العنوان الملتقى التربوي
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1981
مشاهدات 52
نشر في العدد 538
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-أغسطس-1981
هواة تقوية القلوب (الحلقة الثانية)
أ- القلوب المطمئنة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: ٢٨).
يقول الإمام ابن القيم الطمأنينة سكون القلب إلى الشيء،
وعدم اضطرابه وقلقه، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول
الإيمان واليقين إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه
وقلقه من شكه(1).
فإن صاحب هذا القلب لا يضطرب ولا يقلق عندما يصاب بمصيبة
وابتلاء بسبب ما يعتقد أن ذلك فتنة من الله واختبار.
ب- القلوب السليمة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء:٨٩).
قال سعيد بن المسيب: (القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن؛ لأن
قلب الكافر والمنافق مريض).
وقال أبو عثمان السيادي: (هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن
إلى السنة).
وقال الحسن: (سليم من آفة المال والبنين).
وقال الجنيد: (السليم من اللغة اللديغ، إنه قلب كاللديغ
من خوف الله).
وقال الضاحك: (السليم الخالص) (2).
فصاحب هذا القلب هو من تجمعت فيه هذه الصفات، فهو ذو قلب سليم،
خالص من آفات المال وفتنته، وجوانب الدنيا وفتنتها، خال من البدع، مطمئن إلى
السنة، خائف من الله.
ج- القلوب المنيب:
يقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ
بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾. (ق: ٣٣).
قال القرطبي: مقبل على الطاعة، وقال أبوبكر الوراق: (علامة
المنيب أن يكون عارفًا لحرمته، ومواليًا له، متواضعًا لجلاله، تاركًا لهوى نفسه) (3).
وقال الإمام ابن القيم: (وحقيقة الإنابة عكوف القلب على
طاعة الله ومحبته، والإقبال عليه) (4).
د- القلوب الوجلة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الأنفال: ٢).
يقول الشوكاني: (الوجل الخوف والفزع، والمراد أن حصول
الخوف من الله، والفزع منه عند ذكره، هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان،
المخلصين لله) (5).
قال السدي: (إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له اتق الله، كف ووجل
قلبه) (6)، ونستخرج من ذلك أن صاحب هذا القلب يتفاعل مع الموعظة، ويخاف
عندما يذكر بالله، ويكف عن المظلمة لحساسيته الكبيرة ومحاسبته لنفسه تخوفًا من
عقاب الله، وهذا الصنف من الناس يعتبر أرقى أنواع المدعوين.
هـ- القلوب المربوطة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ
قُلُوبِكُمْ﴾. (الأنفال: ١١).
قال الشوكاني: (فيجعلها صابرًة قويًة ثابتًة في مواطن الحرب)
(7).
و- القلوب المخبتة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ
قُلُوبُهُمْ﴾. (الحج:٥٤).
قال الشوكاني: (أي تخشع، وتسكن، وتنقاد) (8).
وقال: (المخبتين من عباده؛ أي المتواضعين، الخاشعين، المخلصين،
وهو مأخوذ من (الخبيت)، وهو المنخفض من الأرض، وقيل إن المخبتين هم
الذين لا يظلمون غيرهم، وإذا ظلمهم غيرهم لم ينتصروا) (9).
ز- القلوب الخاشعة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الحديد: ١٦)
يقول القاسمي: (أي تلين، وترق، وتخلص قلوبهم لذكر
اسمه الكريم).
وقال أبو السعود: (ومعنى الخشوع له الانقياد التام لأوامره
ونواهيه، والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام) (10).
ح- القلوب المقشعرة اللينة
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾ (الزمر:٢٣).
قال الزجاج: إذا ذُكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين
لله ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ (الزمر:٢٣) إذا ذكرت
آيات الرحمة.
وقال قتاده: (هذا نعت أولياء الله نعتهم بأنها تقشعر وتطمئن
قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في
أهل البدع وهو من الشيطان» (11).
وقال القرطبي: (معنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه) (12).
ونستطيع أن نقول -بعد استعراض القلوب البيضاء- إن نشاط وحركة
هواة تقوية القلوب تكاد أن تكون محصورة في هذا الصنف من القلوب، إلا أن بعض أنواع
القلوب السود، يشاء الله وهو المتصرف بالقلوب أن يحوله إلى أبيض؛ مصداقًا لقول
الرسول -صلى الله عليه وسلم: "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما
يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة
فيدخلها» (13).
وتتعدد أنواع الأسباب التي يتحول على أثرها ذلك القلب من السواد
إلى البياض، إلا أنه كثيرًا ما يكون سبب التحول هو عنصر من عناصر أولئك الهواة،
لذلك فإننا نستعرض الصنف الآخر من القلوب ليكون لدينا بعد ذلك جدول كامل لأنواع
القلوب، نستطيع على أثره أن نتعرف على طبيعة العمل والهواية التي يقوم بها أولئك
الهواة، وكذلك يساعد على توسيع دائرة المعرفة بأصناف المدعوين.
المراجع:
1- التفسير القيم 3٢٣، 3٢٤
2- تفسير القرطبي7/ 4830
3- تفسير القرطبي 9/6191
4- الفوائد ص ٢٤ - النفائس
5- فتح القدير2/285
6- تفسير القرطبي 4/2807
7- فتح القدير 2/ 291
8- فتح القدير 3/ 463.
9- فتح القدير 3/ 452.
10- محاسن التأويل 15/ ٥٦٨٤.
11- فتح القدير 4/ 459.
12- تفسير القرطبي 8/ 5694.
13- مسلم (2643) كتاب القدر.
********
رسالة
البعد
الثاني للحياة
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة
والسلام على سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم.
إن المؤمن قد أكرمه الله -تعالى- برؤية متكاملة للحياة،
فليست الحياة في نظره محدودة بنهاية وجود الإنسان على وجه الأرض، بل هي ممتدة ما
لا نهاية لها في عالم آخر، والله -سبحانه وتعالى- ما خلقنا للعدم، بل خلقنا
للوجود، وما الموت إلا عدم نسبي مؤقت، وما فترة الإقامة على وجه الأرض -وإن
طالت- إلا مرحلة ضئيلة جدًا، يتقرر على ضوء سلوك الإنسان فيها مستقبله في
الحياة الأبدية؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ
مَوَازِينُه، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ. وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ
مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (القارعة: ٦: ٩).
هذه الحقيقة التي نادى بها الرُسل -عليهم الصلاة والسلام-
هي التي جعلت سلوك المؤمنين متميزًا عن سلوك غيرهم، فهم يخوضون كل مجالات الحياة
المباحة، لكن بروح من يراها وسيلة لا غاية، ومسخرة لا معبودة مؤلهة، ولا يعني هذا
إهمال الدنيا والانزواء في جوانبها، بل يعني استغلال كل لحظة من لحظاتها
المحدودة لتقديم عمل نافع للناس؛ لأن هذا هو السبيل الأوحد لاستثمارها فيما ينفع
في الحياة الباقية.
وهذا يفسر لنا السبب في تحمل الجهود المضنية التي تحملها السلف
حتى قدموا ذلك الإنتاج الضخم في كل المجالات، ففي صفحة العلماء تعجب من
الثروة العلمية الرائعة التي قدمها علماء كان يعيش بعضهم حياة الفقر المدقع دون
أدنى محاولة للكسب بالعلم؛ لأن ذلك يحبط الأجر، وفي صفحة المجاهدين تعجب من
الإصرار على طلب الشهادة في سبيل الله، ومن فرحة المجتمع بالشهداء، وفي صفحة بذل
المال يصل الأمر إلى حد الخروج عن كل الممتلكات؛ فقد دخل جماعة على بعض الصالحين
فلفت انتباههم قلة الأثاث في المنزل ونوعيته، فسألوه عن ذلك، فقال: لنا منزل
آخر، نرسل إليه منزل صالح متاعنا، وكان يقصد بذلك الآخرة.
إنها كلمة معبرة مؤثرة، ونحن اليوم بحاجة إلى أن نثير في
أنفسنا كوامن هذا الإيمان، ونثيره أيضًا في نفوس المؤمنين لتكون الرغبة في العمل
الخير بمقدار الرغبة في الحسنات، وتكون الرغبة فيما عند الله أكثر من الرغبة بما
في أيدينا، فإن العلة المستعصية اليوم حب الدنيا وكراهية الموت، وهو الوهن الذي
حذرنا منه سيدنا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا المجال لا تنفع الكلمات، إنما تنفع القدوة الصالحة،
فلير الله منا ما يعبر عن صدق إيماننا بما عنده، ولير المؤمنون منا ما يقوي
إيمانهم بما عند الله.
والحمد لله رب العالمين.
محمد الشرباتي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل