; الملتقى التربوي (عدد 513) | مجلة المجتمع

العنوان الملتقى التربوي (عدد 513)

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 513

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 27-يناير-1981

عقل الأشياء لا العلم بها فقط

إن لكل عضو مما خلق الله وظيفة معينة خلقه الله لأجلها، فالقلب للإنسان يعلم به الأشياء والعين يرى بها الأشياء، والأذن يسمع بها الأشياء.. كما أنه- سبحانه- خلق كل عضو من أعضاء الإنسان لأمر من الأمور وعمل من الأعمال فاليد للبطش والرجل للسعي واللسان للنطق.. وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة.

فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خلق له وأعد لأجله فذلك هو الحق القائم والعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وكان ذلك خيرًا وصلاحًا.

أما إذا لم يستعمل العضو في حقه بل ترك بطالًا فذلك خسران، وصاحبه مغبون وإن استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفرًا، ومن الأعضاء القلب وهو رأسها، لذا سمي قلبًا، وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» وصلاح هذا القلب هو أن يفعل الأشياء لا أقول أن يعلمها فقط فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلًا له، بل غافلًا عنه ملغيًا له، والذي يعقل الشيء هو الذي يفيده و يضبطه ويعيه ويثبته في قلبه فيكون وقت الحاجة إليه غنيًا فيطابق عمله قوله وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي الحكمة ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269).

وقال أبو الدرداء: أن من الناس من يؤتى علمًا ولا يؤتى حكمًا، وأن شداد بن أوس ممن أوتي علمًا وحكمًا وهذا القلب هو ذلك العضو الذي يجد لذة الذكر؛ لأن الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم فكذلك القلب.. لا يجد حلاوة الذكر إذا مرض (نعوذ بالله).

فإذا كان القلب مشغولًا بالله عاقلًا للحق متفكرًا في العلم فقد وضع في موضعه فإن موضعه هو الحق، وما سوى الحق باطل والباطل ليس بشيء أصلًا وما ليس بشيء أحرى ألا يكون له موضع.

الدفاع عن رجال الدعوة

أخي الحبيب رجال الدعوة هم مادتها وقدواتها بهم تنهض الدعوة ويقوى عودها وعن طريق الطعن فيهم وفي إخلاصهم تضرب الدعوة من أعدائها وأنعم برجال الدعوة أولئك الرجال الذين فهموا مادتها وعرفوا أهدافها وتربوا وفق منهاجها وباعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل بقائها واستمرارها ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23). أولئك الرجال أيها الأفراد كما قلنا عن طريق الطعن فيهم وفي إخلاصهم تضرب الدعوة من أعدائها لذلك يجب أن نكون واعين منتبهين لكل مقال أو خطبة أو استفسار يدور حول اسم من أسمائهم فنبادر بالرد السريع في نفس اللحظات وفي نفس الجمع الذي قيل فيه الطعن إذا اقتضى الحال ذلك لعدم فوات الفرص أو بالرد المتأني بعد الشورى والتدقيق والتفهم وكلا الحالتين يعود إلى طبيعة المقام والمقال ولنأخذ مثالًا من حياة الصحابة- رضوان الله عليهم- نبين فيه ذلك الدفاع عن رجال الدعوة، حج رجل فرأى قومًا جلوسًا حول ابن عمر يحدثهم و يبين لهم فسأله عن عثمان بن عفان هل فر يوم أحد؟ هل تخلف عن بدر وعن بيعة الرضوان قال ابن عمر: نعم، فكبر الرجل، فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155). وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكانت مريضة، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- أن لك أجر رجل من شهد بدرًا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان بن عفان إلى مكة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان أذهب بها الآن معك».

لاحظ أخي الحبيب بداية كلام عبد الله ابن عمر: «تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه». تجد الحرص والدفاع والحب لهؤلاء الرجال- رجال الدعوة- فليكن أيها الأفراد هذا الدفاع من خلقنا خاصة في هذه الأيام التي كثر فيها الأعداء وتعددت فيها الوسائل وقل فيها الذين يتبينون قبل أن يتلقون ويصدقون وليكن إحقاق الحق هو رائدنا والله المستعان على ما يصفون.

والحمد لله رب العالمين.

فن التجميع

أقصد بالتجميع هو عملية كسب الأفراد، فالتجميع له فن خاص به كما لغيره من الأمور فنون تخصها ويختلف الدعاة فيما بينهم في مقدار الحصول على مقومات هذا الفن وفي نسبتها ومن هنا نجد التفاوت في مقدار النجاح في عملية التجميع هذه:

فمن مقومات هذا الفن ما يلي:

١- الفهم.

٢- الحركة.

٣- اللباقة.

٤- استغلال الفرص.

أولًا- الفهم: فأعني بالفهم هنا وضوح رؤية الأخ الداعية إلى ما يريد أن يوصل إليه من يدعوه فيجب أن يفهم تمامًا أنه لا يريد من هذا الأخ الجديد أن يتحول في يوم وليلة إلى داعية كامل فاهم لكل شيء بل يجب أن يضع نصب عينه أنه في بداية الطريق وعليه أن يتحمل منه أخطاءه وإن كثرت وأن يتعرف أثناء ذلك على مدى استعداده للعمل الإسلامي وهذا يتطلب منه أن يكون فاهمًا لطبائع النفوس حتى يعرف كيف يتخير لدعوته الصالح الذي يتوقع منه العمل والخير لهذه الدعوة.

وكذلك يجب أن يكون فاهمًا ومستوعبًا لمحتوى فكرته ومبدئه حتى يستطيع أن ينقله إلى المقابل بوضوح وأن يقنعه بهذه الفكرة ويستثير همته للعمل على نشرها وأن يعرف أيضًا ما هي حدود أساليبه التي ينقل بها هذه الفكرة إلى المقابل.

ثانيًا- الحركة: وأعني بالحركة حرص الأخ الداعية على التعارف ونشاطه في زياراته للأخ الجديد وتحضيره وتفكيره المتواصل واهتمامه بهذا الذي يريد كسبه وأن يراقبه من بعيد أو قريب لكي يتعرف عليه أكثر وحتى يبعده عن المزالق والدعوات التي قد تؤثر على تفكيره والتي من شأنها أن تقف حجرًا عثرة في طريق فهمه لفكرتك بوضوح.

ثالثًا- اللباقة: وأقصد باللباقة هنا مقدرة الأخ الداعية على الابتكار في طرق التعرف على الجدد وفي الدخول إلى قلوبهم وكسب ودهم وحبهم وأن يعرف كيف يقوي علاقته بهم وأن يعرف كيف يدخل في الموضوع الذي يريده مع أخيه المدعو وأن يعرف أيضًا كيف يكيف أسلوب الموضوع على حسب مستوى هذا الأخ الذي أمامه.

ولا شك أن هذه النقطة يختلف الدعاة في مقدار الحصول عليها لأنها تعتمد إلى حد كبير على الموهبة فأنت قد ترى الأخ الداعية اللبق الذي يؤثر فيك أسلوبه في الحديث في حين تجد آخر أقل منه في هذه المقدرة.

رابعًا- استغلال الفرص: وأعني باستغلال الفرص هو مقدار انتباه الأخ إلى الظروف المناسبة التي يمكن بها أن يتعرف على الجدد أو أن يختار الموضوع المناسب في الوقت المناسب عند الأحداث والفرص المناسبة؛ وذلك لأن استغلال مثل هذه الفرص بحكمة له تأثير كبير على نجاح ما تريد أن تصل إليه.

ولذلك يجب على الأخ الداعية أن يحرص على استغلال هذه الفرص؛ لأنها إذا ذهبت فمن الصعب أن تعود.

الرابط المختصر :