العنوان المقاومة الإسلامية في لبنان وضعت إسرائيل أمام عملية العد العكسي
الكاتب إبراهيم طرابلسي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
مشاهدات 58
نشر في العدد 694
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام ۱۹۸۲ تحدث الكثيرون عن أن العصر الإسرائيلي قد بدأ، فقد اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان ودخلت بيروت، ودمرت البنية الأساسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأخذت الوفود السياحية التي تستقدمها إسرائيل تجوب شوارع بيروت، وصيدا، وقرى الجبل، والبقاع، تشاهد آثار القوات السورية التي انسحبت، وما خلفته منظمة التحرير الفلسطينية من أنفاق وقواعد وأكوام من الأسلحة والذخائر، حتى أن الجندي الإسرائيلي كان يتفيأ ظلال دبابته لينام خلال ساعات الليل أو النهار.
ومرت أيام، استعاد خلالها الناس وعيهم من هول الصدمة، فتراجعت إسرائيل عن بيروت الغربية (الإسلامية) بعد أيام من دخولها نتيجة سلسلة من العمليات البطولية ضد جنودها، وانسحبت بعد عام مرة أخرى (4 تشرين الأول ۱۹۸3) من مناطق الجبل، والشوف، وإقليم الخروب، لتحتمي وراء خنادقها عند نهر الأولى قرب صيدا، والآن تلح إسرائيل في تنفيذ انسحاب آخر من صيدا إلى نهر الزهراني أو الليطاني، وتعتبر حكومتها هذا الانسحاب منجزًا تعهدت به أمام قواعدها الانتخابية.
تراجع إسرائيلي:
لقد وعدت بالانسحاب على أساس اتفاق ۱۷ أيار ۱۹۸۳، فألغى الاتفاق وأسقطت بنوده، ومع هذا فهي تريد الانسحاب، واشترطت بأن يكون انسحابها من لبنان متزامنًا مع انسحاب سوري من البقاع، وها هي تتراجع الآن عن هذا الشرط، وتريد الانسحاب من جانب واحد، ورفضت أن يكون لقوات حفظ السلام الدولية أي دور في عملية الانسحاب، وها هي اليوم تطالب بنشر هذه القوات جنوبي نهر الزهراني، بينما يطرح الوفد اللبناني المفاوض أن تكتفي بمجرد المرابطة على الحدود الدولية.
لقد وصفت القوة الإسرائيلية العسكرية بأنها الجيش الذي لا يقهر، فلماذا يتقهقر الآن؟ وما تعودت إسرائيل أن تنسحب عن شبر أرض احتلته إلا إذا قبضت الثمن مضاعفًا، فلماذا تتنازل عن شروطها واحدًا بعد الآخر، وتنسحب دون شروط؟
لقد برز عنصر جديد في المواجهة مع إسرائيل، إذ تصدت لها مقاومة من نوع جديد لم تألفه في مواجهاتها السابقة، كانت تواجه جيوشًا (لا نريد هنا الخوض في أمرها)، وكانت تدرك أن لدى هذه الجيوش طائرات ودبابات وصواريخ، ومع هذا فقد كانت تهزم هذه الجيوش بالضربة القاضية كل مرة، لأن الإنسان في هذه الجيوش لم يكن هو الرجل المؤهل لمواجهة إسرائيل، أما الآن فقد اختلف الوضع، وعاد اليهودي إلى ما كان عليه وما وصفه القرآن الكريم به من جبن وخوف وهلع، فتراه وهو المحصن خلف برجه الفولاذي عندما يعبر شوارع صيدا -مثلًا- زائغ البصر، يطلق الرصاص يمينًا وشمالًا خوفًا من أن يكون خلف أي حجر أو شجرة مقاوم لماذا؟ لأنه يدرك بأن من يواجهه إنسان مسلم يطلب الشهادة، وقد باع نفسه لله، إذن فالمقاومة الإسلامية هي التي حملت إسرائيل على أن تنسحب في المرة الأولى والثانية، وهي التي سوف تحملها على تنفيذ الانسحاب الثالث، ولو جرى اعتماد هذا الأسلوب، وجرت صياغة الإنسان المسلم المقاوم على هذه الصورة؛ لما بلغت إسرائيل ما بلغت، ولما بلغ العرب ما بلغوا.
نشاط المقاومة الإسلامية:
إن إسرائيل تدرك الآن مقدار الفشل الذي أصابها نتيجة عملية غزو جنوب لبنان، فالمقاومة الفلسطينية التي كانت تملأ الأرض في الجنوب رجالًا وسلاحًا كانت تنفذ عملية فدائية واحدة كل شهر أو شهرين، أما المقاومة القائمة الآن فإنها تنفذ عمليتين أو ثلاثًا في اليوم الواحد رغم ضآلة الإمكانات وشراسة المواجهة، ليس هذا وحسب، بل إن أسلوب المواجهة أصبح يأخذ بعدًا شعبيًا عريضًا لم تألفه إسرائيل من قبل، فالقرى الجنوبية تمنع القوات الغازية من دخولها واعتقال الرجال فيها بسد المنافذ، وإحراق إطارات السيارات، ورشق الحجارة، وسكب الزيت المغلي، يقوم بذلك الرجال والأطفال والنساء على السواء، ولقد سقط في إحدى القرى عشر فتيات جرحى خلال مواجهة مع جنود إسرائيليين، تتراوح أعمارهن ما بين السابعة عشرة وإحدى وعشرين عامًا، وكلما ازدادت شراسة الغزاة تطورت المواجهة، وتصعدت العمليات، وهذا وحده ما سوف يحمل إسرائيل على الانسحاب.
وتحاول إسرائيل زرع الوقيعة، وإثارة الحساسيات المذهبية، واصطناع العملاء المثبطين، لكن كل ذلك لم يترك أثرًا على وتيرة المواجهة، ليس لأن الخلافات انعدمت، أو لأن الناس هناك لا يعرفونها، ولكن لأن أمام المسلمين في جنوب لبنان قضية كبرى تملأ عليهم تفكيرهم، وقد ذابت دونها كل الخلافات والحساسيات، إن مواجهة اليهود واجب شرعي، وتحرير أرض المسلمين فرض عين على كل مسلم إذا ما انتهكها العدو، والقيام بالواجب الشرعي يستدعي تجاوز كل ما دونه، ولهذا فإن شعار الوحدة الإسلامية لا يتحقق إلا إذا استشعر المسلمون واجبهم إزاء قضاياهم الكبرى (وما أكثرها)، وأعطوها حقها من الجهد والبذل والعطاء، عندها فقط يفوت المسلمون على عدوهم إمكانية شغلهم بالقضايا الفرعية والهامشية، ويستطيعون خدمة القضايا الأكبر والأهم.
لذلك فإن الساحة الإسلامية المجاهدة أفرغت كل جهدها في مواجهة العدو، سواء كانت المواجهة عسكرية بالبندقية، أو سياسية بالموقف، أو فكرية بالكلمة الجريئة الشجاعة، أو اقتصادية بمقاطعة منتجاته وكل إفرازاته، يقود المواجهة علماء عاملون تحدوا الغزاة في مواجهة الاحتلال، وفضلوا الشهادة أو الصمود في معتقل أنصار على القعود أو الهجرة، وأكبر نماذج الصمود الآن في (أنصار) العلماء: محرم عارفي، وعباس حرب، ويوسف المسلماني، وعبد الكريم شمس الدين.
المقاومة الإسلامية عينها على القدس وهي تقاتل في الجنوب.
منارة من أجل تحرير فلسطين:
قضية هامة -وأخيرة- تميزت بها المقاومة الإسلامية في جنوبي لبنان والبقاع الغربي، هي أن المقاومة -بحكم كونها إسلامية- فهي وإن كانت معنية الآن بتحرير المناطق اللبنانية المحتلة، إلا أن جهدها لن يتوقف أبدًا -بإذن الله- عند هذا الجزء من الأرض المحتلة، لذلك فإن النموذج الإسلامي العامل في لبنان سيكون منارة على طريق التحرير الشامل للأرض المغتصبة إن شاء الله، وسيكون نموذجًا يحتذى في كل بلاد المسلمين؛ لأن المقاومة الإسلامية التي انطلقت في لبنان تمتاز بشيء واحد فقط، هو أن الجماهير المؤمنة التي حل الاحتلال بساحتها كانت تتمتع بحرية الحركة وحرية القرار، وقد أكسبتها الحرب اللبنانية الطويلة قدرة على المقاومة، ودرية على استخدام السلاح، ولو توفر هذا للمرابطين في الضفة الغربية، وغزة، والجولان، أو حيفا، ويافا، والقدس؛ لما استطاعت إسرائيل زرع وجودها في الجسم الإسلامي، ولحملت المقاومة (التي يجب أن تكون إسلامية) اليهودي المهاجر على الرحيل والعودة إلى حيث أتى.
وكما أن إخوان خالد الإسلامبولي وهم يربضون خلف قضبان المحاكم في مصر، كان هاجسهم تحرير القدس والتصدي لليهود، فإن المقاتلين المسلمين في لبنان لا يشغلهم تحرير صيدا، وصور، والنبطية عن متابعة الغزاة اليهود إلى عقر دورهم في فلسطين، وأنهم معنيون بتحرير القدس والمسجد الأقصى، وأي إنسان يضطهده اليهود في فلسطين، لهذا المعنى فإن المقاومة الإسلامية تشكل أملًا كبيرًا ليس على المستوى اللبناني وحسب، وإنما هي أمل على المستوى الإسلامي العالمي بإذن الله.
إسلامية المقاومة هي جوهر المواجهة وعنوانها:
وعلى الرغم من أن عناصر جديدة قد دخلت في خط المقاومة حرصًا منها على تجبير منجزات الإسلاميين لصالحها، إلا أن العنصر الإسلامي الملتزم ما زال هو الحجم الرئيسي في جسم المقاومة، صحيح أن بعض الفصائل الفلسطينية تبذل الآن جهدًا واضحًا لدعم المقاومة، وأن فلول اليسار اللبناني تبذل مثل هذا الجهد، وأن حركة أمل تحاول إضفاء طابعها على المقاومة.
كل هذا يحصل بعد العام الثاني من الاحتلال، إلا أن إسلامية المقاومة ما تزال هي عنوان المواجهة وجوهرها، وما يزال الإسلاميون في الجنوب اللبناني والبقاع هم رواد المقاومة ورجالها، وكل حركات المواجهة الشعبية يقودها العلماء في كل مدينة أو قرية.
والإسلاميون في المقاومة لا يشعرون بأي حساسية تجاه محاولات الاستلاب التي تمارس بعضها منظمات المقاومة الفلسطينية، أو الحركة الوطنية اللبنانية، أو منظمة أمل؛ لأنهم يدركون بأن الطريق طويل ويستدعي حشد كل الطاقات، وأن المعركة لن تنتهي بتحرير الجنوب، بل ستمتد وتنتشر من أجل تحرير كل المناطق المحتلة بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل