; النموذج الإسلامي للثقافة العربية (2) خصائص النموذج الثقافي الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان النموذج الإسلامي للثقافة العربية (2) خصائص النموذج الثقافي الإسلامي

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013

مشاهدات 69

نشر في العدد 2051

نشر في الصفحة 42

السبت 04-مايو-2013

  • الإسلام صاغ النموذجَ والمثالَ والتصور والمعيار الذي كان التزامه من قبل الإنسان المسلم سبيلاً لأسلمة الثقافة التي صاغت النفس المسلمة.
  • الصناعة الثقيلة للإسلام هي تغيير النفس الإنسانية وصياغتها صياغة إسلامية لينعكس على واقعها ويتحقق العمران الإسلامي في النفس والواقع وتتحقق المقاصد الإلهية من وراء خَلْق الإنسان واستخلافه.
  • التصور الإسلامي جاء متميزاً عن جميع التصورات.. فــ «التوحيد » يفرد الذات الإلهية لا كمجرد خالق وحسب وإنما هو الخالق والراعي والمدبر لجميع المخلوقات.

النموذج: هو «التصور» و «المثال »، الذي يتحول إلى «معيار » فارق ومميز - في النسق الفكري - لمنظومة فكرية أو عقدية أو حضارية أو ثقافية عن غيرها من المنظومات المتميزة في «النموذج » و «التصور» و «المثال».

و «الثقافي » هو جماع ما يعمّر النفس الإنسانية ويصوغها ويهذبها، من سائر ألوان الإبداع والعطاء؛ إبداع الإنسان وعطاء المحيط، و «الثقافي » مع «المدني »، الذي هو جماع ما يتمدن، ويعمر به، الواقع المادي، ويرتقي ويتهذب، يمثلان معاً جماع الحضارة والعمران، فالثقافة عمران النفس الإنسانية، والتمدن عمران الواقع المادي؛ ولذلك كان الاشتراك الإنساني في «التمدن»، أي في عمران الواقع المادي، أكثر مما هو في «الثقافة » التي هي عمران النفس الإنسانية، إذ فيها تتجلى الخصوصيات بين الأمم والحضارات، لاستعصاء النفس، ومن ثم مقومات تهذيبها وعمرانها على النمطية والقولبة والتكرار الوارد في عمران الواقع المادي.

ولأن الإسلام كمنظومة عقدية، تكون من حولها نسق فكري مثّل «الرحم » الذي ولدت منه الأمة الواحدة، والدار الواحدة، والصبغة التي صبغت حضارة الأمة وميزاتها، عبر الزمان والمكان، وذلك فضلاً عن الوحدة في العقيدة والشريعة، حتى لكأنما قد خرجت أمته من بين دفتي قرآنه الكريم؛ لأن هذه هي المكانة المحورية للإسلام في حياة الأمة، فقد صاغ إنسانها، وحدد له معالم الطريق لبناء العمران الدنيوي، ولضمان النجاة الأخروية، تلك هي مكانة الإسلام في صياغة النموذج الثقافي  للأمة.

ولعل الإسلام قد بلغ هذا الدرب وصبغه بصبغته أكثر من المنظومات العقدية والفكرية الأخرى، دينية كانت أو وضعية، لأن الإسلام، مثّل منهاجاً شاملاً وجامعاً للروح والجسد، للفكر والمادة، للدين والدولة، لعالم الغيب وعالم الشهادة، للدنيا والآخرة، للذات والآخر، للفرد والطبقة والأمة، للتكاليف الفردية والكفائية الاجتماعية، حتى لقد جعل الاستمتاع الحلال بزينة الدنيا وطيبات الحياة عبادة لله، وصنف إماطة الأذى عن الطريق في شُعَب الإيمان.

 إن الإسلام، الذي مثل بمنهاجه الشامل هذا، الروح السارية في الحياة الإنسانية، وفي محيطها الطبيعي، وفيما وراء الحياة والطبيعة، بلغ في صبغ الثقافة الإسلامية بصبغته المتميزة الدرجات التي لم تبلغها المنظومات العقدية الأخرى، لقد صاغ النموذج والمثال والتصور والمعيار، الذي كان التزامه من قبل الإنسان المسلم السبيل لأسلمة الثقافة، التي صاغت النفس المسلمة.

وحتى الأعراف - التي لم يصنعها الإسلام- رأيناه يضبطها، ثم يجعلها مصدراً من مصادر التشريع، وحتى «الحكمة »، التي هي الصواب البشري، الذي يصل إليه العقل الإنساني، رأينا الإسلام يجعلها مناطاً للتكليف الشرعي، ويحدثنا عن أنها، كالكتاب، كلاهما تنزيل إلهي: ﴿كّمّا أّرًسّلًنّا فٌيكٍمً رّسٍولاْ مَنكٍمً يّتًلٍو عّلّيًكٍمً آيّاتٌنّا يٍزّكَيكٍمً يٍعّلَمٍكٍمٍ الكٌتّابّ والٌحكًمّةّ يٍعّلَمٍكٍم مَّا لّمً تّكٍونٍوا تّعًلّمٍونّ﴾ (البقرة: 151) .

لقد كانت الصناعة الثقيلة للإسلام هي تغيير النفس الإنسانية وصياغتها صياغة إسلامية، وذلك لتصوغ واقعها صياغة إسلامية كذلك، أي ليقوم العمران الإسلامي، في النفس والواقع، فتتحقق المقاصد الإلهية من وراء خلق الإنسان واستخلافه في الأرض لاستعمارها؛ ﴿إذً قّالّ رّبَكّ لٌلًمّلائٌكّةٌ إنَي جّاعٌلِ فٌي الأّرًضٌ خّلٌيفّةْ قّالٍوا أّتًجعّلٍ فٌيهّا مّن يٍفًسٌدٍ فٌيهّا يّسًفٌكٍ الدَمّاءّ نّحًنٍ نٍسّبَحٍ بٌحّمًدٌكّ ونٍقّدَسٍ لّكّ قّالّ إنَي أّعًلّمٍ مّا لا تعّلًمّوٍن﴾ (البقرة: 30)، ﴿هٍوّ أّنشّأّكٍم مَنّ الأّرًضٌ اسًتّعًمّرّكٍمً فٌيهّا فّاسًتّغًفٌرٍوهٍ ثٍمَّ تٍوبٍوا إلّيًهٌ إنَّ رّبَي قّرٌيبِ مَجٌيبِ﴾ (هود 61).

التوحيد.. في مقدمة الخصائص

تلك هي مكانة الإسلام في صياغة النموذج الثقافي للأمة الإسلامية.

وإذا كانت هذه هي خصوصية الإسلام، التي عظَّمت من دوره في صياغة النموذج الثقافي لأمته وحضارته، فإن في بناء هذا النموذج العديد والعديد من «اللبنات »، نقف عند تقديم نماذج منها، تعين على تصور دور الإسلام مقارناً بالتصور الغربي خاصة، في صياغة النموذج الثقافي المتميز للأمة العربية والإسلامية، فهي «لبنات » مثلت «خصوصيات » ميزت هذا النموذج الإسلامي في الثقافة عن غيره من النماذج الثقافية الأخرى، أولها التوحيد.

تنزيه الذات الإلهية

بلغ الإسلام، على درب عقيدة التوحيد، الذروة في تنزيه الذات الإلهية عن أي تعددية أو تركيب أو مماثلة أو شبيه لأي من المخلوقات والمحدثات، وصاغ للخالق تصوراً تجريدياً بلغ في التجريد أقصى ما يطيقه عقل الإنسان: ﴿قٍلً هٍوّ اللَّهٍ أّحّدِ (1) اللَّهٍ الصَّمّدٍ (2) لّمً يلّدٌ ولّمً يٍولّدً (3) ولّمً يّكٍن لَّهٍ كٍفٍوْا أّحّدِ (4)﴾ (الإخلاص)، وهو سبحانه وتعالى: ﴿ليّسً كمّثٌلًهٌ شّيًءِ هٍوّ السَّمٌيعٍ الًبّصٌيرٍ﴾ (الشورى: 11)، حتى لقد اجتهد علماء أصول الاعتقاد الإسلامي، كي يعبروا باللغة البشرية عن هذا التصور التنزيهي التجريدي الذي جاء به الإسلام للذات الإلهية، فلم يجدوا إلا طريق الوصف بالسلب، فقالوا عبارتهم الشهيرة: «كل ما خطر على بالك، فالله ليس كذلك »، فهو، سبحانه، مفارق، ليس فقط للمخلوقات، وإنما أيضاً، للتصورات الإنسانية عن هذه المخلوقات.

قدم الإسلام هذا النموذج للتوحيد، في  مقابل اليهودية التي تحولت بالتحريف، إلى وثنية، صورت الإله مصارعاً! وجعلته إلهاً لبني إسرائيل وحدهم، وللشعوب الأخرى آلهتها الأخرى!

وفي مقابل نصرانية اغتالت التوحيد، فسقطت في الحلول والتجسد وتعددية التثليث!

ولم يقف الإسلام بهذا التصور التنزيهي والتجريدي للتوحيد عند نطاق الاعتقاد الديني في ذات المعبود، وإنما أشاعه روحاً سارية في ثقافة الإنسان المسلم، وذلك عندما جعل من عقيدة التوحيد ثورة لتحرير الإنسان الموحِّد من العبودية لسائر الطواغيت.. ففي العبودية للمعبود الواحد قمة التحرر من أسر واستعباد كل ما عدا الله، ومن هنا تحول التوحيد، ويتحول إلى حياة يحياها الإنسان دائماً وأبداً، وليس فقط إلى تصور عند الشعائر والعبادات: ﴿قٍلً إنَّ صّلاتٌي ونٍسٍكٌي ومّحًيّايّ وممّاتٌي لٌلَّهٌ رّبَ العاّلميٌن (161) لا شّرٌيكّ لّهٍ بٌذّلٌكّ أٍمًرتٍ أّنّا أّوَّلٍ المًسٍلمٌيٌن (163)﴾ (الأنعام.: 162 – 163).

تصور متميز

وهذا التصور الإسلامي الذي يُخلِص العبودية لله الواحد في كل الميادين؛ الدينية، والدنيوية، والأخروية؛ ﴿صّلاتٌي ونٍسٍكٌي ومّحًيّايّ وممّاتٌي لٌلَّهٌ﴾ هو الذي ميز النموذج الثقافي الإسلامي بتصور متميز لنطاق عمل الذات الإلهية، انفردت به الثقافة الإسلامية.

ففي الأرسطية اليونانية كان التصور للذات الإلهية باعتباره مجرد خالق للعالم، خلقه وانتهت علاقته به، وتدبيره موكول إلى الأسباب الطبيعية والمادية المودعة في ظواهره وقواه.

وفي الوثنية الجاهلية كان التصور لنطاق عمل الذات الإلهية قريباً من هذا التصور الأرسطي، فالوثنيون في الجاهلية لم يكونوا ينكرون الله خالقاً للمخلوقات: ﴿لّئٌن سّأّلًتّهٍم مَّن نَّزَّلّ مٌنّ پسَّمّاءٌ مّاءْ فّأّحًيّا بٌهٌ الأّرًضّ مٌنً بّعًدٌ مّوًتٌهّا لّيّقٍولٍنَّ پلَّهٍ قٍلٌ پًحّمًدٍ لٌلَّهٌ بّلً أّكًثّرٍهٍمً لا يّعًقٌلٍونّ﴾ (لعنكبوت: 63)، لكنهم كانوا يشركون معه الطواغيت والأوثان في تدبير العمران الدنيوي، فيلجؤون إلى هذه الأوثان إذا أرادوا الحرب أو السلم، السفر أو الحِلّ، الإقدام أو الإحجام.. إلخ، فجعلوا الله خالقاً، ووقفوا بنطاق عمله عند الخلق، وجعلوا تدبير العمران للشركاء والطواغيت ﴿فّقّالٍوا هّذّا لٌلَّهٌ بٌزّعًمٌهٌمً وهّذّا لٌشٍرّكّائٌنّا﴾ (الأنعام: 136) .

وقريباً من هذا التصور الذي يعزل الذات الإلهية عن تدبير العمران الإنساني، ويحرر سياسة هذا العمران من شريعة السماء، جاء التصور اللاهوتي النصراني، عندما قال: «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله »، فحرر «قيصر ،» أي الدولة والمجتمع والعمران، من قانون الله وشريعة السماء، جاعلاً تدبير العمران إلى المرجعية الإنسانية وحدها.

ولذلك كان التصور العلماني الغربي الوضعي، والمادي طبيعياً في ذلك الإطار، فهو عندما رأى العالم مكتفياً بذاته، والطبيعة تدبرها الأسباب المادية المركبة في ظواهرها وقواها، والدولة والاجتماع البشري يديرهما ويسوسهما الإنسان بالعقل والتجربة، إنما كان إحياء حديثاً للتصور الأرسطي لنطاق عمل الذات الإلهية، الخلق دون الرعاية والتدبير، كما كان تصحيحاً، رد الكنيسة التي تجاوزت رسالة النصرانية، عندما جمعت السلطة الزمنية إلى السلطة الروحية، ردها إلى نطاق التصور اللاهوتي لرسالة نصرانيتها ولنطاق عمل إلهها، «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله».

خالق وراعٍ ومدبر

أما التصور الإسلامي فقد جاء متميزاً  عن جميع تلك التصورات، فالتوحيد فيه يفرد الذات الإلهية، لا كمجرد خالق وفقط، وإنما هو الخالق والراعي والمدبر لجميع المخلوقات، فالأمر والتدبير له، سبحانه، وليس الخلق فحسب؛ ﴿أّلا لّهٍ الخّلًقٍ الأّمًرٍ تّبّارّكّ اللَّهٍ رّبٍ العّالميٌنّ﴾ (الأعراف: 54)، ﴿قّالّ فّمّن رَّبَكٍمّا يّا مٍوسّى قّالّ رّبٍنّا الذٌي أّعًطّى كٍلَّ شّيًءُ خّلًقّهٍ ثٍمَّ هّدّى﴾ (طه: 50)، ﴿قٍلً إنَّ صّلاتٌي ونٍسٍكٌي ومّحًيّايّ وممّاتٌي لٌلَّهٌ رّبٌ العّالميٌنّ لا شّرٌيكّ لهٍّ بذٌّلكٌّ أمٍرًتٍ أنّا أوّلٍ المًسٍلمٌيٌن﴾.

وبهذا التصور الإسلامي للتوحيد، ولنطاق عمل الإله الواحد، تميز النموذج الإسلامي، وسرى هذا التميز في الثقافة الإسلامية عندما صاغ هذا التصور المتميز النفس التي تصورت الذات الإلهية على هذا النحو من التنزيه والتجريد، والتي رأته المدبر لكل المخلوقات، والحاكم في مختلف ميادين العمران.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

114

الثلاثاء 06-يوليو-1971

تعقيب «المجتمع»

نشر في العدد 112

93

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

مهلًا.. يا بنت الخنساء!

نشر في العدد 131

128

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره