليبية بتدبير خطة اختطاف الطائرة المصرية إلى مالطا، وصل إلى حد تسخين الحدود وحشد القوات العسكرية.
وبالرغم من تواتر الأنباء عن احتمال أن يتحول التسخين على الحدود إلى حرب محدودة أو غارة جوية تقوم بها مصر على طرابلس. إلا أن الانطباع السائد لدى عامة الناس هو أن هذا التوتر والتسخين ليس جادًّا.. وهو أقرب ما يكون مسرحية على الطريقة العربية الرسمية التي تمارسها بعض الأنظمة.
وقد تأكد هذا الانطباع من تطور العملية من اتهام مصر لليبيا مرورًا بالتهديد بالهجوم والرد عليه، إلى إعلان مصر عن أن الحشود لم تزد عن كونها عملية «احترازية»، وأن «من يعاقب واحدًا لا يعاقب شعبًا».
وانتهت العملية إلى هذا الحد كما قيل بفعل وساطة سوفياتية قام بها السفير السوفياتي في القاهرة، الذي نقل رسالة من قادة الكرملين إلى القيادة المصرية تعهدت فيها القيادة السوفياتية بعدم قيام ليبيا بأي أعمال إرهابية تستهدف مصر. كما نقل السفير رغبة القيادة الليبية في إعادة علاقاتها الكاملة مع مصر في إطار حسن الجوار، وعلاقات الأخوة التي تجمع البلدين الشقيقين.
وعلى الرغم من هذه المعلومات إلا أن كلًا من ليبيا وسوريا تبادلتا الزيارات على مستويات مختلفة انتهت بتأييد سوريا على وقوفها إلى جانب ليبيا ضد أي اعتداء خارجي عليها.
وهذا ما يؤكد أن العملية مسرحية يراد لها أن تثير مزيدًا من الخلافات والقلاقل بين الدول العربية عن طريق سياسة التكتلات والمحاور المتناحرة.
ولكي نفهم أبعاد مسرحية الحدود المصرية الليبية لا بد من التذكير بحقيقة مهمة، تقول هذه الحقيقة: إن تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دول وإمارات إنما يتم على أيدي القوي الاستعمارية تمهيدًا لاستعماره ونهب خيراته، وهذا ما تم بالفعل منذ أن أجمعت بريطانيا وفرنسا وبقية الدول الاستعمارية على اقتسام العالم العربي والإسلامي.
وقد عمل الاستعمار إضافة لذلك إلى إيجاد مشكلة إقليمية أو حدودية مستعصية بين هذا البلد أو ذاك لضمان التفرقة والتشتت بين دول العالم العربي والإسلامي، على المدى الطويل.
وهذه الحقيقة مرتبطة بحقيقة أخرى وهي أن تفتيت الخلافة الإسلامية العثمانية واقتسام العالم العربي والإسلامي جاء متزامنًا ومتوافقًا مع المشروع الصهيوني لجعل فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود.. ومنذ قيام دولة "إسرائيل" عام 1948 وجدت أن خير ضمان لوجودها واستقرارها هو تكريس حالة التشرذم والانقسام والصراع بين الكيانات العربية المختلفة.
وإذا شئنا أن نفهم خلفية التسخين الحدودي بين مصر وليبيا. فلا بد من وضعه في هذا السياق..
وهنا لا بد من القول بأن تقسيم العالم العربي إلى دول سمت نفسها تقدمية ثورية وأخري سميت رجعية فيما مضى، أو دول معتدلة وأخرى معارضة للصلح مع اليهود في الوقت الحاضر، لم يكن عفويًّا أبدًا، إنما كان بالرغم من بعض أسباب الموضوعية، مقصودًا لجهة استقرار دولة "إسرائيل" وتضليل الشعوب العربية ووقف مسيرة نضالها، من أجل الوحدة والتنمية والرقي الإنساني.
إن نظرة عاجلة في العلاقات المصرية- الليبية تكشف أن توتر العلاقات بدأت منذ عام 1975. ووصلت حد القتال في يوليو 1977، ومهما كانت هناك من أسباب فإن المراقب لا يملك إلا أن يستنتج أن هذا التوتر جاء في وقت كان يجري فيه الإعداد لصلح بين مصر و"إسرائيل" وعزل قوة مصر مرحليًّا لتتفرغ "إسرائيل" للجبهات الأخرى وهذا ما حصل بالفعل.
وفي نفس الخط والاتجاه يأتي الموقف السوري الذي التقى مؤخرًا مع الموقف الليبي ضد قيادة ياسر عرفات بالذات. أي أن معارضة ياسر عرفات من خلال رعاية حركة الانشقاق ومعارضة اتفاق عمان، إنما تهدف في بعدها السياسي إلى إضعاف قيادة المنظمة ودفعها لتقديم تنازلات أكثر باعتبار أن خياراتها أخذت تضيق شيئًا فشيئًا حتى وصل الأمر إلى حد النقاش الحاد حول مطلب الولايات المتحدة و"إسرائيل" بالاعتراف بقرار مجلس الأمن 242 والاعتراف بوجود "إسرائيل" كشرط لمجرد الحوار مع المنظمة.
وما نقصده هنا هو توضيح حقيقة أن كثيرًا من الأنظمة العربية سواء كانت ثورية أو رجعية، معادية للإمبريالية أو مستسلمة، إنما كانت تلعب أدوارًا متكاملة محصلتها النهائية تحقيق مصالح العدو "الإسرائيلي" والمصالح الرأسمالية الغربية.
وإذا كانت «الثورية» هي المحرك للنظام الليبي فلماذا قام هذا النظام بإحباط محاولة هاشم العطا الشيوعي قائد الانقلاب على نميري والعميل الأمريكي الواضح والذي عمل على ترحيل الفلاشا إلى "إسرائيل"!؟
ثم لماذا يحسن هذا النظام من علاقاته مع المغرب المعروف بدوره في عملية كمب ديفيد والتحضير لها!؟
ثم لماذا يلتقي النظامان الليبي- والسوري ليعملا على إسقاط قيادة ياسر عرفات فيما سوريا ضمنت أمن "إسرائيل" من الحدود السورية أكثر من قدرة "إسرائيل" على ذلك؟
نعم إن مصر وقعت اتفاقيات كمب ديفيد، وأن المسرح العربي يستعد لإعادة مصر لتمارس دورها فيه دون التنصل من كمب ديفيد.
بل إننا نقول إن الذي تطلبه أمريكا و"إسرائيل" هو تعريب كمب ديفيد، وهذا ما يجري الإعداد له. وهذا بدوره يؤكد ما قلناه. ويضع الشعوب العربية والإسلامية أمام خيارين: إما الاستجابة للمطالب الأميركية "الإسرائيلية" والاستمرار في حالة الضياع والتخلف. وإما العمل الجاد لبناء الذات سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا على أساس من الاستقلال والوحدة. وفي هذا الطريق ليس أمامنا من أمل إلا في قيادات الحركة الإسلامية التي آلت على نفسها التضحية بكل غالٍ ونفيس لنهضة هذه الأمة على منهاج ربها وسنة نبيها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: 108) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل