العنوان المسرح الإسلامي أين هو الآن؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 61
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 19-يناير-1988
المسرح هو أحد
أدوات الفن والثقافة الأساسية التي بدأ بها تاريخ الفن الإنساني، وهو أقدم وسائل
التعبير الفني الجماعي بعد الرقص البدائي. اخترعه الإغريق والرومان وسيلةً للترفيه
والتسلية في تلك العصور المتقدمة من تاريخ البشرية، واستخدموه لعرض أساطيرهم في
العقيدة والحياة، وبنوا لذلك المدرجات الرومانية المشهورة التي كانت تشهد أفضل
عروضها كل صيف. ومنهم انتقل إلى الغرب في عصور النهضة؛ حيث تبلور في شكله المعاصر
في فرنسا، خاصة في مجال الكوميديا التي برع فيها «موليير»، وفي إنجلترا في الدراما
حيث برع «شكسبير».
نبذة تاريخية
ومن الغرب في
عصور الاستعمار انتقل المسرح بشكله الحديث إلى بلادنا الإسلامية؛ حيث كانت مصر من
أوائل الدول التي برز فيها الفن المسرحي على أيدي النصارى، مثل: «جورج أبيض»،
والعلمانيين أمثال «يوسف وهبي».
هكذا وُلد
المسرح في بلادنا
لعل هذه البداية
هي التي جعلت الفن المسرحي في بلادنا بعيدًا عن مفاهيم الإسلام، فقد بدأ المسرح
العربي بعرض مسرحيات شكسبير وموليير وغيرهما، فقد كانت النصوص الغربية جاهزة
للترجمة والعرض المسرحي، في حين أن النص الإسلامي لم يكن قد وُلد أو وُجد بعد،
وحتى الرواية العربية الحديثة لم تكن إلا في بداياتها التي نشأت في قصة (زينب)
التي كتبها «محمد حسين هيكل»؛ إذ كانت المقامات (مثل مقامات الحريري وبطلها بديع
الزمان الهمذاني) هي المسيطرة في أوساط المتعلمين، والرواية الشعبية (كمغامرات
عنترة وأبو زيد الهلالي) هي التي تستأثر بالعقلية الشعبية، ولم تكن النصوص
المسرحية العربية في صورتها الحاضرة أو الرواية الأدبية بشكلها الفني المعاصر
موجودة فضلًا عن كونها ناضجة.
ولهذا كان «جورج
أبيض» في دور الملك لويس يسقط على خشبة المسرح المصري كل ليلة وهو يصيح: (نموت
وتحيا فرنسا).
وقد استغل الغرب
نقطة الضعف هذه والمتمثلة في عدم وجود نص روائي أو مسرحي إسلامي يقص التاريخ
الإسلامي، أو يعبر عن القضايا الإسلامية، ليجعل من المسرح رأس حربة للغزو الثقافي
والفكري الغربي، وأداة إلهاء وتخدير للشعوب المستعمَرة.
الباكورة في
المسرح الإسلامي
إن أول النصوص
الناشئة بين أيدينا والتي تعبر عن التاريخ الإسلامي هي مسرحية «صلاح الدين» والتي
كتبها «عبد الرحمن الساعاتي» (الشقيق الأكبر للشهيد حسن البنا) في الأربعينيات من
هذا القرن، وهو الدليل الذي يؤكد أن رواد الحركة الإسلامية المعاصرة هم أول من
استوعب أهمية المسرح في الإعلام والتأثير على الجماهير، وأنهم قد تجاوزوا مرحلة
الهجوم السلبي على مسرح «اللهو الرديء» بعمل إيجابي متكامل ينافس في شكله الفني
المسرح المعاصر في ذلك الوقت، في حين يتجاوز مضمونه الثقافي والفكري مضامينها
الفنية والفكرية بمراحل شاسعة جدًا، وهو أقرب إلى روح الأمة وضميرها وعقيدتها مما
كان يُعرض في تلك الفترة، خاصة في فترة كانت فيها قضية فلسطين ملء الأسماع
والأفئدة.
إلا أن التحولات
السياسية الرهيبة في تلك الفترة الحافلة من التاريخ المصري وما لحق بالحركة
الإسلامية ورجالها من ويلات في عصر «القومية العربية الناصرية» –بما يندى له
الجبين الإنساني خوفًا وخجلًا– قد عطل هذه المسيرة الثقافية الواعية والنشطة،
وقتلها في مهدها كبقية القضايا المصيرية للأمة الإسلامية.
وهكذا تأخر نضوج
التجربة المسرحية الإسلامية عشرات السنوات ليستمر في تلك الفترة (الناصرية ثم
الساداتية) مسرح اللهو الرديء بكافة نواقصه الفنية من حيث الشكل والإخراج أو الفكر
والمضمون، وليصبح الهم الأول لذلك المسرح (وكبقية وسائل الإعلام والتأثير في الرأي
العام) مخاطبة الغرائز قبل العقول، وامتصاص أموال المتفرجين بشتى الوسائل ولو
ابتعدت في مضمونها عن الذوق الإنساني السوي أو الخلق الرفيع، أو تنافى ذلك مع
احترام العقل البشري.
مقومات المسرح
الإسلامي
وإذا كان المسرح
فنًا عالميًا وإنسانيًا -كما يقول البعض- فلماذا نستخدم مصطلح «المسرح الإسلامي»،
وبماذا يختلف هذا المسرح عن غيره من المسارح؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من
استعراض عناصر تميز هذا المسرح عن غيره على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
فالحق أن المسرح
عالمي بشكله، ولكن ليس بما يُعرض من فكر وقضايا، فلكل أمة وجهة نظر فيما يُعرض لها
من قضايا، وما يستجد في حياتها من قضايا محلية أو عالمية تتناولها، إما من وجهة
نظر شخصية بحتة للفرد الذي يكتب النص أو يخرجه، أو من خلال الاعتقاد العام للأمة
من واقع عقيدتها الدينية وفكرها المستمد من العادات والتقاليد المتعارف عليها.
فالمسرح
الإسلامي إذن لا يختلف عن المسرح العالمي اصطلاحًا من حيث مكوناته ومقوماته الفنية
والمادية، والتي تعتمد على (الكاتب والنص، الممثلون، المخرج، خشبة المسرح)، وإنما
العوامل الأخرى هي التي تصنع الفرق، وتوجد الاختلاف من حيث القيمة والمحتوى
الفكري، والتي تعتبر في العمل الفني المسرحي أكبر أهمية بكثير من الإخراج الفني،
وإن يكن الإخراج الفني الرفيع المستوى يزيد في أهمية العمل المسرحي ويرفع من
قيمته، لكنها وحدها لا تصنع العمل الفني في المسرح.
1- الهدف
والغاية
إن أهم أهداف
المسرح الإسلامي هي غاية أهداف الإعلام الإسلامي عامة، وهي الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وتبليغ دعوة الله، ولكن من خلال العرض الفني المسرحي لقضية معينة
يتناولها النص المسرحي بالعرض والتحليل من خلال الفكرة والشخصيات والحوار، فهي إذن
ترتفع عن الكسب المادي البحت، كما ترتفع عن الشهوات والغرائز البشرية الدنيا لتسمو
إلى آفاق أخروية عالية.
2- الفكر
إن أهم ما يميز
المسرح الإسلامي عن غيره هو الفكر الذي ينطلق منه الفهم العام لدور المسرح، وواجب
كاتب النص والممثل المسرحي ومخرج العرض الفني فيه. فهذا الفهم ينطلق من العقيدة
الإسلامية التي تحترم الإنسان ابتداءً، وتبتعد به عن الهزل والسخرية الماجنة، كما
تحترم العقل البشري فتتناول قضايا فكرية جادة ذات قيمة فكرية، أو تاريخية، أو
علمية، أو ذات مغزى أخلاقي واجتماعي يسهم في عرض واقعي للقضية التي تعرضها
المسرحية، ويتناولها بالتحليل والمعالجة.
ففي المسرح
الإسلامي لا يتجاوز النص المسرحي حدود الإسلام سواء من ناحية الفكرة أو الحوار،
فيلتزم الكاتب فيه العقيدة الإسلامية في القرآن والسنة.
3- الحوار
فالحوار في النص
المسرحي الإسلامي هو حوار لبق ذكي مؤدب، يحترم الأخلاق المسلمة، ويستغني عن
التصريح بالتلميح حيث يجب؛ ولا يتجاوز آداب الإسلام، ولا يتعدى على العقل المسلم
بعرض السفه والسخافات التي لا تليق بأمة ذات عقيدة وقضية.
4- طريقة العرض
الفني
كما يلتزم
المخرج في طريقة العرض المسرحية نفس الحدود فلا يخرج في طريقة العرض عن الحلال إلى
الحرام ابتغاء الكسب المادي الرخيص، واجتذاب الجماهير غير الواعية، لينحدر هو إلى
مستوى الغوغاء بدلًا من أن يرقى بالمستوى الفكري للجماهير إلى أفق الفكرة التي
يحاول الكاتب عرضها، فليس هناك عري ولا رقص ولا غناء، ولا مشاهد خلاعية تفرضها
الضرورة الفنية أو النص كما يزعم الفاسدون من أهل الفن المعاصر، ولا عرض لما حرم
الله، أو نهى عنه في صورة حسنة، أو ما أحل الله وفرض في صورة سيئة مخزية.
المسرح الإسلامي
الآن
يبدو المسرح
الإسلامي الآن غريبًا ووحيدًا في خضم ما يسمى بالأعمال الفنية التجارية (للدلالة
على مستواها الهابط فكريًا وأخلاقيًا وفنيًا)، بل إنه لا زال متواريًا خلف
الكواليس الخاصة في الجمعيات والمنتديات الإسلامية وبمستويات متواضعة جدًا من
ناحية الإمكانات الفنية والأداء والإخراج.
إن هناك نصوصًا
مسرحية جيدة موجودة في بطون الكتب التي ألفها أدباء مسلمون، وهي رغم أنها لم تُكتب
على يد متخصصين بالمسرح والكتابة المسرحية، إلا أنها تصلح كبداية العودة للعمل
المسرحي الإسلامي المتميز بعد طول انقطاع، وهي تستحق الإخراج إلى حيز الوجود حتى
تكتمل الخبرة، وتختمر الخبرات المسرحية الإسلامية.
هناك كتابات
باكثير والكيلاني وغيرهما جاهزة للمسرح، وتنتظر اليد الأمينة المخلصة، فإن أهمية
المسرح للإسلاميين تكمن في أنه وسيلة إعلامية هامة، ومنبر مفتوح لمخاطبة الجماهير
المسلمة بحرية لعرض القضايا الإسلامية بواقعية وفكر متميز وجاد وهادف بعيدًا عن
الغثاء الإعلامي المعاصر الذي يخدر الألباب والعقول، ويصرفها عن قضاياها الأصيلة
وبعيدًا عن الحجر الرسمي الذي يُفرض عليها في الإذاعة والتلفاز.
قضايا للتناول
المسرحي
بالإضافة إلى
النصوص الموجودة والتي تعالج القضايا التاريخية الإسلامية، توجد أمامنا قضايا
إسلامية كثيرة تستحق العرض والمعالجة المسرحية، وإيجاد الحلول لها. أمامنا قضية
حريات الشعوب والأفراد، أمامنا قضايا الاحتلال الأجنبي، أمامنا قضايا التبعية
الفكرية والثقافية للغرب، أمامنا المشاكل الاجتماعية الرهيبة التي يعاني منها
المجتمع المسلم، أمامنا قضايا فكرية كثيرة كلها تفرض تبعات كثيرة على الأدباء
والكتاب المسرحيين من المسلمين المخلصين، وبإمكانهم مخاطبة الجماهير المسلمة من
خلالها، خاصة وأنها في أقصى حالات التعطش لنص مسرحي جيد موضوع في إطار فني جذاب
يعالج قضاياها، ويحترم عقولها، كما يخفف الضغط الذي يثقل فكرها وكاهلها الذي يحمل
عناء بلاد المسلمين والشرق كله.
إن الجماهير
المسلمة لا تزال تنتظر المسرح الإسلامي بعد ما يزيد على أربعين عامًا من بداياته
الأولى، فهل يعود إليها بثوب جديد؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل