العنوان حالة «حزب العدالة والتنمية المغربي» (1-5)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1818
نشر في الصفحة 25
السبت 06-سبتمبر-2008
حقوق الإنسان في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر
حزب العدالة والتنمية
كل ما شرعه الإسلام من عقائد ونظم وقوانين أساسه حرية الفرد والإقرار بقدرته على الاختيار بملء إرداته دون حاجة إلى وسيط أو وصي
ثمة اتجاهات جديدة ترى أن حقوق الإنسان في الإسلام تتميز بالشمول والعالمية.. وإقراركل الحقوق الدينية والمدنية الجماعية منها والفردية
أسفرت الانتخابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية عن تغييرات مهمة في مستوياته القيادية العليا، بما في ذلك منصب الأمين العام الذي فاز به «عبد الإله بنكيران»، خلفًا للدكتور «سعد الدين العثماني». وقد كشفت المناقشات التي جرت في المؤتمر العام للحزب، والقضايا التي تناولتها هذه المناقشات عن أن تجربة الحزب آخذة في التجذر على أسس ديمقراطية وشورية تحترم الرأي والرأي الآخر، وتنهض على أساس تفعيل حقوق الإنسان بالأعمال، وليس فقط بالأقوال.
وفي هذه المقالات التي نختص بها مجلة «المجتمع» سوف نقوم بتحليل الخطاب السياسي للحزب من منظور «حقوق الإنسان» كنموذج على التطور الذي يشهده الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر منذ عقد من الزمان تقريبًا، وجل اعتمادنا في هذا التحليل على الوثائق الأساسية الصادرة عن الحزب، والتقارير المعنية بحقوق الإنسان في المغرب، وغير ذلك من البحوث والدراسات ذات الصلة بالموضوع.
إن الخطاب السياسي لحزب «العدالة والتنمية المغربي» يندرج ضمن «الخطاب السياسي الإسلامي» المعاصر. ويتناول هذا الخطاب قضايا وموضوعات مختلفة تتجلى فيها التحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية، وهي تسعى من أجل النهوض والتقدم وتحتل قضية «حقوق الإنسان». ومشكلات التحول الديمقراطي مكانة متقدمة في أولويات هذا الخطاب.
وينقسم الجدل الفكري والسياسي حول حقوق الإنسان في الخطاب الإسلامي المعاصر بين اتجاهات شتى منها اتجاهان رئيسان، أولهما: يؤكد الخصوصية والفرادة التي تميز الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان جملة وتفصيلًا عن الرؤية الغربية، وتجعل بينها وبين النظرية الغربية «بونا شاسعًا»: بدءًا من الأصول الفلسفية، مرورًا بأنواع الحقوق التي تشملها، وصولا -أحيانا- إلى حد حصرها بعلة تميزها في صنف معين من البشر، وربما في مناطق جغرافية دون غيرها من العالم هذا الاتجاه تتبناه بعض التنظيمات والأحزاب التي تعلن انتماءها للإسلام وتعلن إيمانها به وانطلاقها منه إلى جانب عديد من الحكومات العربية التي تجد في دعوى الخصوصية ملاذًا آمنا كي تمارس هذه الخصوصية بالقدر الذي تراه مناسبًا لها ونافعًا لبقاء سلطتها. أما الاتجاه الثاني: فيؤكد تطابق منظومة حقوق الإنسان الإسلامية تمام الانطباق مع النظرية الأوروبية السائدة باعتبارها نظرية عالمية، ويرى أن الحقوق مسألة فطرية: دل عليها صريح المعقول، كما دل عليها صحيح المنقول ومن ثم يرى أنصار هذا الاتجاه الثاني أن نظرية حقوق الإنسان الإسلامية تتطابق مع النظرية السائدة عالميًا. هذا الاتجاه تتبناه أيضًا تنظيمات وأحزاب إسلامية تعلن إيمانها بالمرجعية الإسلامية وانطلاقها منها، واحتكامها إلى مبادئها.
اجتهادات جديدة
أصحاب الاتجاه الأول يظلمون الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان، إذ يحبسونها في إطار ضيق ويعطلون رسالتها العالمية وأصحاب الاتجاه الثاني يتجاهلون -أحيانًا- جوهر هذه الرؤية وعمقها الإنساني ويحاولون مطابقتها مع الرؤية الغربية المفتقدة لهذا العمق؛ حتى ولو ادعت شعاراتها غير ذلك. لكن ثمة اجتهادات جديدة ومتطورة تتبناها تنظيمات وأحزاب إسلامية جديدة ترى أن الخصوصية الكبرى لمفهوم حقوق الإنسان في الرؤية الإسلامية تتمثل في «الشمول والعالمية» وأن الشريعة جاءت بإقرار كل أنواع الحقوق المدنية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية الجماعية منها والفردية من جهة، وجاء الخطاب شاملا لكل بني آدم من جهة أخرى وأن الحض على احترام هذه الحقوق وحمايتها وضمانها ينسحب على كل إنسان، ويستفيد منه كل إنسان بوصفه إنسانًا فقط لا أكثر من ذلك ولا أقل، ولا تغفل هذه الاجتهادات أهمية التحفظ على بعض التفاصيل الحقوقية التي تضمنتها الرؤية الغربية السائدة عالميًا في الوقت الراهن.
إن خصوصية حقوق الإنسان في نظر هذا «الفريق الثالث» من المفكرين والتنظيمات والأحزاب الإسلامية. ومنها حزب «العدالة والتنمية المغربي» هي في «عالميتها»، إذ يرى أنصاره أن خطاب التكليفبها وبحمايتها موجه للأدمي بموجب كونه إنسانًا، وليس ثمة حق واحد دينيًا كان أو مدنيًا سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو اقتصاديًا مقرر للمسلم وحده ومحظور على غيره. وتتجلى خصوصية الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان أيضًا -لدى الفريق الثالث- في شمولها لكل أنواع الحقوق التي عرفتها المواثيق والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان في صيغها الحديثة والمعاصرة.
ثقافات عنصرية
إن مصطلح حقوق الإنسان -المستعمل في الخطاب المعاصر- يشير إلى مجموعة الحقوق والمطالب الواجب الوفاء بها لكل البشر على قدم المساواة دونما تمييز فيما بينهم لأي سبب كان، ولكن هذا التعريف العام ليس مسلمًا به لدى المجتمعات المختلفة؛ ذلك لأن نوع بعض هذه الحقوق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتصور الأساس عن الإنسان ذاته فإذا كان الإنسان فردًا حرًا ذا كرامة وقيمة ويمتلك العقل والضمير ويمتلك القدرة على الاختيار الأخلاقي والتصرف السليم، ويمتلك أيضًا الحكم الصائب على ما هو في مصلحته، فإن حقوق هذا الإنسان سوف تنبني على أساس هذا التصور. والواقع يشهد بوجود كثير منصور التمييز الفعلي بين بني البشر، إضافة إلى انتهاك أبسط حقوقهم، وليس ذلك إلا نتيجة من نتائج الثقافات الاستبدادية والعنصرية، كتلك التي ظهرت في بعض المجتمعات الغربية ومنها تلك النزعات التي رفعت شعارات تقول بما يسمى «شعب الله المختار» أو إن شعبًا من الشعوب فوق الجميع، أو إنه يحمل عبئًا تجاه الأجناس الأخرى البدائية المتخلفة باعتباره جنسًاأرقى.
في الاجتهادات الجديدة التي يتبناها الفريق الثالث -المشار إليه- يبدأ التأسيس المعرفي الفلسفي لحقوق الإنسان بإسناد جميع الحقوق المقررة للإنسان إلى الله خالق الإنسان، ويجعلها واجبًا مقدسًا مفارقًا لأي سلطة وضعية، كما يضفي عليها قوة إلزامية يتحمل مسؤولية حمايتها كل فرد فهي تسمو إلى مرتبة الواجب الديني، وهي من «حقوق الله» التي لا يمكن التنازل عنها أو التصرف فيها، وبما أن هذه الحقوق مقررة من خالق الإنسان إذا فهي لا تعترف بالفروق الجنسية، أو الجغرافية، أو العقائدية.
حرية الفرد
نقطة الخصوصية في النظرية الإسلامية لحقوق الانسانف -في نظر هذا الفريق الثالث- هي ذاتها ما يفيد العالمية هي «عصمة الآدمي» في ذاته وكما خلقه الله من أن تنتهك حقوقه، أو أن يكون ضحية للطغيان والاستبداد. وهذا هو الأصل الكبير الذي يخول الإنسان بقية الحقوق الأخرى جميعها. إن الدعامة الأساسية التي اتخذها الإسلام لكل ما شرعه من عقائد ونظم وقوانين هي حرية الفرد والإقرار بقدرته على الاختيار بملء إرادته دون حاجة إلى وسيط أو وصي. اللهم إلا في حالات نادرة واستثناءات محددة تتعلق بفقدان الأهلية أو تعرضها للنقص بسبب عيب من العيوب بل إن بعض الفقهاء العظام من أمثال أبي حنيفة النعمان ذهبوا إلى أنه لا يجوز الحجر على السفيه، والسفه عيب من عيوب الأهلية كما هو معروف، وعلل أبو حنيفة ذلك بالقول بأن الحجر على السفيه إهدار لأدميته وإلحاق له بالبهائم، وأن الضرر الإنساني الذي يلحقه من جراء هذا الإهدار يزيد كثيرا على الضرر المادي الذي يترتب على سوء تصرفه في أمواله، وأنه لا يجوز أن يُدفع ضرر بضرر أعظم منه، وبتقرير الحرية الفردية على هذا النحو، تقررت جملة الحقوق الأساسية المرتبطة بكيان الإنسان وأدميته وفي مقدمتها الحقوق المتعلقة بحرية التفكير والتعبير وحرية البحث والتأمل أو ما نطلق عليه بتعبيراتنا المعاصرة «الحرية الأكاديمية» وهي التي تعني أن يكون لكل فرد الحق في تقرير ما يراه في صدد دراسة الظواهر الاجتماعية والطبيعية والأخذ بما يؤدي إليه البحث من نتائج ولا يوجد في أصول الإسلام وتعاليمه، ولا في اجتهادات الأئمة المعتبرين أي توجيه يهدف إلى فرض الأخذ بنظرية علمية بشأن أي ظاهرة من الظواهر، عكس ما عرفته بعض الممارسات في تاريخ الأديان والثقافات الأخرى، وعُرفت في سياقها محاكم التفتيش.
موازين القياس
وعلى مستوى التأسيس الشرعي الأصولي تؤكد اجتهادات الفريق الثالث ذاتها على أن كل شيء في الأصل مباح، وهو الأوسع دائرة، وأن الاستثناء هو التحريم، وهو الأضيق دائرة وأساس الإباحة والتحريم هو مصلحة الإنسان نفسه. ولا تقف حدود حرية الفرد وحقوقه إلا عند حدود حرية وحقوق الآخرين، فلا يجوز أن يخل أحد بحرية، أو بحق غيره «فلا ضرر ولا ضرار» ولابد في جميع الحالات من الالتزام بفضائل الأخلاق في ممارسة الحقوق أو في الدفاع عنها، فإن جادل فعليه أن يجادل بالحسنى وعليه ألا يقول ما لا يفعل، وإذا حكم ألا يكون فظًا غليظ القلب إلى غير ذلك من الأخلاقيات التي حضت عليها آيات الكتاب والسنة النبوية، والأمر المهم في ذلك كله هو أن تظل موازين القياس واحدة مع كل بني البشر.
يرى أنصار هذا «الفريق الثالث» أيضًا أن البحث في مضمون خصوصية حقوق الإنسان من المنظور الإسلامي يقتضي بادئ ذي بدء الرجوع إلى نظرة الإسلام إلى الإنسان وتحديد موقعه في هذا الكون، وهنا نجد أن الإسلام قد اعترف بكيان الإنسان كما هو في حقيقته، فكل إنسان أيا كان عرقه، أو لونه أو دينه، أو حضارته، هو من تراب، وأيا كان المكان أو الزمان الذي يولد ويعيش فيه، هو في نظر الإسلام يولد على الفطرة، وهذه الفطرة هي واحدة في كل بني آدم وهي موجودة كاملة غير منقوصة فيه منذ لحظة ميلاده، وتشمل هذه الفطرة نفخة من روح الله تعالى. ولا يولد الإنسان على الفطرة فقط، وإنما يولد مزودا بأدوات المعرفة الأساسية: السمع والبصر، والفؤاد وهي الأدوات التي يستطيع بها أن يخدم ما في روحه من شوق إلى معرفة الله وإلى الحرية بأوسع معانيها، وإلى التمتع بالحياة وتحقيق الازدهار الروحي، إلى جانب الازدهار المادي، وترقية نوعية حياته، ومن هنا كان أهم وأول حق من حقوق الإنسان تؤكده الخصوصية الإسلامية هو حق الاعتراف به كإنسان إن هذا الحق هو أصل كل الحقوق الأخرى، وبدون تقريره على هذا المستوى الأصولي الروحي يكون عرضة لانتقاص كثير من حقوقه الأخرى تحت دعاوى كثيرة يختلقها الطغاة والمستبدون، وتبررها السلطات التي تتحكم فيه سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية، والتاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر. يقدم لنا كثيرا من الأدلة والشواهد التي تؤكد أن عدم الاعتراف بأدمية الإنسان كان هو البداية الأولى لإهدار كثير من حقوقه وحرياته الأساسية كما يمدنا التاريخ بشواهد كثيرة توضح فداحة التضحيات التي قدمتها المجتمعات حتى وصلت إلى انتزاع الاعتراف بإنسانية الآدمي وكونه أهلًا للتمتع بالحقوق وممارستها وحمايتها.
الفقه الحقوقي الإسلامي
الأمر الأساس الذي يؤكده الفريق الثالث هو أن الفقه الحقوقي الإسلامي المتعلق بمنظومة حقوق الإنسان قد تأخر كثيرًا في تقديم صياغات قانونية تحدد هذه الحقوق بلغة معاصرة، وذلك بعكس ما فعل الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر الذي عني بتقنين هذه الحقوق وتحديدها بقدر كبير من الدقة وقام بالتعبير عنها في صور متعددة مثل الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية التي تباينت من حيث قوتها الإلزامية من الإلزام المعنوي أو الأخلاقي إلى الإلزام القانوني.
وأيًا كانت الأسباب التي أدت إلى تأخر الفكر الإسلامي المعاصر عن تقديم صياغات مقننة لحقوق الإنسان في صورة مواثيق أو إعلانات أو معاهدات فقد ظهرت خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي عدة محاولات لتدارك هذا التقصير، منها محاولات للتأصيل الفكري كما سبقت الإشارة، ومنها محاولات أخرى للصياغة القانونية وتمثلت أهم محاولات الصياغة القانونية في الآتي:
- إعلان حقوق الإنسان وواجباته في «الإسلام» وقد صدر عن رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في ديسمبر ۱۹۷۹م.
- البيان العالمي عن حقوق الإنسان في «الإسلام» وقد صدر عن المجلس الإسلامي الأوروبي وأعلن في 19\9\1981م من مقر اليونسكو في العاصمة الفرنسية باريس.
- «مشروع وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام» الذي صدر عن مؤتمر قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في الطائف سنة ۱۹۸۹م.
- «مشروع حقوق الإنسان في الإسلام» الذي قدم إلى المؤتمر الخامس لحقوقالإنسان في طهران، ديسمبر ۱۹۸۹م.
- «إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام» سنة ١٩٩٠م.
- «إعلان بشأن حقوق الطفل ورعايتهفي الإسلام» وقد صدر في المغرب سنة 1994م.
هذا إلى جانب مبادرات وصياغات أخرى متفرقة، بعضها بجهد فردي، وبعضها بجهد جماعي مؤسسي، وجميعها لا يزال في مرحلة الإعلان والبيان والتعريف دون أن تحمل أية قوة إلزامية، وبخاصة في مواجهة أنظمة الحكم التي تمارس عمليات انتهاك حقوق الإنسان في كثير من بقاع العالمين العربي والإسلامي، حسبما توضح التقارير الدورية التي تصدر عن منظمات حقوق الإنسان في العالم. كما أن أغلبية هذه الإعلانات والبيانات لم تقترح آليات ووسائل محددة للدفاع عن حقوق الإنسان التي تتعرض للانتهاكات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل