; حقيقة ما يجري في جنوب ألبانيا | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة ما يجري في جنوب ألبانيا

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

تيرانا: 

إن سير الأحداث في ألبانيا يؤكد أن هناك مخططًا سابق الإعداد سيتم تنفيذه في البلاد

كثيرًا ما تردد هذا السؤال في الآونة الأخيرة، خصوصًا بعد تحول المسالة من فقدان أموال إلى أزمة سياسية ثم تمرد شمل مدن جنوب البانيا المجاورة لليونان.

ولم تقف الأحداث إلى حد التظاهر أو احتجاز وزير الخارجية في الملعب الرئيسي لمدينة لوشنيا، بل واصل المتظاهرون مظاهراتهم مطالبين باستقالة الحكومة ورد أموالهم بالإضافة إلى الفوائد، الأمر الذي رفضته الحكومة والرئيس وقالوا: كيف تدفع الحكومة مثل هذه الأموال وهي لم تأخذها، ودخل طلاب جامعة فلورا في إضراب عن الطعام حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم، ثم التقى بهم الرئيس في مكتبه بالعاصمة ومع ذلك أصر كل طرف على موقفه الطلاب مستمرون في الإضراب والحكومة ترفض المطالب.

 وبدأ الرئيس بريشا جولات مكوكية في المحافظات في محاولة لتحسين صورة الحكومة والحزب وصورته قبل إعادة انتخابه من مجلس الشعب مرة أخرى حسب الدستور، وقويل الرئيس بفتور خصوصًا حين زار مدينة «جيرو كاسترا» الجنوبية إن طالبه طلاب الجامعة بتنفيذ مطالب زملائهم في فلورا أو التضامن معهم، وعلى الرغم من التبريرات التي قدمها الرئيس، إلا أن الطلاب لم يقتنعوا وأعلنوا التزامهم ووقوفهم مع زملائهم. 

حاولت الدولة أن تتدخل لفك الإضراب عن طريق إرسال بعض رجال المخابرات الذين انكشف أمرهم وتوتر الأمر مرة أخرى، وانفلت الموقف من يد الحكومة، وتوجه المتظاهرون إلى مبنى المخابرات في فلورا وقاموا بقتل رجال المخابرات الألبان وحرق جثثهم والإجهاز على من لم يمت وأعلنوا أن فلورا منطقة محرمة على السلطة في تيرانا وبالفعل طردوا البوليس والشرطة والجيش من المدينة، ثم استولوا على مخازن السلاح وسيطرت عصابات المتمردين على الوضع في المدينة ومنعت الدخول إليها أو الخروج منها.

على إثر ذلك أعلن الرئيس بريشا حل الحكومة بعد مشاورات مع قادة المعارضة وأعلن أن مشاورات تجري مع المعارضة لتشكيل حكومة جديدة ولكنه قال «إنها ستكون من الحزب الديمقراطي» الأمر الذي أشعل الأمر مرة أخرى، وبدأ المتمردون الحرب من داخل فلورا بالقتل وإطلاق النار العشوائي، وعلى الرغم من أن الدولة بمؤسساتها غائبة، إلا أن المتمردين لم يتركوا شيئًا له علاقة بالدولة أو بالشركات التي تتعامل بالفائدة إلا وأتوا عليه سلبًا ونهبًا وحرقًا.

وبدت فلورا المدينة الساحلية وكأنها بيت الأشباح، وغدت مستشفياتها كالمقابر، ومنع المتمردون دخول أي شيء من طرف الدولة، فالكل حتى الصليب الأحمر «جواسيس». 

وما إن أعلن الرئيس بريشا عن استقالة الحكومة وتدهور الوضع في فلورا إلا وسرت رياح التمرد إلى مدن الجنوب، وكأن هناك خطة مسبقة أعدت من قبل جهات أجنبية للتدخل في الجنوب ولعل الأيام القادمة تفسر اللغز وتجيب عن السؤال: لماذا الجنوب؟ على الرغم من أن البانيا كلها تضررت!

ونظرًا لتدهور الوضع وتطور الأحداث بصورة سريعة أعلن الرئيس بريشا حالة الطواري وطالب الجيش بالتدخل لحماية الأمن ولفرض النظام وبالفعل تحركت وحدات الجيش في ربوع البلاد وخصوصًا الجنوب، ولكن المفاجأة كانت في سقوط مدن الجنوب الواحدة تلو الأخرى بعد دخول الجيش، بل واستيلاء المتمردين على مخازن السلاح والذخيرة وباتوا يهددون نصف ألبانيا الجنوبي كله، فبعد سارندة سقطت تبيلينا ثم جيرو كاسترا ثم بيرميت وبيرات، كل ذلك والجيش الألباني من المفترض أن يستعد لفرض الأمن والنظام وطرد المتمردين.

لقد كانت تجربة البوسنة درسًا قاسيًا لأوروبا خصوصًا بعد أن ظل الأمر معلقًا حتى جاءت أمريكا وفرضت ما فشل فيه الأوروبيون، ولذلك فما إن أعلنت أمريكا عن قلقها لما يحدث في البانيا ومطالبتها بتوسيع دائرة الديمقراطية في ألبانيا وأسفها لتجديد البرلمان لبريشا لفترة ثانية حتى أعلنت أوروبا عن تحركها المكثف.

حين بدأت ملامح الأزمة في الظهور لم تبادر أوروبا بالتعامل معها على أنها أزمة اقتصادية لكي تساعد البانيا في الخروج من أزمتها، بل تعاملت معها كأزمة سياسية، الأمر الذي لم يساعد الحكومة في مواجهة آلاف المتضررين من جراء هذه الشركات، وماذا يفيد استقالة الحكومة أو حتى بريشا في وضع هذا؟ 

بدأت أوروبا تنتقد فرض قانون الطوارئ وهو السلاح الذي فرضه بريشا على رقاب الجميع معتقدًا أنه سيحد من نشاطها خصوصًا بعد أن منع إصدار الصحف والمجلات ومنع التظاهر والتجمع وفرض حظر التجوال من الساعة السابعة صباحًا حتى الساعة الثامنة مساء، ولما استفحل الأمر بادرت أوروبا بإرسال مبعوثين من مؤسساتها المختلفة فبدأت بالبرلمان الأوروبي الذي أرسل وفدًا طالب بإجراء انتخابات جديدة ودستور جديد، ثم تلتها بعثة من الاتحاد الأوروبي برئاسة وزير خارجية هولندا الذي واجه الرئيس بريشا بعدة مطالب منها الدستور الجديد وإرساء قواعد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرية الصحافة واحترام الإعلام ورجاله من المحليين والأجانب وإعلان حكومة ائتلافية ثم انتخابات جديدة، ثم كانت زيارة مستشار النمسا السابق كرئيس لبعثة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي والذي طالب بريشا بعد المهلة التي أعطاها للمتمردين حتى يلقوا السلاح بناء على نصيحة الوفود السابقة وأن يصدر عفوًا عامًا عمن يسلم سلاحه بالإضافة إلى بدء مشاورات لحكومة جديدة من كافة الأحزاب، وإلا فسيواجه بريشا وألبانيا بوقف للمعونات وبرامج المساعدة المقدمة من أوروبا إلى ألبانيا.

 في الوقت الذي كانت أوروبا تطالب بريشا بوقف إطلاق النار وعدم مهاجمة المتمردين كان - المتمردون يتوغلون في الجنوب الألباني مدينة تلو الأخرى، ولم يوجه أحد اللوم ولم ينظر أحد إلى مطالبهم والتي تبلورت مؤخرًا فقط في المطالبة باستقالة بريشا، وكأن المشكلات المالية والسياسية ستحل باستقالة بريشا، الأمر الذي يضع علامة استفهام أخرى: من الذي يحرك هؤلاء؟

من الذي يحرك الأحداث في ألبانيا؟

 لقد بات واضحًا أن المعارضة اليسارية لم تعد تملك شيئًا من الأحداث بعد أن كانت لها اليد الطولي في إشعال الموقف وتحويله إلى كارثة سياسية - عسكرية.

فالأحداث في الجنوب والتي كان يظن البعض أنها من صنع الغاضبين لفقدان أموالهم باتت تحركها مجموعات مدربة عسكرية وعلى خبرة ودراية بفنون الحرب وتعرف كيف تواجه قوات الحكومة أن هي هاجمتهم، وقد أذاعت وكالات الأنباء العالمية لقاءات مع بعض هؤلاء الذين أخفوا وجوههم عن الكاميرا في الجنوب وهم من الضباط القدامى والذي أعلن أنها مسألة، وقت وسيتم تدريب الناس على فنون القتال، وقد صدق، كل ذلك بينما المفاوضات في تيرانا مستمرة للضغط على بريشا لقبول التحالف مع الاشتراكيين. 

على أن الأمر لم يكن يحتاج إلى جهد لكي يفسر، فقد رفع المتمردون في ساراندة على الحدود اليونانية علمًا جديدًا وقامت وكالات الأنباء بتصويره وهو يشبه العلم الألباني ولكن الخلفية بيضاء بدلًا من الحمراء الموجودة في العلم الألباني، فهل كانت مصادفة أن ينتشر المتمردون في الجنوب، ومصادفة أن يسيطروا على مدنه في حضور ممثلي أوروبا ومصادفة أن يرفعوا العلم الجديد، ومصادفة أن يعلن وزير الخارجية اليوناني في أمريكا قلق بلاده من هجرة الألبان إليهم عبر الحدود على الرغم من أن الألبان في الشمال والوسط لا يستطيعون المرور إلى هناك، وعلى الرغم من أن القنصلية اليونانية في ساراندة فتحت أبوابها لأبناء الجنوب للسفر إلى اليونان بدون فيزا؟ 

إن سير الأحداث بهذه الطريقة يدفعنا إلى التسليم بأن هناك مخططًا سابق الإعداد سيتم تنفيذه في البانيا، خصوصًا وأن المتمردين أعلنوا عن تنظيم صفوفهم واختيار متحدثين عن كل مدينة ليتحدثوا باسمهم؟

بالرغم من أن أمريكا في بداية الأمر اتخذت موقفًا مانعًا من الأحداث، قبل فرض قانون الطوارئ في البانيا، إلا أنها وبعد التجديد لبريشا لفترة ثانية في أثناء الأزمة وعدم حضور السفيرة الأمريكية لمراسم انتخابه من البرلمان، بدا الأمر وكأن أمريكا غاضبة على بريشا، فأعلنت أن الطريق الوحيد لحل الأزمة هو انتخابات جديدة ودستور جديد، وهو موقف يتناقض مع موقفها بعد الانتخابات في مايو الماضي.

وأصبحت السفارة الأمريكية ملجأ للصحفيين والسياسيين الألبان الذين يشكون ما تقوم به الحكومة ضدهم من أفعال إلى العم سام. 

 الرئيس والأزمة:

في لقائه مع المعارضة على مدار الأيام السابقة والتي أعقبت زيارات الوفود الأوروبية بات الرئيس بريشا وكأنه وافق على مطالب الأوروبيين والتي تعطي الفرصة للاشتراكيين للدخول معه في تحالف أعلن هو من قبل عن رفضه، بل وقال إنه سيستقيل إن وصل الاشتراكيون إلى الحكم، وظهر الرئيس في لقاء على الهواء مع قادة المعارضة للتشاور حول الحكومة الجديدة والحزن يعتريه وأثار الأحداث تطل على وجهه، فمطالب المعارضة السياسية قد تحققت، ولكن هل سيستجيب للمعارضة المسلحة في الجنوب والتي تطالبه بالاستقالة أم أن الأمر سيسفر عن ذلك لاحقًا؟ 

وافق الرئيس على إجراء انتخابات جديدة في يونيو القادم وتشكيل حكومة ائتلافية ولجنة لتقصي الحقائق في موضوع الشركات، ولم يأخذ من المعارضة سوى نداء للمسلحين بإلقاء السلاح وسيعفو عنهم البرلمان، ومن الواضح أن استجابة الرئيس بريشا إنما جاءت بعد ضغوط شديدة من أوروبا ويبدو أن الأمر وصل إلى حد التهديد الأمر الذي دفع الرجل بقبول الشروط التي لم يكن يحلم أي حزب معارض بنصفها، فماذا ستكون المطالب الجديدة القادمة من الجنوب؟

وعلى الرغم من موقف الأحزاب جميعًا من الأحداث وارتفاعها - مؤخرًا - إلى مستوى الحدث، إلا أن المتمردين واصلوا زحفهم نحو مدن جديدة دون مقاومة. 

فهل خرج الموقف من يد الأحزاب والرئيس وأصبح الموقف بأكمله يدار من مكان آخر؟ سؤال ستجيب عنه الأيام القادمة.

الرابط المختصر :