; المُورِسْكِيُّون في المصادر والمخطوطات الأندلسية (٣ من ٤) | مجلة المجتمع

العنوان المُورِسْكِيُّون في المصادر والمخطوطات الأندلسية (٣ من ٤)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011

مشاهدات 50

نشر في العدد 1967

نشر في الصفحة 48

السبت 27-أغسطس-2011

  • كتبوا بالعربية والأعجمية القشتالية وأخفوا الكتب والأوراق في الأرض والسقوف والحيطان
  • أمام حالة الندرة للمصادر تصبح مادة جيدة المعلومات لا بأس بها تعين الباحث على الكتابة

المصادر الأندلسية تكاد تكون طبيعية؛ حيث إن المورسكيين حرموا من كل ما هو إسلامي، فضلًا عن أن يكتبوا أي شيء مما يعانون.. وقد فعلوا ما تتطلبه الضرورة القصوى لدينهم؛ حيث كتبوا بالعربية والأعجمية القشتالية، إلى حد أنهم أخفوا الكتب والأوراق في أماكن غريبة، في الأرض أو مبنية في السقوف والحيطان.. ومن طرائف ما ذكر قبل عدة سنوات في مدينة أو قرية «خراكوا»، قرب مدينة «بلنسية» «VALENCIA»، أن سيارة اصطدمت بحائط قديم فتهدم، وظهرت فيه مخطوطات أندلسية لم يعرف مصيرها.

فكيف يمكن بعد ذلك للمورسكيين أن يكتبوا تاريخهم، بين مطاردات ووحشيات وأنياب محاكم التفتيش؟!

هذا السلوك والإصرار المتناهي المؤمن للمورسكيين، يشير إلى مقدار اعتزازهم بالإسلام والتضحية من أجله، فهم لم يتمكنوا من كتابة معاناتهم من السلطتين المتعانقتين سفاحًا: السلطة الرسمية والسلطة الكنسية، وإن كنت لا أبعد أنهم كتبوا شيئًا، ذهب أو لا يزال ينتظر الظهور يومًا ما.

ومن المصادر أيضًا:

«رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب»، الشهاب الحَجْري.. يصف فيه محنة المسلمين المورسكيين المأساوية، ويحكي قصة هروبه من الأندلس إلى المغرب. هذا الكتاب مفقود، لعله يعثر عليه يومًا ما.. منه شذرات في:

«جواهر الكمال»، الكانوني.

«نزهة الحادي»، محمد الإفراني.

«صفوة من انتشر من صلحاء القرن الحادي عشر»، الإفراني.

«زهر البستان في نسب أخوال سيدنا المولى زيدان»، محمد العياشي المكناسي (١١٣٩هـ / ١٧٢٦م)، مخطوط الخزانة العامة بالرباط، رقم د ٢١٥٢م. لدي صورة خطية، صعبة القراءة جدًا.

يضاف إلى ذلك ما كان من مراسلات وكتابات متفرقة ورسوم وصور ونقوش على الحجر وأدوات وملابس وبقايا ومواقع، مثل: وجود برج في قرطبة حتى اليوم، كان يلقى من أعلاه بعض من تحكم عليهم بالموت محاكم التفتيش من المسلمين(١).

كذلك موضوع اكتشاف آلاف الجثث في مقبرة جماعية تحت ساحة كنيسة «يرينا» «LLERENA». المرجح عندي أنهم ضحايا محاكم التفتيش أواخر أيامها، حين سئمت منهم (۲)، يُضاف إلى ذلك أنه لعل هذه ليست المقبرة الجماعية الوحيدة.

يضم لتلك المصادر ما كتبه الإخوة في الشمال الأفريقي من مذكرات ودراسات وترجمات ومقالات ومراسلات - شعرًا ونثرًا - وكتب الرحلات والفتاوى، مثل:

«أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر»(٣)، أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد التلمساني الونشريشي (٩١٤هـ).

ما كتب عن المهاجرين الأندلسيين وما  قاموا به من أعمال وجهاد، وما قدمه لهم إخوانهم وعاونوهم فيه، مع ما قدمته الدولة العثمانية وجهودها في هذا الأمر، كالأخوين: عرج وخير الدين بَرْبَروسا.

ما كتبه بعض سفراء المغرب إلى إسبانيا مثل:

كتاب «رحلة الوزير في افتكاك الأسير»، الوزير السفير محمد بن عبد الوهاب الغساني الأندلسي الفاسي (۱۱۱۹هـ/ ۱۷۰۷م).

كتاب «نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد»، السفير أحمد بن المهدي الغزال (١١٩١هـ / ۱۷۷۷م).

إن كل هذه المعلومات لو تجمعت تعد قياسًا مادة قليلة الموضوع طويل معقد كالمورسكيين، إلا إنه أمام حالة الندرة للمصادر تصبح مادة جيدة للدارس، يجتمع منها ومن بقية الأنواع معلومات لا بأس بها تعين الدارس على كتابة جيدة.. إلى جانب: ما ينتفع كذلك بكل مَنْ خَدَمَ هذا الميدان.

المقري الذي لقي بعض الأندلسيين في فاس وغيرها، أودع مادة جيدة في كتابيه: «نفح الطيب»(ج٤)، و «أزهار الرياض»(ج١).

تيَسَّر - بفضل الله تعالى - الإطلاع على مخطوطات هذا الموضوع والحصول على صور بعضها «ميكروفيلم»، كما أشير إليه.

هذه المؤلفات المطبوعة والمخطوطة مهمة جدا لإلقاء ضوء جديد ابتداء للموضوع، مؤكدة بعضها ومصححة ومزودة بعضها الآخر، حتى تظهر الحقيقة كاملة ومثبتة وواضحة.

من المهم نشر ما يُعرف من هذه النصوص والبحث عن غيرها؛ كي يجد الدارس فيها المورد والجدة والثقة.

بعد سقوط عدد من المدن الأندلسية وسوء المعاملة - قبل غرناطة الحبيبة - التفتيشية ووحشياتها الموغلة التي لقيها المسلمون على يد السلطة النصرانية «كنسية وحكومية»، بدأ الرحيل إلى المدن الأندلسية الأخرى أو إلى المغرب.. تجمع في غرناطة منهم عدد كبير، اتضح مصيرها مبكراً، قبيل سقوطها الكبير عند بلوغ التماس.

رحل بعض العلماء، ولا يبدو رحيلهم أفضل اختيار لهم، أمثال:

القلصادي (٨٩١هـ/ ١٤٨٦م).

ابن الأزرق (٨٩٦هـ / ١٤٩١م).

الوادي آشي المؤرخ (٨٩٦هـ / ١٤٩١م).

بنو داود البلوية، الابن: أبو جعفر «هجرته ١٩٤هـ، وفاته بعد ٩٠٨هـ/ ١٥٠٢م).

آخرون ذكرهم المقري في: «أزهار الرياض»(٤).

إذا صح تقديري لعدد المسلمين في الأندلس لدى سقوط غرناطة بنحو ستة ملايين أو يزيد، فإن الكثرة الغالبة منهم ذهبت موزعة بين الترحيل والتقتيل، الذي تم - في كثير منه - حرقًا بالنار أحياءً وجماعيًا، بل وتجميعًا لأهل حي أو قرية أو مدينة، نساء ورجالا شيوخا وأطفالًا(٥)، ولعل ذلك تكرر مثلما ذكر صاحب «نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر» «مجهول المؤلف»: البقية القليلة ذابت(٦).

قامت محاكم التفتيش بدورها البغيض المتوارث، على مدى ثلاثة قرون، بدأت في أحرقت كل إسبانيا ثم في البرتغال، وقد شيء: الإنسان والإيمان والروح والريحان، وكل النتاج المكتوب بكل وسيلة باغية، ويحمى مسعورة مغرورة مجرورة نحو آسن المستنقعات.

العلماء دوماً القدوة في الثبات رغم معرفتهم بمصير الموت المحقق، كما فعل العديد منهم الذين واجهوا الموت رغم المغريات التي تقف عند تنصرهم، كما حدث للإمام المواق الذي عُرضت عليه أكياس الذهب، وقتل بعد شهور من سقوط غرناطة(٧).

ثبت المورسكيون في هذا الخضم العاتي، يخططون للحفاظ على دينهم بغاية من التصميم، كما بينه أحدهم محمد بن عبد الرفيع في كتابه المشار إليه سابقًا: «الأنوار النبوية في آباء خير البرية».

«الهوامش»

النجمة (*) بعد عنوان الكتاب تعني أنه لكاتب المقال.

(۱) محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها (*)، ص ٤٦.

(۲) المرجع السابق، ص ٦٥ – ٧٤.

(۳) نشرها محققة «د. حسين مؤنس» بصحيفة معهد الدراسات الإسلامية في مدريد، المجلد الخامس، ١٣٧٧هـ/ ١٩٥٧م. تجدونها في كتاب الونشريسي: المعيار المغرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، ٢/١١٩ - ١٤١، تحقيق جماعة من الفقهاء بإشراف د. محمد حجي، بيروت، ١٤٠١هـ/ ١٩٨١م، دار الغرب الإسلامي.

(٤) أزهار الرياض ١/٧١.

تجد معلومات مهمة في كتاب «هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة: ظروفها وآثارها»، وقد جرى إحصاء العلماء الذين هاجروا من الأندلس أو هجروها، وكانوا ۱۳ عالمًا، هاجر بعضهم بأسرهم. انظر: هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة (*)، ص ١١٥ وما بعدها.

(٥) ذكر ذلك المقري في نفح الطيب، ٤/٥٢٧.

(٦) يبدو أن المؤلف تعمد إغفال اسمه خوفاً من متابعات محاكم التفتيش؛ حيث انتهى من كتابته عام ٩٤٧هـ «بعد سقوط غرناطة بنحو خمسين عامًا»، يُعد شاهد عيان الأحداث غرناطة الأخيرة وما تلاها ساهم بجهاده في المعارك، كما شاهد ما تبعها من إجراءات محاكم التفتيش، الكتاب يعد وثيقة غاية في الأهمية والفائدة. انظروا: نهاية الأندلس، محمد عبدالله عنان، ص ١٩٥ و ١٩٦.

(۷) هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة، ص ۹۲ و ۱۱۹ و ٢٦۲.

الرابط المختصر :