العنوان المفارقة الكبرى
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011
مشاهدات 53
نشر في العدد 1980
نشر في الصفحة 66
السبت 10-ديسمبر-2011
الدين الإسلامي، من بين سائر المذاهب والأديان يعترف بحقوق الآخر مهما كان لونه وطبقته وعرقه وانتماؤه وعقيدته.. ويحميه ويفتح أمامه الفرص. الدين الإسلامي يعترف بكل الأديان والنبوات السابقة، ويعتبرها حلقات في سلسلة واحدة تتحرك صوب هدف واحد.
الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي يقدم عطاءه للإنسان أيا كان موقعه وانتماؤه وعرقه ولونه وطبقته.
المسلمون هم الوحيدون المنطقيون مع أنفسهم وعقيدتهم خلال تعاملهم مع الآخر، وبخاصة أهل الكتاب، فهم يحترمون أنبياءهم، ولا يفرقون بين أحد منهم، ويقدرون كتبهم الدينية في أصولها غير المحرفة أشد تقدير، ويضعونهم في منزلة فوق منازل الآخرين، ويمنحونهم الفرص المفتوحة على مصاريعها، سواء في ممارسة حقوقهم الدينية أم المدنية.
من أجل ذلك كله كان من مصلحة الإنسان في هذا العالم أن ينتصر هذا الدين، وأن تكون كلمته هي العليا، وأن يكون خيمة الخائفين والمأزومين والمضطهدين والمعذبين.. وأن يتولى زمام العالم.
ومع ذلك، فالذي يحدث على أرض الواقع هو العكس تمامًا.. فما من دين حورب من قبل غير المنتمين إليه كهذا الدين، وما من دين ضيق عليه الخناق كهذا الدين، وما من دين لحقه من صنوف الغدر والأذى كهذا الدين.
والأنكى من ذلك، أن شرائح كثيرة من المسلمين أنفسهم، حكاما ومحكومين تولت كبر هذه المهمة وأعلنت الحرب على هذا الدين، وطاردت وآذت وضيقت الخناق على المنتمين إليه.
إنها مفارقة محزنة، بل هي المفارقة الكبرى التي لم ولن يشهد التاريخ مثيلا لها من قبل ومن بعد أن أكسر اليد التي تريد أن تمتد إلي لكي تنتشلني من الوهدة التي أتخبط فيها.. أن أكتم الصوت الذي يسعى إلى خلاصي.. أن أدخن على كوى النور التي توضح المسالك، وتبين معالم الطريق.. وأن أعتمد كل أسلوب مبرر أو غير مبرر لتدمير مهمة الذين يريدون أن يخرجوا بالجماعات والشعوب من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
من أجل ذلك وصف القرآن الكريم هؤلاء جميعًا بأنهم كالأنعام، بل هم أضل.. إنهم لا ينظرون إلى أبعد من مواطئ أظلافهم، إنهم لا يعرفون ما ينفعهم مما يضرهم، إنهم يبحرون ضد مصالحهم، إنهم لا يفكرون ولا يعقلون.
فلو أنهم فعلوا، لكانت الحال غير الحال، ولشهد تاريخ البشرية صورة أخرى غير الصورة المعتمة التي تشكل بها، ولعرف الجميع أن خلاصهم وأمنهم وسعادتهم ومصيرهم بهذا الدين، وأن عليهم - إذا أرادوا الخلاص الحق - أن يكفوا عن إعلان الحرب عليه، وحصاره وتدمير أتباعه.. بل أن يهرعوا إليه ويعانقوه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل