العنوان المغرب.. هل يمكن فك علاقة الارتهان بالبنك الدولي؟
الكاتب مصطفي الخلفي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 04-يناير-2000
الرباط.
هل يمكن تصور استقلالية صناعة القرار السياسي والاجتماعي في ظل سياسة اقتراض «مفرطة» من المؤسسات المالية الأجنبية؟ الجواب قطعاً لا، بل إن انهيار مقومات السيادة والاستقلال الذاتي يتناسب طردًا مع وتيرة تنامي الاقتراض الخارجي.
مناسبة هذا الحديث هي صدور التقرير السنوي للبنك الدولي الخاص بسنة ۱۹۹۹م، والذي تضمن حقائق مهولة عن علاقة المغرب المالية بالبنك الدولي، والتي تقوت في عهد حكومة التناوب، حيث ارتفع حجم الاقتراض إلى ٤٤٠ مليون دولار بعد أن كان في سنة ١٩٩٨م. ٤٠٠ مليون دولار وفي الوقت نفسه بقي المغرب تاسع دولة مع حيث حجم مديونيتها تجاه البنك ضمن ۱۲۰ دولة هي عدد الدول المقترضة منه.
علاقة المغرب بالبنك
بعد سنتين من حصول المغرب على استقلاله انخرط في مسلسل الاقتراض من البنك الدولي، وهو مسلسل لم تعترضه عقبات، بل كان سلسًا ليفاجأ المغرب في بداية الثمانينيات بتضخم مديونيته وعجزه عن التسديد، مما فرض عليه القبول بشروط صندوق النقد الدولي. المؤسسة الرديفة للبنك الدولي والمعروفة ببرامج التقويم الهيكلي، لتتم إعادة الجدولة في سبتمبر ۱۹۸۳م، وطيلة عقد الثمانينيات، وقعت أربعة اتفاقيات لجدولة الديون بقيمة ٤.٣ مليار دولار مع نادي باريس «يتشكل مع الدول المقرضة على خلاف نادي لندن الذي يتشكل من المؤسسات المالية الخاصة المقرضة»، ورغم ذلك فهذه الاتفاقيات لم تزد أزمة المديونية إلا استفحالًا، ففي سنة ١٩٧٦م كان حجم ديون المغرب 3.08 مليار دولار حوالي 30% من الناتج الداخلي الإجمالي، منها 324 مليون دولار للبنك الدولي وبعد عشرين سنة أي في ١٩٩٦م، وصل حجم الديون إلى ۲۱٫۷ مليار دولار ٦٥% من الناتج الداخلي الإجمالي، منها ٣,٧٦٤ مليار دولار للبنك الدولي الذي ما نسبته السبع، وفي هذه المرحلة، تضاعف حجم الفوائد اثنتي عشرة مرة.
أما بخصوص الوضعية الحالية لعلاقة البنك بالمغرب فقد بلغ حجم الاقتراض السنة المنصرمة ما قيمته ٤١٠ ملايين دولار، وأدت موافقة البنك على قرض بقيمة ٢٥٠ مليون دولار في يونيو ۱۹۹۹م إلى موافقة البنك الإفريقي للتنمية على قرض آخر بقيمة ٢٠٠ مليون دولار أخرى، ليصبح البنك مصدرًا لـ ٦٤٠ مليون دولار في سنة واحدة، لكن مستحقات البنك تجاه المغرب سنة ۱۹۹۹م كانت بقيمة ٥٤٣ مليون منها ٢١٦ مليون دولار قيمة الفوائد السنوية والأعباء وهو ما يعني أن المغرب لم يستلم القروض بقدر ما هو ملزم بإضافة ۱۰۳ ملايين دولار عليها وإعطاءها للبنك.
وقبل أن نحل هذه المعطيات نشير إلى أن المغرب -حسب البنك-واحد من الدول الأولى في المنطقة التي اعتنقت ثورة سياسية، تتمثل في تدخل أقل للدولة في النشاط الاقتصادي الإنتاجي وتشجيع الانفتاح والقطاع الخاص، «ص ۸۹من التقرير»، وهذا التوصيف يعبر عن طبيعة المجالات المستهدفة بالقروض، وهو ما حصل التفصيل فيه أثناء مباحثات المغرب مع البنك الدولي منذ نهاية ۱۹۹۸م وحتى مايو ۱۹۹۹م، حيث قدمت الحكومة للبنك برنامجًا للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب بغية المساهمة في تمويله بمبلغ ٢٥٠ مليون دولار، ومن ضمن محاور هذا البرنامج، نجد إصلاح القطاع العمومي «القضاء. تقليص كلفة التسيير في الميزانية العامة»، وتنمية القطاع الخاص «تحسين المحيط» الاقتصادي واعتماد إصلاحات قانونية ومؤسساتية لتحرير الأسعار وتنظيم المنافسة وتنمية الاستثمار أما المحور الاجتماعي، فيتضمن ملفات التشغيل والأمية والتنمية الاجتماعية والعالم القروي والمرأة وفي إطار خدمة برامج الخوصصة «الخصخصة» استفاد قطاع الاتصالات هو الآخر من قرض مهم بقيمة ١٠١ مليون دولار.
ملاحظات نقدية
تبعًا للمعطيات الآنفة الذكر، يمكن القول إن حصيلة الحكومة الحالية في مجال فك الارتهان بالمؤسسات المالية الأجنبية حصيلة سلبية لا تختلف عن غيرها من الحكومات قد تبدو هذه الخلاصة غير سليمة، ولا سيما إذا ما استحضرنا إعلان وزارة المالية في بداية الشهر الماضي عن انخفاض الديون الخارجية للمغرب إلى ۱۸ مليار دولار مقابل ٢٢,٥ مليار دولار في سنة ١٩٩٥م، إلا أننا نرى العكس وذلك لاعتبارات عدة منها:
- أن التقليص الحاصل في الديون الخارجية راجع إلى سياسة تحويل الديون إلى استمارات والتي تهم كلًا من فرنسا «ملياري فرنك فرنسي»، إيطاليا «١٠٠ مليون دولار»، وإسبانيا « ۸۷مليون دولار» وهذا التحويل هو الآخر خضع لحسابات دولية.
- أنه في الوقت الذي نتحدث فيه عن تقليص، یزداد حجم مديونية المغرب للبنك الدولي وللمؤسسات الشبيهة، وهو ما كشفه تقرير البنك بجلاء.
وهذا لا ينفي أن الحكومة الحالية بذلت جهودها في تدبير أزمة الدين الخارجي، لكنه للأسف يبقى تدبيرًا لا يتيح الحفاظ على استقلالية القرار السياسي والاجتماعي.
على صعيد آخر يلاحظ على سياسة البنك تجاه المغرب أنها سياسة تضمن استمرار الارتهان به.
فمن جهة أولى تجد أن البنك من الناحية الفعلية، لا يقدم قروضًا بقدر ما يقوم بتدبير ديونه على المغرب وهو تدبير ينتج مزيدًا من التحكم في المسار الاقتصادي والاجتماعي، ولعل تقديم برنامج الإصلاحات الاقتصادي والاجتماعي للحصول على قرض ب٢٥٠ مليون دولار خير مثال على هذه الملاحظة، حيث تمكن من توجيه سياسة الحكومة من خلال تقديم قرض تم تمويله من مستحقات الديون السنوية للبنك على المغرب.
- كما أن إطلالة سريعة على مجالات اهتمام البنك، ليس في اتجاه المغرب فقط، بل المنطقة العربية ككل، ستجد من خلالها أن البنك أصبح أداة لخدمة العولمة الاقتصادية، ودفع الدول المقترضة إلى المضي قدمًا في سياسات الخوصصة وتحرير الأسعار والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد وكذا التحكم في عجز الميزانية ولو على حساب البرامج الاجتماعية للدولة.
ومن جهة ثالثة يلاحظ أن البنك يتركز على البرامج المتعلقة بقضايا التعليم والمرأة والإسكان والأمن الغذائي، فعلى صعيد المنطقة العربية وحدها. مول البنك في السنتين الأخيرتين ما قيمته ٥٦٨ مليون دولار في القطاع الفلاحي، وحوالي ۲۰۰ مليون دولار في المجال التعليمي، وحوالي ٢٩٦ مليون دولار في مجال السكان والحماية الاجتماعية، وقد يعترض معترض من أن هذه المجالات هي اجتماعية وإنسانية وأنه بدلًا من لوم البنك على ذلك يجب الإشادة به، وهذا اعتراض ظاهره سليم، إلا أنه يغفل أو يتغافل أن اتجاه البنك إلى هذه القطاعات ليس بريئًا فهو يشترط أن يكون التعامل في أثناء صرف هذه القروض مع المؤسسات المدنية والهيئات غير الحكومية، وهو ما يؤدي إلى اختراق هذه الهيئات مع طرف البنك، وهو ما سبق أن لاحظه د. لحسن الداودي على التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية، مما يؤدي إلى ارتهانها بالثقافة الغربية وتحولها تدريجيًا إلى مؤسسات لخدمة مشروع عولمة القيم الغربية وتيسير بثها وتعميمها، المثال القريب هنا، هو مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة والذي قبل أن يعلن عنه في مارس ۱۹۹۹م، ورد ضمن برنامج الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الذي رفع للبنك الدولي في ديسمبر ۱۹۹۸م.
لعل تجارب الاقتصادين الإندونيسي والكوري الجنوبي خير نموذج على مال الارتهان المطلق للبنك الدولي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل