; المغرب: تعثر تشكيل الحكومة.. بين خرق الدستور ودعوات حل البرلمان | مجلة المجتمع

العنوان المغرب: تعثر تشكيل الحكومة.. بين خرق الدستور ودعوات حل البرلمان

الكاتب عبدالغني بلوط

تاريخ النشر الخميس 01-ديسمبر-2016

مشاهدات 69

نشر في العدد 2102

نشر في الصفحة 36

الخميس 01-ديسمبر-2016

من أجل تشكيل الحكومة التقى ابن كيران بجميع الأحزاب باستثناء الأصالة والمعاصرة الذي أعلن موقعه باكراً في المعارضة

الأصالة والمعاصرة حاول الانقلاب على نتيجة الانتخابات بالاتفاق مع عدد من الأحزاب لكن حزب الاستقلال أفشل مخططهم

هناك أصوات لخرق الدستور وإظهار ابن كيران في صورة «الفاشل» ودعوة الملك لاختيار شخص آخر لتشكيل الحكومة

عبدالغني بلوط بن الطاهر 

يعد حزب العدالة والتنمية المغربي ذو المرجعية الإسلامية مثالاً على نجاح التجربة الإسلامية في الحكم التي تستحق الرصد والمتابعة؛ حيث فاز الحزب في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 25 نوفمبر 2011م بعد هبوب رياح «الربيع العربي»، تلاه إقرار دستور جديد للمملكة المغربية، ومرت 5 سنوات من ولاية عبدالإله بن كيران، الأمين العام للحزب، بحلوها ومرها، وما صاحبها من مقاومة لنجاحها بكل الطرق حتى بات رئيس الحكومة في مرمى كل السهام الإعلامية، وتلفيق جميع التهم الكاذبة.. وكان الجميع يتوقع أن يسقط الحزب سقطة مدوية على اعتبار أن «الحكم يأكل رئيس الحكومة» في المغرب، فلم يسبق أن فاز حزب ترأس الحكومة في الانتخابات التالية، لكن حزب العدالة والتنمية كسر القاعدة وتقدم على منافسيه.

عقب حصول الحزب على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 7 أكتوبر 2016م، قام العاهل المغربي محمد السادس بعد ثلاثة أيام وسط ترقب شديد بتكليف ابن كيران لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسته، وفقاً للدستور الجديد الذي ينص صراحة على أن رئيس الحكومة يجب أن يكون من الحزب الذي فاز في الانتخابات البرلمانية، لكن تشكيل هذه الحكومة لم يكن سهلاً لدى ابن كيران الذي فاز حزبه بـ125 مقعداً، وهو رقم قياسي في الانتخابات المغربية، لكن يلزمه أن يجمع 198 صوتاً ليستطيع تشكيل الأغلبية في البرلمان التي تصوت عليه رئيساً للحكومة ويمرر التكليف الحكومي.

وبدأت المفاوضات مباشرة بعد التكليف حول تشكيل الحكومة، حيث التقى ابن كيران بجميع الأحزاب باستثناء الأصالة والمعاصرة الذي أعلن موقعه باكراً في المعارضة؛ لمعرفته حق المعرفة أن التحالف مع العدالة والتنمية شبه مستحيل؛ نظراً لتعارض المصالح، وتعارض الخطابات والممارسات، لكن بعد أسابيع من ذلك لم تظهر أي بوادر لتشكيل الحكومة، حتى بدأ الحديث عن «أزمة سياسية» رآها البعض مفتعلة حتى لا يحلم ابن كيران بالظفر بـ «ولاية ثانية»، وذلك بعدما وصلت المفاوضات إلى الطريق المسدود، وبعدها ارتفعت أصوات ودعوات لخرق الدستور المغربي من أجل إبعاد ابن كيران عن رئاسة الحكومة، وكأنه أصبح جزءاً من المشكلة، في حين أن صناديق الاقتراع هي التي بوّأته هذه المكانة؛ ولذا يجب أن يكون جزءاً من الحل.

صمود ورفض

في الوقت الذي استطاع حزب العدالة والتنمية الصمود في وجه كل المناورات لأجل إسقاطه في انتخابات أكتوبر - سيما الحملة الإعلامية الهوجاء، وتلفيق التهم الكاذبة ضده، وتحالف أحزاب حتى من داخل أغلبيته مع الأصالة والمعاصرة غريمه الأول، واستعمال المال وأعوان السلطة للتأثير على الناخبين - فإن هذا المسلسل لم ينتهِ بعد إعلان فوزه، إذ في 8 أكتوبر الصباح التالي لإعلان النتائج جمع الأصالة والمعاصرة عدداً من الأحزاب للتحضير للانقلاب على هذه النتائج، وتم اقتراح توجيه رسالة إلى الملك يعبرون من خلالها عدم استعدادهم للتعامل مع ابن كيران وحزبه، وهي الخطة التي أفشلها حزب الاستقلال المغربي، الذي فطن للعبة إضعاف الأحزاب، بعدما فقد الكثير من شعبيته بتقربه من الأصالة والمعاصرة في الولاية السابقة، عقب دفعه إلى الخروج من الحكومة.

موقف حزب الاستقلال «الرجولي» - حسب ابن كيران - جعل العدالة والتنمية يتشبث به في أي تحالف حكومي محتمل، علاوة على حليفه قبل الانتخابات حزب التقدم والاشتراكية، حيث لا يرى الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أي حكومة من دونهما.

مشهد سريالي

وفي المقابل، وفي مشهد سريالي، بعدما أعلن حزب الأصالة والمعاصرة تمترسه في المعارضة، وإلقاء اللوم عليه لعدم قدرته على الإطاحة بابن كيران، سارع حزب التجمع الوطني - أحد الأحزاب الإدارية الأخرى وأكبرها - إلى التخلص من رئيسه وانتخاب رئيس جديد لم يكن أصلاً عضواً في الحزب، بل كان يعتبر من رجالات الدولة الذين يحدثون التوازن في المشهد السياسي المغربي وهو عزيز أخنوش.

وبالرغم من أن أخنوش كان دائماً يميل إلى أن يظهر رجلاً تكنوقراطياً متوافقاً عليه في التركيبة الحكومية لما له من تجربة كبيرة كرجل اقتصادي بامتياز، ومساهمته في إنجاح مخطط المغرب الأخضر الفلاحي، فإنه هذه المرة لبس أو تم دفعه للبس جلباب سياسي، المثير أيضاً أنه أراد تدبير مفاوضات تشكيل الحكومة ليس باسم حزبه الجديد، ولكن باسم ثلاثة أحزاب؛ اثنان منها إدارية أيضاً هي الاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية، بل وثالثها الاتحاد الاشتراكي المحسوب على اليسار المغربي والذي فقد الكثير من بريقه وبدأ يتقرب إلى الأحزاب الإدارية.

وكان من شروط أخنوش لدخول الحكومة استبعاد حزب الاستقلال، وهو يعلم أن ذلك يستحيل القبول به من قبل ابن كيران الذي يعتبر أن هذا الأمر ضرب في الأخلاق السياسية التي بها ينمو ويزدهر، وبغيرها يضعف ويضمحل، وهذا الطلب هو ما ساهم في الوصول إلى الطريق المسدود.

دعوات لخرق الدستور

وفي ظل هذه الأجواء، تصاعدت أصوات لخرق الدستور، وإظهار ابن كيران في صورة «الفاشل»، مع دعوة للملك لاختيار شخص آخر من العدالة والتنمية ليشكل الأغلبية الحكومية؛ بل ذهبت بعض الأصوات إلى اختيار شخصية أخرى من خارج الحزب لتشكيل الأغلبية الحكومية، أو طلب تحكيم ملكي، وهي محاولة قادها بعض ممن يحسبون على فقهاء القانون الدستوري المغربي متزامنين.

واستغرب د. محمد المالكي، أستاذ القانون الدستوري بالجامعة المغربية، هذه المحاولة للي عنق الفصل السابع والأربعين حول مشاورات تشكيل الحكومة، إما بسوء معرفة، أو لحاجة في نفس يعقوب، وأوضح المالكي أن الأمر لا يتطلب تحكيماً ملكياً؛ لأن ضوابط التحكيم وضرورته لا تنطبق على هذه النازلة، كما لا يحق لنا الدعوة إلى التفسير أو التأويل القاضي باللجوء إلى الحزب الثاني في الترتيب؛ لأننا سنخرج عن واضح الفصل السابع والأربعين ونعرضه إلى التطبيق غير الصحيح والمتناقض صراحة مع الدستور.

وقال محمد يتيم، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية: إن التأمل في الفتاوى الدستورية التي طلعت بها بعض «الافتتاحيات» ونطق بها بعض الخبراء يؤكد أنها ليست سوى محاولة أخيرة لاستدراك ما أمكن استدراكه، وتحقيق ما تم العجز عن تحقيقه انتخابياً من خلال الحزب المعلوم ومن خلال أجندته التحكمية، مشدداً على أنها محاولة جديدة للعودة لنفس المنطق.. منطق التحكم، ومن خلال أدوات إعلامية، ثم من خلال أدوات فقهية دستورية، فكانت تلك الفتاوى الدستورية المضحكة التي خرجت تقترح مخارج هي أخطر في تقديرنا من المحاولة الانقلابية ليوم 8 أكتوبر.

وأضاف يتيم: هذا ليس انقلاباً على نتائج انتخابات السابع من أكتوبر وعلى المنهجية الديمقراطية فحسب، بل هو محاولة انقلاب على أصوات الغالبية الساحقة من الشعب المغربي الذي صوت بشبه إجماع على الدستور.

واعتبر يونس دافقير، الإعلامي، المعروف بإنصافه بالرغم من أنه ينتمي إلى جريدة «الأحداث» المغربية المناوئة لحزب العدالة والتنمية؛ أن كلفة تعيين رئيس الحكومة بديل من خارج العدالة والتنمية مرتفعة في سوق الخسارات الديمقراطية، مشدداً على أنه يبدو كما لو كان انقلاباً على الانتخابات بالسياسة، وتحريفاً للشرعية الانتخابية بتعسفات تأويلية للدستور.

أفق الأزمة

ويبقى الحل الصريح لتجاوز الأزمة حل البرلمان من قبل الملك، والإعلان عن انتخابات مبكرة، لكن خصوم العدالة والتنمية يخشون هذا الحل؛ لأنهم يعلمون أن أي انتخابات ستجري في هذه الظرفية سيكون فيها الفائز هو العدالة والتنمية، بعدما جربوا كل الوسائل التقليدية التي كانت تتبع لرسم الخريطة السياسية في المغرب.

وقال د. عبدالرحيم العلام، الباحث في الشؤون السياسية: إن هذه الأزمة أظهرت أن ابن كيران وفيٌّ لشركائه، وغير مستعد للتضحية بهم، كما أنه يختار حلفاءه ومن يشبهه لمواجهة السلطوية، وهذا يجعل تياراً واسعاً من الرأي العام معه، وليس لديه أي مشكلة في الذهاب لانتخابات سابقة لأوانها، حيث يملك العدالة والتنمية حظوظاً وافرة للفوز بها.

بدوره، قال دافقير: إن إجراء انتخابات سابقة لأوانها كحل لتشكيل الحكومة تمرين ديمقراطي غير مسبوق، لكنه لن يكون مجدياً؛ لا يبدو أن ابن كيران فشل في تشكيل أغلبيته.>

الرابط المختصر :