; المسيحيون الصهاينة أعلى صوتًا من الكنائس الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان المسيحيون الصهاينة أعلى صوتًا من الكنائس الأمريكية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002

مشاهدات 66

نشر في العدد 1522

نشر في الصفحة 30

السبت 12-أكتوبر-2002

إنهم يعطون ضرب العراق وقتل أبنائه صفة الحرب الدينية المقدسة.

  • يزعمون أن ما يحدث في العراق تمهيد للقدوم الثاني للمسيح المنتظر.

  • بيلي جراهام أحد قادة تيار المسيحية الصهيونية: العراق له أهمية إنجيلية بالغة، فيه جنات عدن، والمواطن الأول لأدم وحواء.

  حين أعلن الرئيس الأسبق جورج بوش الأب عن عملية درع الصحراء، ونقل القوات الأمريكية للخليج عام ۱۹۹۱م ألقى القس الإنجيلي بيلي جراهام، أحد قادة تيار المسيحية الصهيونية، خطابًا في ولاية مينيسوتا قال فيه: إن هذه الحرب في الخليج ستكون لها تأثيرات روحية هائلة على كل أمة وإنسان على وجه الأرض.

  ثم تبع ذلك بإلقاء عدة محاضرات عامة، ركز فيها على القول بأن هناك قوى روحية تعمل في الخليج، لتحميس الجنود الأمريكان المترددين من تكرار تجربة فيتنام، ثم أفصح جراهام أكثر عندما أوضح ما يقصد فقال: «إن العراق له أهمية إنجيلية بالغة، فهناك كانت جنات عدن الموطن الأول لآدم وحواء».

  وحتى يحمس جراهام الجنود والشعب الأمريكي أكثر للحرب، ويوفر لهم الدافع الإيماني، قال إنه لا يعرف إذا كانت هذه الإشارات -أي ما حدث على أرض العراق- هي تمهيد للقدوم الثاني للمسيح المنتظر أم لا؟

  أيضًا قبل أن تبدأ حرب الخليج الفعلية لتحرير الكويت وضرب العراق عام ۱۹۹۱م أصدر بيلي جراهام بيانًا جديدًا تلاه على حشود من الأمريكيين في نيويورك، وكان مما قال فيه: «إذا كانت هناك دولة يمكن أن نقول عنها إنها جزء من الأراضي المقدسة فهي العراق»، وأضاف «يجب أن نضاعف صلواتنا، فالتاريخ أكمل دورته ونحن نعود مرة أخرى لهذه الأراضي».

  وقد تبدو هذه التصريحات غامضة تحتاج لشرح أكبر لإظهار مدى خطورتها. فغالبية الأمريكيين كانوا من المهاجرين البريطانيين من أنصار حركة الإصلاح البروتستانتي، وهؤلاء يؤمنون بما يمكن أن نطلق عليه العصر الألفي السعيد، القائم على حتمية عودة المسيح المنتظر والدورة الكاملة للتاريخ التي سيعود من خلالها اليهود للأراضي المقدسة في القدس.

  ولأن منفى اليهود الذين عادوا منه للقدس -كما يزعمون- كان "بابل"، فالبروتستانت ممن يسمون بالأمريكيين الأصوليين، ومنهم بوش الأب والابن وجراهام وما يسمى بالتحالف المسيحي، يؤمنون بأن العراق جزء من أراضي الكتاب المقدس، لأنها الموقع الجغرافي للبابليين السابقين، وأن عودة اليهود للقدس والسيطرة على بابل العراق علامات على اكتمال دورة التاريخ (الأيام الأخيرة) أو نهاية العالم (كما يقول بيلي جراهام).

  نشير إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان -الذي يؤمن بالمعتقدات نفسها- كان قد درس التوراة وكان كثير الحديث عن حبه للفقرة التوراتية الواردة في المزمور (۱۳۷) والتي تبدأ بعبارة "لقد جلسنا على أنهار بابل، وأخذنا نبكي حين تذكرنا صهيون".

  ولهذا عندما قدم بعض الصهاينة ترومان في المعهد اليهودي -وكانوا قد أنشئوا الدولة العبرية للتو- وقالوا عنه: إنه الرجل الذي ساعد على خلق دولة إسرائيل، رد ترومان قائلًا: "ماذا تعني بـ (خلق)؟ إنني قورش، إنني قورش"، وكان يقصد بذلك تشبيه نفسه بالملك قورش الذي أعاد اليهود من منفاهم في بابل إلى القدس.

  وقد اعتقد بعض المحللين الأمريكيين أن حرص بوش الأب على قضاء ليلة ما قبل الحرب مع العراق مع هذا القس الإنجيلي بيلي جراهام، هي محاولة لإقناع الرأي العام الأمريكي أنه (أحد رجال الله)، ومن ثم محاولة كسب تأييد الأصوليين البروتستانت للحرب ودعمها، بيد أن آخرين كتبوا يقولون: إن قراءة جراهام للكتاب المقدس تختلف اختلافًا تامًا عن المعتقدات المسيحية للغرب، وأنه يستقي معتقداته من جذور عنصرية منظمة ماسونية، يطلق عليها الاتحاد البريطاني الإسرائيلي الدولي، وهي منظمة ترعى الصهيونية.

  وقيل إن الأب الروحي لهذه المنظمة هو (كينيث دي كورسي) الذي نشر كتابًا بعنوان (مراجعة دينية) له تأثير كبير على نظرية هتلر الخاصة بتفوق الجنس الآري.

  ويؤمن أعضاء هذه المنظمة البريطانية الإسرائيلية بالنظرية الدائرية للتاريخ، وهم يعتقدون وفقًا لهذه النظرية أنه بعد (٢٥٢٠) سنة، فإن نوعية معينة من الأحداث ستتوالى وتتكرر بانتظام، ومنها عودة اليهود كلهم للقدس والسيطرة على أرض بابل.

  الأخطر من ذلك، وما يثير التساؤل، ما كتبه (هاورد تشو إيوان) في إحدى المجلات الأمريكية المحلية تحت عنوان: (الحرب في الخليج بمثابة صدى للحرب الصليبية الخامسة التي جرت في الفترة من ۱۲۱۷ - ۱۲۲۱ ميلادية). ثم يمضي الكاتب فيسرد تاريخ هذه الحرب ووقائعها، ويحذر من أن هذه الحملة الخامسة على العالم العربي والإسلامي أيام صلاح الدين الأيوبي قد فشلت بسبب انفراط عقد التحالف بين الفرنسيين والإنجليز وباقي البلاد الأوروبية، وأن على التحالف الغربي القائم الآن في الخليج ضد العراق أن يستوعب هذا الدرس الذي قدمته لنا الحرب الصليبية الخامسة.

  ولأن بوش الابن ينتمي للمعسكر نفسه، ويأخذ نصائحه من أنصار هذا اللوبي الصهيوني المسيحي نفسه الذي لا يعبر عن موقف غالبية الكنائس الأمريكية الكبرى، فقد عادت هذه الأقوال نفسها عن الطبيعة الدينية للحرب ضد العراق تتردد على لسان هؤلاء الناصحين الدينيين لإدارة بوش، بل وعلى لسان مسؤولين أمريكيين في إدارة بوش يؤمنون بهذه المبادئ نفسها على رأسهم وليم وولفيتس، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ووزير العدل أشكروفت.

ولكنها هذه المرة، بعد 11 سبتمبر، بتصريحات عدائية واضحة ضد المسلمين ككل ومنهم العراقيون، حتى وصل الأمر بالقسيس (فرانكلين جراهام) ابن الداعية الإنجيلي السابق الإشارة له بيلي جراهام وخليفته المحتمل للقول يوم سبتمبر ۲۰۰۲: «ينبغي علينا الوقوف بوجه هذا الدين الذي يقوم على العنف»، ويقول: «إن إله الإسلام ليس إلهنا والإسلام دين شرير وحقير».

  وفرانكلين جراهام له شعبية واسعة في أوساط المسيحيين الأمريكيين الإنجيليين، وقرأ الصلاة في حفل تعيين بوش الابن رئيسًا للولايات المتحدة، كما سبق أن قرأ أبوه بيلي جراهام الصلاة في حفل تعيين بوش الأب.

  بل إن بوش الابن نفسه سعى لخطب ود الأمريكان لضرب العراق بعبارات دينية عامة، ومنها قوله المشهور بتقسيم العالم إلى محور خير ومحور شر، على غرار ما ورد في بعض كتب الإنجيل.

  أيضًا كان القس (أشكروفت) الذي يتولى منصب وزير العدل أكثر استخدامًا للعبارات الدينية، وكان له قاموس يتكلم به مليء بالمصطلحات الكنسية، حتى إن أحد الصحفيين الأمريكان كتب يقول: إنه الوحيد من الزعماء الذين وصفوا سقوطهم السابق في الانتخابات بالصلب، صلب المسيح، ووصف حادثة الترقية والصعود بعد الخسارة بأنها كانت كإنقاذ ورفع المسيح وعروجه للسماء.

ليسوا منا: والغريب أنه بينما يجد صوت هذا المعسكر المنتمي للمسيحية الصهيونية والمرتبط بالمصالح الإسرائيلية بشكل مباشر- طريقه إلى الشعب الأمريكي للتأثير عليه وإقناعه بأهمية الحرب لصالح أمريكا، ولضرب ما يسمى بالإرهاب، لا تجد أصوات الكنائس الأمريكية الرافضة للعدوان على العراق أي صدى.

  وإذا صدر عن أحد قيادات الأصوليين المسيحيين الأمريكان الذين يتغلغلون في الإدارة أي تصريح وجد طريقه للنشر على نطاق واسع، وتساعده آلة الدعاية الصهيونية، بعكس بيانات الكنائس الأمريكية الرافضة للعدوان، تمامًا كما حدث في حرب ۱۹۹۱م.

  فقد أكد كبار القيادات المسيحية الأمريكية في سبتمبر ۲۰۰۲م أن إقدام الولايات المتحدة على ضرب العراق يهدر سيادة الدول، ويخرق القانون الدولي، ويهدد السلام في المجتمع الدولي، وطالبوا الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في بيان نشرته وكالات الأنباء بالتراجع عن مخططاته لتوجيه ضربة عسكرية إلى العراق بهدف تغيير النظام الحاكم.

  وقال البيان الذي وقع عليه (المجلس الوطني لكنائس المسيح في أمريكا)، و(مجلس كنائس الشرق الأوسط): إن الشعب العراقي عانى الكثير في السنوات الأخيرة، وإن العمل العسكري سيزيد من معاناته، وإن القيادات المسيحية الأمريكية تعارض لأسباب أخلاقية أن تقوم الولايات المتحدة بعمل حربي إضافي ضد العراق الآن.

  وقال البيان: لقد عانى الشعب العراقي ما فيه الكفاية خلال عقدين من الحرب والعقوبات الاقتصادية القاسية، والعمل الحربي ضد حكومة صدام حسين، وما يستتبعه قد يؤدي إلى عدد كبير من القتلى والمصابين المدنيين، إضافة إلى زيادة معاناة جماهير واسعة من الأبرياء.

  وطالب البيان الولايات المتحدة بأن تتعاون مع الجهود الدولية لمراقبة أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق، وذلك من خلال مبادرة إقليمية لمراقبة أسلحة الدمار الشامل.

  كما أشار البيان إلى أن الإطاحة الأحادية الجانب بحكومات معادية، يرفع من القلق في بلدان أخرى بخصوص احترام أمريكا لسيادتهم كأوطان والقانون الدولي.

عريضة مسيحية: الهجوم غير أخلاقي وغير قانوني.

  والحقيقة أن عشرات العرائض الأخرى تعاون قادة من الكنائس الأمريكية والأوروبية في توجيهها إلى الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء بريطانيا، بهدف إثنائهما عن الحرب، ولكنها لم تجد أمام الشحن الحربي الذي يقوده الجناح المسيحي الصهيوني الذي تحركه جماعة القس جراهام وفالويل وغيرهما.

  وإحدى هذه العرائض وجهت أيضًا من رئيس الكنيسة الإنجليكانية البريطانية الجديد روان وليامز، الذي وصف الهجوم على العراق بأنه سيكون غير أخلاقي وغير قانوني، وسلمها إلى داونينج ستريت المقر الرسمي لرئاسة الوزراء البريطانية.

  وجاء في العريضة: «إننا نأسف بشدة لأي عمل عسكري يعتبر أن موت الرجال والنساء والأطفال الأبرياء هو ثمن لا بد منه لمكافحة الإرهاب، لأن هذا يعني مكافحة الإرهاب بالإرهاب».

  وأضافت أن الحرب المزعومة ضد الإرهاب لا تبرر هجومًا على العراق، وكل هجوم مقرر من أجل إزالة تهديد أسلحة الدمار الشامل العراقية لا يجب أن يقدم على أنه حرب ضد الإرهابيين.

  وتابع نص العريضة: «من المؤسف أن الدول الأكثر قوة في العالم تستمر في اعتبار الحرب والتهديد بالحرب أداة مقبولة في السياسة الخارجية خارقة في الوقت ذاته أخلاقية الأمم المتحدة والتعاليم المسيحية».

  ترى لمن تكون الغلبة في ترجيح الموقف: ضرب العراق أو وقف الحرب وهل يفعلها لوبي المسيحية الصهيونية مرة أخرى وينجح في إتمام التحريض على محو العراق تمامًا بسبب عنف الحملة العسكرية المنتظرة؟ وهل تفتح هذه السياسة العقيدية الأمريكية الجديدة الباب بالفعل للحرب الصليبية الخامسة؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل