; الميثاق الجزائري نقد و تقويم- إسلام أو لا إسلام «الحلقة الثانية» | مجلة المجتمع

العنوان الميثاق الجزائري نقد و تقويم- إسلام أو لا إسلام «الحلقة الثانية»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

مشاهدات 62

نشر في العدد 329

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 21-ديسمبر-1976

إن ثورة جبارة كثورة الجزائر التي قامت في الاساس جهادًا اسلاميًا ضد اعداء الله وأعداء الاسلام ذودًا عن حياض العقيدة، كان يؤمل منها أن تكون سباقة - بعد التحرير - الى الأخذ بالتجربة والمنهج الاسلامي الشامل، بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن ما يجري من حولنا – هنا وهناك - في العالم الاسلامي من ممارسات و دعاوی وشعارات إسلامية ترفع، إنما هي وسائل لخداع الجماهير المتعطشة للتطبيق الفعليى للإسلام «فلتكن الجزائر سباقة للتطبيق الكامل للاسلام» اسلام الاستعلاء العقيدي، اسلام العدالة الاجتماعية، اسلام الاقتصاد القومي، اسلام الشورى الصحيحة اسلام التنمية السريعة والفعالة، اسلام الثقافة المتحررة من كل هيمنة أجنبية شرقية أو غربية، اسلام الوحدة الكاملة الشاملة للوطن الاسلامي كله.

وقبل أن أختم هذا الباب، وحتى لا يعاب نقدي بكونه غير مشفوع باقتراحات عملية فاني سأتولى إقتراح إجراءات عملية عند الحديث عن كل باب من أبواب المشروع وأبدأ هنا باقتراح تعديل الاختيار السياسي والاقتصادي من الاشتراكية الى النظام الاسلامي في السياسة والاقتصاد «الشورى الصحيحة والعدالة الاجتماعية السليمة» ويترتب على هذا بالطبع تعديل كل المشروع، وتخصيص المقدمة أساسًا لتوضيح المنهج الاسلامي بصورة عامة «ويجب بالخصوص حذف كل الإشارات الشعوبية الى «بطولات اسينيسا ويوغورطا» وسواهما تفويتًا للفرصة على من يصيدون في الماء العكر. 

وتخصيص الباب الأول لتفصيل أسس المنهج الاسلامي في الاقتصاد وسبل وسائل الوصول إليه. 

  1. تحقيق العدالة الاجتماعية بمفهومها الصحيح.
  2. اعادة التوزيع العادل للثروة بشتى صورها «المال والأرض.. والمنقولات..» وبالوسائل التي حددها الاسلام.
  3. التنمية الشاملة المخططة وفق إستراتيجية مدروسة وصولًا الى المجتمع المتقدم القادر على الوقوف على رجليه في وجه التحديات التي تواجهه من القوى المناوئة و المتربصة به.
  4.  تطوير الملكية العامة باعطائها مضمونها الحقيقي بتمليك العمال المنتجين اسهما محدودة ومتساوية في المؤسسات التي يعملون بها، قصد اشعارهم بملكيتهم لها ملكية فعلية.
  5. تحقيق الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة كما حددها الاسلام.
  6.  تطبيق قانون «من أين لك هذا» بصورة جدية وسؤال كل امرىء عما كسبت يداه، وذلك عن طريق تكوين لجان نزيهة ممن يتوافر فيهم عنصر «التقوى ».
  7. القضاء على الشكل الاخير والبشع من إستغلال الانسان للانسان وهو الربا، وذلك بالغاء التعامل به بين الافراد والجماعات وفي صناديق الادخار والبنوك «وسندات التجهيز» والتمهيد بذلك للقضاء عليه كنظام عالمي تستفيد منه في الشرق والغرب حفنة من اليهود المغامرين مصاصي الدماء.
  8. تطهير الاقتصاد الوطني من الامراض الفتاكة كالرشوة والمحسوبية والاختلاس، وذلك بالضرب بشدة على ايدي من يقترفونها.
  9. استكمال السيادة في المجال الاقتصادي بتأميم جميع الشركات والممتلكات الاجنبية التي ما زالت ببلادنا، وبالخصوص تأميم الــ ٩٤% الباقية في قطاع المحروقات.
  10. المضي قدمًا في سياسة التصنيع والتركيز على الصناعات الثقيلة ووضع برنامج سريع وفعال التكوين الاطارات المؤهلة فنيًا قصد التخلص من الاجانب العاملين بهذا القطاع.
  • الباب الثاني: الحزب والدولة

في الاسلام ليس ثمة إلا حزبان: حزب الله وحزب الشيطان، ومن هنا فلا مجال في الاسلام للحديث عن تعدد الاحزاب والتكتلات السياسية. أن الوحدة من مقاصد الاسلام وتعدد الاحزاب مناقض لهذا المقصد، ومن ثم فهو مرفوض، ولكن ما هو البديل؟ مشروع الميثاق يقترح علينا حزبًا طلائعيًا، وأنا، ومن منظور اسلامي ايضًا، اعترض على هذا، فما الحزب في تقديري إلا منظمة سياسية تستهدف توعية الجماهير. بعقيدتها وتجنيدها للدفاع عنها، ومن هنا فإن الحزب لا يمكن الا أن يكون تنظيمًا سياسيًا شعبيًا مفتوحًا للجميع على قدم المساواة حتى لا يتحول الى وكر لعصابة من المنتفعين والوصوليين المصفقين لكن من يعتلي المنصة... أن بعث الحيوية في الحزب وتحويله من هيكل إداري لا حياة فيه الى تنظيم شعبي تواجد في كل المواقع مسلحًا بسلاح العقيدة الإسلامية مشتقة من منبعيها الاصليين: الكتاب والسنة أمر ضروري وحيوي ومطلوب على جناح السرعة. على أن الذي ننشده في الحزب بوصفه تنظيمًا سياسيًا أن تيح لكل ذي رأي أن يعبر عنه في نطاق مبادىء الاسلام، وأن ينتقد مسئولية وبحرية كاملة حتى رئيس الدولة.

أما المنظمات الجماهيرية فأرى أن يقتصر دورها على المسائل النقابية الخاصة بالمنضوين تحت لوائها، وأن يمارس أعضاؤها السياسة من خلال الحزب فقط، وهذا تجنبًا لتعدد المنظمات السياسية.

  • الباب الثالث:  المحاور الكبرى  لبناء الاشتراكية

سأقتصر في هذا الباب على محور الثورة الثقافية، فقد كنت قد عرضت المحوري الثورة الثقافية التي يتحدث عنها الميثاق ثورة رجراجة غير واضحة المعالم. فالاهداف الثلاثة التي يحددها لها الميثاق هي اهداف غير مفهومة على الاطلاق. فمثلا ماذا يعنى بـ «التأكيد على الهوية الوطنية الجزائرية»؟ أنه يقع في تناقض مع نفسه حين ينص بعد ذلك في باب السياسة الخارجية الجغرافي على سعي الجزائر الدؤوب لتحقيق «الوحدة العربية»، فهل «الوحدة العربية» هي تجمع لعدد من الهويات الوطنية الخاصة؟ إذا كانت كذلك فهي حقًا وحدة عجيبة أشبه بالكومنولث!! وبالمناسبة فان هذا التناقض ذاته هو ما وقع فيه المشروع حين تحدث عن وعي شعبنا «بمجاله الجغرافي»، فاي مجال جغرافي هذا والميثاق يتحدث بعد ذلك عن وطن عربي واحد؟ في تصوري أن المجال الجغرافي لشعبنا ليس هو الرقعة المحصورة بين وجدة وغار الدماء ولا ما بين المحيط والخليج فحسب، بل أنها تمتد من المحيط الى المحيط وبعبارة أخرى كل أرضي تعلوها راية الاسلام. أن جنسية المسلم هي عقيدته وكل الحدود والسدود والقيود صنعها الاستعمار واستحفظ عليها أذنابه من بعده فصانوها بأمانة وما زالوا يفعلون! ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52) فالتأكيد على الهوية الوطنية الجزائرية أنما هو نعرة اقليمية تقع في بلاد «عربية» أخرى وكنت أربأ ببلادي أن تقع فيها.

وماذا يعني مشروع الميثاق أيضًا بحديثه عن الرفع الدائر المستوى التعليم المدرسي والكفاءة التقنية وهو أمر مطلوب و ضروري، مع إغفاله الاشارة الى مضمون المناهج ومحتواها، علما بأن هذا المضمون والمحتوى مضمون لانكى علماني لا يمكنه إلا أن يزيد من الاغتراب الثقافي لشعبنا المسلم. وايضًا ما هو «نمط الحياة» مبادى «الثورة الاشتراكية» هذا النمط الذي يستقبل عليه الانسان الجديد الذي ستصنعه الثورة الثقافية؟

واني لاعجب شديد العجب للتأكيد المتكرر على حكاية «انفتاحنا» و «تفتحنا» وكأننا منطقون وفي غياهب الجب مختبئون!! ان هذه الجعجعة لا معنى لها سوى أن تكون تحصيلًا لحاصل. أن الانفتاح من صميم طبيعة العصر، ولا يمكن غض الطرف عنه لأن ما في العالم المعاصر، بفضل تطور وسائل الاعلام والاتصال والمواصلات مما مكن من تخطي الإبعاد والمكانية قد أصبح يغزونا في عقر دارنا دون أن نسعى نحن إليه، والأمر إذن يتعلق بنا نحن - جهاز الاستقبال - هل تقبله قبولًا حسنًا أم نرفضه؟ هذا ما كنا نريد من الميثاق أن يحدثنا عنه أما أنا فأقول أن الانفتاح التكنولوجي والعلمي البحث مطلوب بل وفرض عين - على حد تعبير الفقهاء - أما الانفتاح العقيدي فأمر أقول فيه ما قال مالك في الخمر. انني أدعو صراحة الى الانفلاق في نواحي العقيدة والسلوك والاخلاق والنظم. أما العلوم الاجتماعية والانسانية فإن ما يهد علينا منها يجب أن نخضعه أساسًا لمفاهيمنا العقيدية ومن منظارها ننظر اليه وندرسه.

عن مجلة الدعوة

الرابط المختصر :