العنوان المنافقون يتترسون بفتوى العار:
الكاتب أحمد رمضان عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 938
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 24-أكتوبر-1989
ما إن أصدر
الشيخ سيد طنطاوي مفتي مصر فتوى «العار» حول إباحة أرباح شهادات الاستثمار وصناديق
التوفير، حتى خرجت أرتال المنافقين والمزايدين من جحورها التي قبعت فيها طويلًا،
بعد أن حاصرتها الصحوة الإسلامية المتنامية، وأغاظها اتجاه الناس للتعامل الإسلامي
في معاملاتها المالية والاقتصادية. نقول: خرج هؤلاء ليتترسوا خلف المفتي وفتواه
الهشة، وينهالوا على الإسلام وأركانه وعلمائه بالسهام المسمومة، لا لشيء إلا لحقد
تراكم في الصدور السوداء التي هالها أن تهزم أفكارها وطروحاتها أمام سيل الحق
العرم. ولأن «المجتمع» قد عودت قراءها على متابعة الحدث بالدقة والموضوعية
والمعلوماتية المعهودة، فقد عملت على تقصي الحكم الشرعي الصحيح لدى علماء الأمة
وفقهائها والعاملين لخدمة هذا الدين. وفي هذا العدد نلقي الضوء على ذلك مع الدكتور
محمود السرطاوي المدرس في قسم الفقه والتشريع بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية،
والحاصل على دكتوراه الفقه المقارن من جامعة الأزهر عام 1976.
د. محمود
السرطاوي:
أستاذ التشريع
والفقه المقارن في الجامعة الأردنية الربا كالزنا لا يصبح حلالًا بتراضي الطرفين!
مساعدة خزينة الدولة لها أبواب مشروعة ليس بينها إسقاط حرمة ربا البنوك التلاعب
بالألفاظ كما ورد في فتوى مفتي مصر لا يحلل الفائدة الربوية.
شهادات
الاستثمار في تعريفه لشهادات الاستثمار يقول الدكتور السرطاوي: شهادات الاستثمار
أو سندات الاستثمار دين على المؤسسة أو الدولة التي أصدرت هذه السندات، فهي إذن
قرض على المؤسسة أو الدولة، بحكم القانون يمكن تداولها، وقد تكون لحاملها فقط،
ولذا تُعد من الأوراق المالية وباعتبارها من الأوراق المالية لا يجوز أخذ الفائدة
على التعامل بها كسائر الأوراق المالية، وباعتبارها قرضًا لا يجوز أخذ الفائدة
المشروطة، أما الفائدة غير المشروطة فقد نص الفقهاء على جواز أخذها، ومما لا شك
فيه أن الفائدة في شهادات الاستثمار مشروطة وإلا لما أقرض صاحبها المؤسسة أو
الدولة. وردًا على ما ورد في فتوى «العار» من إباحة المعاملات في شهادات
الاستثمار، وما يشبهها كصناديق التوفير، يقول الدكتور السرطاوي: إن من القواعد
المقررة في الشريعة الإسلامية أن جميع الأحكام الشرعية مرتبطة بالمصالح، ولكنها
تتعين بالشرع وتتقيد به، فحيثما يكون هناك نص واضح صريح من شرع الله فالمصلحة
تتحقق فيه، وإن خفيت علينا، ومجال الاجتهاد في تبيُّن المصلحة حيث لا نص من كتاب
أو سنة، ولقد أجمع العلماء على تحريم الربا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ
وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 278-279).
هل هو التباس
وقد حصل الالتباس بين بعض صور البيع والربا عند من لم يفهموا مقصد الشارع من تحريم
الربا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ
مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:275). وقد بينت الأحاديث الشريفة هذا
الأمر، وجلت مقصد الشارع فيه فكل ما كان ثمنًا للأموال الأخرى - بحسب العرف العام
أو القانون - وأمكن ضبطه لا يجوز جعله مثمنًا، لأنه ميزان توزن به الأموال الأخرى،
وجعله مثمنًا نقض لما اتفق عليه الناس، أو جرى به حكم القانون، وعلى ذلك فشهادات
الاستثمار هي أثمان أي موازين فيجري فيها الربا كسائر الموازين، كالأوراق النقدية
والذهب والفضة. إن القول بجواز الفوائد على شهادات الاستثمار من أجل تشجيع الناس
على شرائها لما في ذلك من النفع العام مبني على المصلحة، وإنما يكون النظر في المصالح
حيث لا نص، أما وقد ثبت النص الدال على الربا، وشهادات الاستثمار نوع منه، فليس
الأمر محلًا للنظر والاجتهاد.
مساعدة خزينة
الدولة!
ومع ذلك فإن
القول: بأن مصلحة الأمة متحققة في شهادات الاستثمار مقصود به مساعدة خزينة الدولة
في القيام بالأعباء الملقاة عليها، ولا شك أن القيام بالمصالح العامة من فروض
الكفايات، وقد يكون في بعض صوره من فروض الأعيان على القادرين القيام به، فإذا
كانت الدولة في حاجة للمال لدحر الأعداء، وحماية أرض الإسلام، أو في حاجة إلى شق
الطرق وإقامة المدارس والمستشفيات ونحوها، مما يلحق الناس مشقة بعدم وجوده، ولم
تكف موارد الدولة للقيام بهذه المهام، كان حقًا على كل مسلم قادر أن يمدها بما
تحتاج إليه إذا كانت تستغل هذه الأموال في المصالح العامة، ولا تبذرها على الحفلات
وإقامة المراقص والملاهي، وغير ذلك مما لا يبيحه الشرع ولا يقره العقل السليم،
وشريطة أن تقيم العدل بين الناس، كما أمر الله تعالى، وأن تقطع دابر الفساد وأن
تحسن توزيع الثروة وأن يكون لديها التخطيط الهادف لاستخراج خيرات الأرض وإيجاد فرص
العمل لأبنائها، وأن تعمل بصدق على وحدة صف الأمة العربية والإسلامية لتتمكن كل
دولة من الاستفادة من الطاقات البشرية والمادية فيها، إذا فعلت ذلك وكانت في حاجة
للمال للقيام بالمصالح العامة وجب على كل مسلم أن يضع قسطًا من ماله تحت تصرفها، بحيث
يمكنها من القيام بهذه المصالح. أما أن نقول بجواز أخذ الفائدة للضرورة، أو الحاجة
المنزلة منزلة الضرورة والحال ما يعرفه ويعلمه كل مسلم فلا يجوز.
