; المشهد الليبي.. تداعيات ومواقف | مجلة المجتمع

العنوان المشهد الليبي.. تداعيات ومواقف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

مشاهدات 55

نشر في العدد 2087

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

تدني الخدمات المقدمة للمواطن والتدهور الاقتصادي المخيف هما محصلة الوضع الحالي لليبيا

الاتفاق مع طهران لا يتعلق بالبرنامج النووي فحسب بل يعبر عن توافق جديد حول دورها الإقليمي مستقبلاً ويفسر هذا محاولة الوصول بالملف الليبي نحو الاستقرار

مصر تبحث إمكانية إقامة تحالف مع حكام جدد في ليبيا أكثر طواعية لترحيل مشكلاتها السياسية والاقتصادية إليها

وجود نقطة مركزية لدعم تنظيم الدولة بليبيا جعل المجتمع الدولي يضغط على قوى إقليمية كمصر والإمارات لتأجيل التدخل العسكري في ليبيا

ستعاني ليبيا من جرح أخلاقي مثل كمبوديا وهذا الجرح سؤال يسأله المجتمع لنفسه دون أن يصرح به: ما الذي كان ينبغي علينا فعله لمنع كل هذا؟

د. نزار كريكش

تتقاذف المشهد الليبي الكثير من المواقف الدولية، والمخاوف الإقليمية، والتصعيد العسكري الذي طال كافة أرجاء البلد في الشرق بدرنة وبنغازي، وفي الوسط بسرت، وفي الجنوب بالكفرة وسبها، رغم اختلاف الأسباب والسياقات وراء ذلك التصعيد، محصلة كل ذلك كانت في تدني الخدمات المقدمة للمواطن وتدهور اقتصادي مخيف يطال البلد لأول مرة منذ عقود. 

المواقف الدولية تأتي في سياق محاولات إستراتيجية من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية لتنظيم المنطقة، المخاوف الإقليمية بين مصر من جانب والجزائر من جانب آخر، تسعى الأولى للتمدد المباشر أو غير المباشر في المجال الحيوي الليبي للاستفادة من ثرواته باستعمال قوة السلاح، وتسعى الجزائر لأن تضمن بقاء حدودها مع الأمازيغ في ليبيا في حالة من التوازن والاستقرار حتى لا يوحي المشهد للأمازيغي بحلم الدولة الأمازيغية. 

نحو السلام في الجزائر

بعد أن رفض المؤتمر الوطني في الشهر الماضي المسودة التي عرضها السيد "ليون"، المبعوث الأممي في ليبيا، كان رد فعل القوى الدولية والمبعوث في حث المؤتمر على الموافقة، تقابل المبعوث الأممي مع وفد من المؤتمر في الجزائر الأسابيع القليلة الماضية محاولاً طمأنة الأخير من مخاوفه، مطلقاً الوعود بإمكانية مناقشتها في ملاحق الاتفاق، مؤكداً أن الأولوية هي لحضور جلسات الصخيرات والتوقيع على المسودة.. المؤتمر من جانبه يصر على وجود بعض التعديلات الأساسية المتعلقة بقرارات مجلس النواب السابقة والتي تضمنت قضايا أساسية يعتبرها المؤتمر لا تتوافق مع دعاوى السلام، وتشمل إعادة السيد خليفة حفتر كقائد للجيش الليبي، وإعادة أربعمائة ضابط من ضباط النظام السابق، وطلب التدخل أو المساعدة من الدولة المجاورة في الحرب على ما يسميه المجموعات الإرهابية، حيث قرر البرلمان أن فجر ليبيا وهي المجموعة العسكرية الداعمة للمؤتمر مجموعة إرهابية.

لكن فيما يبدو أن المسودة التي لقيت ترحيباً من القوى الدولية في مجلس الأمن، تمثل إستراتيجية أشمل تشهدها المنطقة، من حيث القدرة على تصميم نظام سياسي جديد يناسب التغيرات التي شهدتها المنطقة، فإن الاتفاق الذي جرى في فيينا بين القوى العظمي وإيران يعبر عن توافق جديد ليس فقط في مجال الأسلحة النووية بل في الدور الإقليمي الذي ستؤديه إيران. 

تركيا من جانبها انخرطت في الحرب ضد "تنظيم الدولة"، وسمحت للطائرات الأمريكية بالانطلاق من القاعدة التركية "إنجرليك"، وفي الوقت نفسه بدأت زيارات سعودية مصرية وأمريكية ومحاولات أمريكية لطمأنة دول المنطقة حول الاتفاق مع إيران.. في هذا السياق، يمكن أن نفهم محاولة الوصول بالملف الليبي نحو الاستقرار، وحرص المبعوث الدولي على التوقيع ولو بالأحرف الأولى حتى يمكن أن يستمر الحوار. 

لكن للاتحاد الأوروبي شأناً آخر، فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني الرغبة في قيادة حملة لمساعدة الحكومة الليبية في القضاء على "تنظيم الدولة"، بل ذكر الصحفي الإيطالي "لورينزو مارينوني"، في صحيفة "إيست جورنال"، استعداد دول غربية لتدخل عسكري محتمل في ليبيا، وقد أشارت صحيفة "التايمز" البريطانية إلى ذلك أيضاً، كل هذه التكهنات تعبر عن سياسة أوروبية تنظر للخطر الإستراتيجي الذي تمثله ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي ظهر بوضوح أنها مرتبطة بـ "تنظيم الدولة" والإرهاب عبر نقل المتطرفين إلى أوروبا. 

الاتحاد الأوروبي يعاني من خلل في سياساته الخارجية، فمنذ عام 2009م، ومع ظهور الأزمة الاقتصادية الدولية، شكل الاتحاد الأوروبي لجنة لتوحيد السياسة الخارجية، ومن بعدها شكلت عدة لجان، ويذكر المراقبون ضعف تكوين هذه اللجان، وأن القرارات القيادية لدول بعينها في الاتحاد هي التي تشكل البعد الإستراتيجي لمواقف الاتحاد الأوروبي. 

هذه الخلفية تبين أن الإستراتيجية التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة بقيادة الرئيس "أوباما"، والتي تشبه سياسة الرئيس "كيندي"، وكذلك "هنري كسينجر" في البحث عن السلام، حين حاور الأخير الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، هي سياسة يتخللها بعض التناوش من قوى الاتحاد الأوروبي في البحث عن سلامة أراضيها واقتصادها من الهجرة التي تكاثرت جراء غياب الدولة ومؤسساتها في ليبيا.. لذلك فهناك موقف تتأهب له القوى الأوروبية لضبط الأمور في ليبيا، وهناك مشروع إستراتيجي ينظر لمستقبل المنطقة وإمكانية إدارتها عبر وجود قوة مركزية يستمر التعامل معها عبر الدبلوماسية الأمريكية، وكيفية التنسيق بين الاثنين هي أحد العوامل التي ستحدد مستقبل ليبيا. 

الحرب بالوكالة

كان التدخل الخارجي سمة بارزة في الثورة الليبية، وقد اعتمد "حلف الناتو" إستراتيجية عدم التدخل البري ومساعدة الثوار في الوصول للعاصمة طرابلس، لكن هذه الإستراتيجية وفق بعض الدراسات تبين أن المجتمع الدولي لم يوفها حقها؛ أولاً: لعدم وجود نماذج مسبقة يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ المهمة، ثانياً: تقاعس الكثير من الدول في الاهتمام بليبيا لعدم وجود مصلحة مباشر قصيرة الأمد تخص هذه الدول.. في تلك الأثناء استمرت بعض الدول العربية في استغلال المجال الحيوي لبناء حزمة مصالح مشتركة بعضها يخص "الربيع العربي" واختلاف زوايا النظر لهذا الربيع، وبعضها يتعلق بمحاولة تصميم النظام الليبي الجديد وفق شراكات مع بعض التيارات المختلفة التي برزت في ليبيا بعد الثورة. 

هذا الأمر يمكن أن يفهم من خلال تصور الحرب المستمرة في ليبيا من خلاف سياسي حول الإعلان الدستوري الذي وضعه المجلس الانتقالي وتبعاته، إلى حالة من الانقسام العسكري ثم السياسي، ثم البحث عن حلفاء لكل فريق من المتخاصمين. 

لذا كان هناك دعم عسكري وسياسي لكلا الفريقين انطلاقاً من مصلحة بعض الدول مثل مصر التي ترى إمكانية وجود تحالف مع حكام جدد أكثر طواعية لترحيل المشكلات السياسية والاقتصادية في مصر إلى ليبيا، وقد صرح الجنرال المتقاعد خليفة حفتر هذا الأمر بوضوح أنه مع مصلحة مصر ولو كانت على حساب مصلحة ليبيا. 

في المقابل، تزعم بعض التقارير وجود دعم سوداني وتركي وقطري لفجر ليبيا، لكن أياً كان صحة هذه المزاعم، فإن استمرار الحرب وانقسام الرأي السياسي بين مصر والجزائر يؤكد وجود نوع حرب بالوكالة في ليبيا. 

وسط هذا الانقسام، هناك خطر شامل تمثل في استغلال "تنظيم الدولة" لما يحدث في ليبيا للسيطرة على بعض المناطق الإستراتيجية، وهذا الأمر جعل من المشهد يحكم من قبل المجتمع الدولي، حيث صارت كل الدول العظمى ترى خطورة وجود نقطة مركزية في ليبيا لدعم "تنظيم الدولة" التي شكلت هلالاً امتد من سورية والعراق إلى سيناء والنيجر ومالي، هذه الإستراتيجية التي صارت واضحة للتنظيمات الإرهابية جعلت المجتمع الدولي يضغط على القوى الإقليمية كمصر والإمارات العربية التي كانت تدعم التدخل العسكري لتأجيل هذه المصالح الآنية - التي في مجملها مسائل أيديولوجية تتعلق بالصراع العلماني مع التيار الإسلامي - من أجل القضاء على الخطر المشترك، وهذا ما يفسر إصرار مجلس الأمن على المضي قدماً في الحوار.

معاناة أهل ليبيا

في هذه الأجواء ظهرت آثار فشل مؤسسات الدولة على الحياة اليومية لأهل ليبيا، بعض المعاناة كانت من فشل مؤسسات الدولة التي عانت من الانقسام السياسي وغياب السلطات الحقيقية داخل البلد، وأدى انقطاع التيار الكهربائي إلى أزمة خانقة في العاصمة خاصة مع انقطاع المياه بسبب ارتباط منظومة النهر الصناعي بالكهرباء، وفي الشرق كذلك سبب انقطاع الكهرباء والمياه معاناة يومية للمواطنين.

وأكد وزير الكهرباء بحكومة الإنقاذ الوطني نور الدين سالم أن العجز الكهربائي الذي تواجهه ليبيا يقدر بحوالي 1804 ميجاوات، أما الأزمة الاقتصادية والعجز المؤسساتي، فقد ظهرت آثاره على أسعار القمح والسلع التموينية لاسيما الخبز الذي يعد من أساسيات الحياة اليومية لليبيين، وتعد ليبيا من الدول الأكثر استهلاكاً للخبز عالمياً، بالإضافة إلى التضخم وارتفاع سعر صرف الدولار، كل ذلك ساهم في تنامي السوق السوداء. 

لا تسل عن الجريمة والاختطاف واستمرار الصراع في بنغازي ودرنة التي تقاوم "تنظيم الدولة"، وتعاظم معاناة النازحين والمهجرين من بنغازي، ودخول عصابات التهريب في الجنوب التي تتقاتل من أجل السيطرة على طرق التهريب في الجنوب، هذا الفشل للدولة هو ما عبر عنه تقرير الدول الفاشلة، وأشار إلى وجود حالة من الفشل تتعاظم في ليبيا التي صنفت ضمن الدول الأسوأ، واحتلت المرتبة 101 في تقرير عام 2014م بعد أن كانت في منتصف التصنيف.

سيناريوهات محتملة

في ضوء هذه المعطيات، يمكننا تحديد بعض السيناريوهات المحتملة للوضع في ليبيا، أولها إمكانية الوصول لحل دولي في ضوء رغبة القوى العظمي في تصميم نظام شرق أوسطي على غرار صلح "ويستفاليا" بعد حرب المائة عام في أوروبا في القرن التاسع عشر، ومن هنا تأتي ليبيا في سياق تنظيم المنطقة للوصول لاستقرار سياسي يسمح بتوقع مسار المنطقة في ضوء وجود "تنظيم الدولة" الذي يعتبره الغرب الآن مجموعة من الحركات الانفصالية التي تحاول تشكيل المنطقة. 

وهذا السيناريو - كما رأينا - له شواهد كثيرة في الاتفاق النووي، والتدخل التركي، والحوارات الخليجية الأمريكية، وتبدل لغة الحوار بين "ليون" والمؤتمر ومحاولة إقناع الأخير بشتى الطرق لإمكانية الوصول لحل.

السيناريو الآخر يتمثل في عدم إمكانية ترويض المنطقة للإرادة الدولية، وهنا يحتمل وجود تصعيد من قبل مصر تجاه ليبيا، وتنفيذ وعودها باعتبار الحل العسكري هو الأمثل للقضاء على خصوم النظام المصري، هنا يصبح توازن القوى وليس المشاريع المكتوبة هو المحرك للمشهد، حين تصبح حسابات كل دولة وقوتها الاقتصادية والعسكرية هي التي تحدد مسار المنطقة، كما هي حال الأزمة السورية، والأزمة اليمنية، هذا النموذج اليمني قد يتكرر في ليبيا بصور مختلفة بين مصر وتونس من جانب، والجزائر من جانب آخر بدعم من الاتحاد الأوروبي. 

بين وجود حالة من الاستقرار تفرضه القوى الدولية ووجود تصعيد تفرضه القوى الإقليمية على ليبيا بحثًا من مصالحها على المدى القصير، تقع عدة سيناريوهات تجمع الاثنين حين تتعارض الإرادة الدولية مع مصلحة بعض الدول المركزية كفرنسا أو بريطانيا والتي تسعى للتدخل العسكري في ليبيا بالتعاون مع قوة كإيطاليا وإسبانيا، أو من خلال تغليب قوة بعض الأطراف داخل البلد من مثل انتصار أحد الطرفين بدعم إقليمي، أو أن تكون هناك تسوية ليبية يمكنها أن تمثل حالة من التوافق السياسي، خاصة وأن مجلس النواب في طبرق تنتهي ولايته في شهر أغسطس القادم، وقد صرح الأخير بالعمل على وضع خارطة طريق تتضمن انتخابات جديدة قد تكون حلاً سياسياً يسبق المجتمع الدولي والمخاوف الإقليمية. 

هناك عدة قضايا تتعلق بالدولة ومؤسساتها والمجتمع، صراعاته هي القضايا التي ستكون عائقاً أمام الليبيين في المستقبل، وآثار كل ذلك على مؤسسات الدولة، فالانقسام السياسي جعل من الحكومة في طبرق تسعى لإقامة إدارات جديدة، وتبحث عن عقود وميزانيات لتسيير مؤسساتها المترهلة التي يعلوها الفساد والضعف الإداري، لذا ازداد البلد فشلاً على فشل سواء في حكومة طرابلس أو طبرق.

في الجانب الاجتماعي، سيعاني البلد من الجرح الأخلاقي، وهي مجموعة الأعراض التي تصيب مجتمعات عانت من مثل ما عانت منه ليبيا كما حدث في كمبوديا، هذا الجرح هو السؤال الذي يسأله المجتمع لنفسه دون أن يصرح به: ما الذي كان ينبغي علينا فعله لمنع كل هذا؟ البعض يجيب طبعاً بألا نقوم بثورة، والبعض الآخر يجيب بأن تنجح الثورة، لكن الصواب يكمن في قدرة المجتمعات على حمل قيمها التي ثارت من أجلها، وفي قدرتها على استمرار مكوناتها الإنسانية كما هي مهما تبدلت أطر السياسة والموازين. 

الرابط المختصر :