العنوان على صهوة الكلمة.. الموجة الثالثة
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 22-أبريل-1986
من أروع الكتابات التي تعالج موضوع المستقبل لا شك هي كتابات توفلر Toffler Alvin، فلقد كتب
في هذا الموضوع كثير من الكتاب، غير أن توفلر يتميز عن غيره بالشمولية الموضوعية.
لقد كتب توفلر منذ سنوات كتابه الشهير: «صدمة المستقبل Future Shock» وكان لهذا
الكتاب صداه الهائل في الأوساط المهتمة بالدراسات المستقبلية. وصدر بعد ذلك كتابه
الخطير- والذي هو موضوع هذه الصفحة- الموسوم: الموجة الثالثة The Third Wave.
• يحلل توفلر تاريخ العالم وفق ثلاثية تتحكم في مضمونية تفكيره. يقول إن
العالم قد مر بموجتين كبيرتين، الأولى كانت الموجة الزراعية، والثانية الموجة
الصناعية.
في الموجة الأولى كانت الزراعة هي النشاط الأبرز للإنسان، وبالتالي تشكلت
المجتمعات لتدور حول هذا المحور الارتكازي. وعندما بدأت تلاميح الثورة الصناعية في
الإسفار عن نفسها تعرضت المجتمعات الزراعية لهزات كبيرة، وذلك في عملية إعادة
الصياغة لنفسها للتوافق مع النشاط الصناعي الجديد.
يقول توفلر إننا الآن في الثمانينيات نعيش الموجة الثالثة التي هي مرحلة ما
وراء المجتمع الصناعي، ولذا فالكتاب عبارة عن توصيف وتشخيص للتشكيل النفسي والجمعي
والتنظيمي والسياسي لمجتمع ما وراء الصناعة.
• من أخطر القضايا التي يواجهها الإنسان في مجتمعات ما وراء الصناعة هو
طاعون العزلة والوحدة والفردية والانطواء كما يسميه توفلر. كل الأوضاع والتطورات
التقنية- يقول توفلر- تعزز من عزلة الإنسان المعاصر على مجتمعه وتحفزه على
الانطواء والفردية والوحدة. السيارة والتليفزيون من أخطر الابتكارات المادية التي
تعزز هذا الطاعون الاجتماعي. ولذا- يقول توفلر-: إن المجتمعات الغربية التي تعاني
بحدة من الفردية المغالية، ومن انهيار الروح الجماعية أخذت تكثر فيها المراكز
والمصحات والمستشفيات النفسية نظرًا لاختلال معادلة الأمن النفسي عند الإنسان
الغربي بشكل عام، وكل صور الإدمان وأشكاله المتفشية في المجتمع الغربي هي نتيجة
لانعدام الأمن النفسي في تلك المجتمعات. ويقول توفلر إن حل هذه المعضلة الخطيرة هو
في إعادة الاعتبار الاجتماعي لدور الأسرة والعائلة وهو دور أهمل تمامًا خلال
الموجة الثانية، من تطور العالم الغربي، وتنشيط كافة المؤسسات التي لها صلة
بالرعاية الاجتماعية.
ولعل أبرز مظاهر الضياع العام الذي يعيشه المجتمع الغربي- كما يراه توفلر-
هو انتشار الجمعيات السرية والعلنية التي تعنى بالجوانب النفسية والروحية والخلقية
للإنسان هناك، وأن كثيرًا من هذه الجمعيات قد تسببت بمآس بالغة لمن انضموا إليها.
يضع توفلر أصبعه في قاع الجرح حين يقول بأن المجتمع الغربي قد فقد الرؤية والبصر
التاريخي والاجتماعي، لأنه مجتمع بلا أهداف جديرة بالاحترام. فالحيازة المادية
للأشياء ليست هدفًا جديرًا بالاحترام، ومع ذلك فالميكانيكية اليومية في المدن
الغربية المزدحمة تدور حول هذا المحور.
خلاصة ما يريد أن يقوله توفلر في
هذا الكتاب أن الثورة الصناعية- برغم أهمية إنجازاتها الهائلة- قد أفرزت أوضاعًا
مأساوية تتبدى بشكل واضح في المجتمعات الغربية التي أخذت تتساقط- إنسانيًا- من
الداخل، وأن «النموذج» المستلهم في الغرب مرشح للسقوط مع مطالع القرن الواحد
والعشرين الميلادي. القارئ لهذا الكتاب لا يملك إلا أن يتساءل: هل العالم الغربي
في طريقه إلى الموت أم أن مولدًا جديدًا سينبعث من هناك؟