إن النظر في
المصالح ينبغي أن يكون شموليًا، يوازن فيه بين الفرد والمجتمع، فأي مصلحة للفرد
الذي تربى على أكل الربا، وكيف يمكن أن يكون تعامله مع إخوانه ومجتمعه، أليس الذي
يأخذ الفوائد على شهادات الاستثمار من المرابين الذين وصف الله حالهم بقوله
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة:275)؟ ألم تُقتل فيه روح البذل
والعطاء والتضحية، وتعود الكسل وعدم الإنتاج بتحصيل الفائدة المضمونة دون أدنى
مخاطرة؟
الزنا أيضًا يتم
إنني أرى أن المصلحة متحققة في حل مشكلة آنية كان سوء الأداء سببًا فيها، وذهب
البعض في استظهار هذه المصلحة إلى حد القول: إذا كان رضا الطرفين متوافرًا فقد
تحققت المصلحة وكانت الفائدة جائزة، ونقول: إن الربا الذي كان في الجاهلية والربا
الذي تقوم عليه البنوك قائم على الرضا بين الطرفين، كما أن الزنا قد يتم بالرضا
فهل يكون الرضا دليلًا على وجود المصلحة، ودليلًا على الحل أو التحريم في الشريعة
الإسلامية؟ إن من يقول بهذا ليس له أدنى معرفة بالقواعد التشريعية التي تضبط
تصرفات العباد. وحول تعليل الفتوى بأن الأمر يعتمد على حسن النية، يقول الدكتور
السرطاوي: إن أعمال العباد لا تكون مقبولة عند الله تبارك وتعالى إلا بشرطين:
الأول: أن يكون القصد فيها ابتغاء وجه الله سبحانه. الثاني: أن يكون العمل موافقًا
لشرع الله. فالنية الحسنة وحدها لا تكون كافية لقبول الأعمال إذا لم تكن موافقة
لما شرع الله سبحانه في كتابه الكريم أو بينه نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه
الفائدة ليست موافقة لما شرع الله سبحانه كما بينا.
تسميات للتحليل!
وحول اقتراح
المفتي بحذف كلمة «ربا» واستبدالها بعبارة «العائد الاستثماري» أو «الربح
الاستثماري» يقول السرطاوي: لقد ذهب البعض في حل أخذ الفائدة على شهادات الاستثمار
إلى التلاعب بالألفاظ، فظن أنه إن أسماها ربحًا لا فائدة كانت حلالًا!، وإن قلنا
هي هبة من الدولة كانت حلالًا! ونسي أن من القواعد المقررة عند الفقهاء أن العبرة
في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، فلا تصبح الفائدة الربوية حلالًا إن
سميت ربحًا ولا تصبح حلالًا إن ربطت بفائدة متغيرة في كل عام، أو ليس الربا الذي
يقوم به الأفراد وهو مجمع على تحريمه يكون بفائدة متغيرة من شخص لآخر ومن وقت
لآخر؟ وأما القول بأن هذه الفائدة هبة من الدولة فإن الواقع يدحضه وينفيه، ولا يصح
القول بأن الفائدة المتحصلة على شهادات الاستثمار من قبيل المضاربة لأن في ذلك أحد
أمرين: إما جهل بحقيقة المضاربة أو مغالطة ونحن نفترض الأول لا الثاني، وإذا كان
كذلك فلا يحل لمن لا يعرف الأحكام الفقهية وقواعدها أن يتصدى للإفتاء بها، كما لا
يجوز لمن لا معرفة له بالطب أن يعالج الناس وإلا أفسد ولم يصلح، فالمضاربة لا يحدد
فيها مقدار الربح ابتداء، وإنما تحدد نسبته إذا حصل الربح كالثلث أو الربع، وإذا لم
تربح شركة المضاربة فلا يستحق صاحب رأس المال شيئًا، وإذا خسرت شركة المضاربة كانت
الخسارة على صاحب رأس المال، وخسر العامل جهده فأين قواعد المضاربة من الفوائد
المتحققة على شهادات الاستثمار؟ وأخيرًا فالاضطراب في قول القائل بإباحة الفوائد
المتحصلة على شهادات الاستثمار واضح لا ريب فيه. فمرة يجعل شهادات الاستثمار من
قبيل شركة المضاربة، ومرة أخرى يجعلها من قبيل الوديعة المأذون في تشغيلها، ومرة
يجعلها من قبيل الهبات التي تمنحها الدولة للأفراد، ومرة يطلب تغيير اسم الفائدة
بالربح لتصبح حلالًا، ومرة يطلب إلى البنك الزيادة والنقصان في الفائدة المحققة
عليها لتشبه حالة الاتجار في شركة المضاربة ولو شكلًا. كل هذا يجعل الدارس لهذا
الرأي يحكم بأن القول في هذه المسألة بالإباحة كانت تنقصه الدراسة المتأنية والنظر
الفقهي السليم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل