العنوان المسلمون في ساحل العاج وحكم «الحكيم»
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992
مشاهدات 69
نشر في العدد 1011
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-أغسطس-1992
تقع جمهورية ساحل العاج أو "الكوت دي فوار"
في الجزء الغربي من القارة الإفريقية وعلى طول خليج غينيا. وتحدها كل من غانا
ومالي وبوركينا فاسو وغينيا وليبيريا، كما تطل على المحيط الأطلسي غربًا. وقد لا
يخطر على بال كثير من الناس أن هذا البلد الذي تبلغ مساحته 322,464 كم2 ويقطنه
أكثر من 5,350 ملايين نسمة يشكل المسلمون فيه الغالبية العظمى على الرغم من نأي
توجهات الدولة عن الحظيرة الإسلامية.
ويحكم ساحل العاج رجل مسيحي يدعى هوفيت بوانييه
والملقب بـ «حكيم إفريقيا» أو «العجوز». ومنذ أن نالت ساحل العاج استقلالها من
المستعمر الفرنسي عام 1960 إلى الوقت الراهن لا يزال الرئيس هوفيت ماسكًا بزمام
السلطة. وعلى الرغم من تعدد القبائل في البلاد «أكنسي وياولي في الجنوب كواكوا
وكرومين في الشرق المادي والسينيغو والفولتي في الشمال» فقد نجح هذا الرجل في
الحفاظ على الوحدة الوطنية وتخميد نيران النعرات القبلية معتمدًا في ذلك على شيوخ
القبائل. وإذا اشتهرت ساحل العاج بالاستقرار السياسي، فإن تاريخ البلاد لم يخلُ من
محاولات انقلاب كان أهمها تلك التي دبرها شخص يدعى زومانا، وذلك بمناسبة زيارة كان
يقوم بها البابا يوحنا بولس الثاني لكوت دي فوار في مطلع الثمانينيات، لكن هذه
المحاولة باءت بالفشل لتأخر طائرة الضيف عن موعدها. وقد حققت ساحل العاج إنجازات
كبيرة إبان نيلها استقلالها عن فرنسا؛ مما أكسبها إعجاب العالم في الفترة ما بين
1960-1965 حيث وصلت نسبة النمو الاقتصادي السنوي إلى 12% في بعض القطاعات، ما لم
يحققه كثير من البلدان المتقدمة في نفس الفترة، مما حدا بالبعض بوصف تلك الطفرة
بالـ «المعجزة العاجية». وهناك من نسب تلك الإنجازات إلى سياسة الرئيس بوانييه
الذي لم يكن غامضًا في بداية توليه السلطة مثل أصدقائه من أمثال سنغور «في
السنغال» وبورقيبة «في تونس» اللذين ضاعا في البحث عن اشتراكية خاصة بهما؛ حيث إن
الأول ضيع وقته في البحث عن «اشتراكية إفريقية»، بينما ضاع الثاني في البحث عن
«اشتراكية دستورية»، دون أن يحققا شيئًا ملموسًا لبلديهما.
بلد التناقضات:
بيد أن كوت دي فوار - وخاصة كوت دي فوار ما بعد
السبعينيات - هي بلد التناقضات. بلد القلة الغنية والعامة الفقيرة، وبلد المدن
الجميلة التي تخفي وراء جدرانها الفقر المدقع وتدهور الأوضاع المعيشية. والآن وقد
زالت أسطورة المعجزة وحلت محلها سياسة الشعارات البراقة. وبعد أن حظر الحزب الحاكم
تعدد الأحزاب طوال ثلاثة عقود، رضخ للأمر الواقع في الآونة الأخيرة وسمح بقيام
أحزاب معارضة، غير أن ذلك لم يمنع الرئيس العجوز من الفوز بنسبة لا تقل عن 99% من
أصوات الناخبين في الانتخابات الأخيرة. والكل يتذكر عندما فاجأ الرئيس العاجي العالم
العربي والإسلامي عندما أقدمت ساحل العاج ليس فقط على إعادة علاقاتها مع الكيان
الصهيوني فحسب، بل تجرأت بفتح سفارة في القدس، ولكنه سرعان ما انحنى أمام الضغط
العربي، ونقل تلك السفارة إلى تل أبيب.
كنيسة باسليا:
وفي الوقت الذي يسمح فيه الرئيس هوفيت للمسلمين ببناء
المساجد؛ فإنه لم يألُ جهدًا في تسهيل مهمة المبشرين في البلاد، ناهيك عن علاقاته
الوطيدة مع الفاتيكان. وقد جعل البلاد محل سخرية الكثيرين عندما تبرع ببناء كنيسة
«باسيليا» المشهورة والتي بلغت تكاليفها 200 مليون دولار أمريكي؛ حيث إنها الثانية
في العالم من حيث الحجم بعد كنيسة «سان بيتر» في روما، ولولا تدخل الفاتيكان لكانت
قبتها أعلى قبة في العالم.
غير أن مسألة بناء هذه التحفة الباهظة التكاليف قد
أثارت حفيظة المواطنين العاجيين ليس فقط لأن الكاثوليك لا يتجاوزون الـ 10% من
مجموع عدد السكان، بل لأن هناك فقراء على مقربة من هذه الكنيسة يعانون من بؤس
الحياة وكانوا أولى بهذه الأموال؛ فضلًا عن أن البلد يئن من وطأة الديون الخارجية
وتدهور الأحوال الاقتصادية والبطالة، لدرجة أعلنت الدولة في عام 1987 عن عجزها عن
سداد ديونها الخارجية بحجة هبوط أسعار الكاكاو والبن اللذين يشكلان العمود الفقري
لصادرات الدولة. وعلى الرغم من أن ساحل العاج تزخر بالموارد الطبيعية والمياه والأراضي
الخصبة؛ فإن ثروة البلاد في أيدي القلة من المواطنين وتتحكم في اقتصادها بعض
الجاليات الأجنبية المقيمة هناك مثل النازحين من البلدان المجاورة والتجار
اللبنانيين الذين يتجاوز عددهم الـ 100 ألف لبناني؛ بالإضافة إلى الجاليات السورية
والفرنسية والآسيوية.
بداية ظهور المسلمين:
وإلى عهد قريب ظلت المناصب المهمة في الدولة حكرًا على
غير المسلمين، غير أن الجيل الصاعد من أبناء المسلمين بدأوا في الحصول على بعض
المراكز الحساسة في الدولة. وقد بقي مسلمو ساحل العاج هدفًا للغزو الثقافي والفكري
طوال عقود عديدة، وتحولوا إلى ضالة أصحاب الديانات الأخرى من المنصرين، وذلك في
غياب الدعاة المسلمين وخلو الساحة لهم. بيد أن الصحوة الإسلامية التي تشهدها كوت
دي فوار في هذه الأيام تعتبر أمرًا يبشر بالخير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل