; الهجرة خطوة على طريق بناء الدولة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الهجرة خطوة على طريق بناء الدولة الإسلامية

الكاتب عدنان الزنكي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

مشاهدات 87

نشر في العدد 593

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 02-نوفمبر-1982

يعتبر حادث الهجرة النبوية الشريفة انقلابًا اجتماعيًا وسياسيًا ومنهجيًا أدى إلى تغيير كثير من الموازين المتعارف عليها، والتي كانت تحكم الجزيرة العربية أمدًا من الزمان... حيث برزت في أعماق المجتمع القبلي نواة الدولة النظامية ذات الفكر والمنهج المخالف لما تعاهد عليه الناس... وبدأت ملامح المواجهة والتحدي تظهر منذ انتقال قائد الحركة الوليدة -الرسول r من مجتمع النشأة إلى مجتمع النمو والاتساع، وتطور نمط التحدي الجاهلي من دور المواجهة الشاملة على جميع الأصعدة.. عسكريًا وسياسيًا وإستراتيجيًا ... دولة بدولة.. جيش بجيش.. ومنهج بمنهج.

● الطريق إلى تأسيس دولة الفكرة الإسلامية:

وكما أن لهذا الحادث نتائجه البارزة... فكذلك كان يملك رصيدًا من المقدمات والخطوات التحضيرية، مما يدل على أن هذ الحادث جاء مكملًا لبنود المخطط الشامل الذي وضعه الرسول r بوحي من الله. وذلك بهدف تأسيس دولة وحكومة إسلامية خالصة.

وسنحاول تتبع مراحل هذه الخطة الشاملة وفق التسلسل التاريخي لأحداث السيرة النبوية الشريفة:

1- بعد أن كثر عدد المسلمين في مكة، وأصبحوا يمثلون كيانًا بارزًا داخل المجتمع الجاهلي، وبعد أن انتقلت الفكرة الإسلامية خارج نطاق المجتمع القرشي، وأصبح لها أنصار متناثرون بين القبائل.. صارت الحاجة ملحة لقيام تكتل إسلامي منظم. يلم شتات المسلمين، ويرعى مصالحهم، وينتظمهم في كيان عضوي يواجه فيه الكيان الجاهلي المنظم.. ذلكأن الحركة الإسلامية الوليدة كانت تواجه «جاهلية اعتقادية تصورية، تقوم عليها أنظمة واقعية عملية، تسندها سلطات ذات قوة مادية».. ومن ثم وجب على الحركة الناشئة أن تكون في مستوى المواجهة.

وقضية أخرى مهمة، وهي أن المنهج الإسلامي يعتبر منهجًا توسعيًا في ذاته، لا يقبل الانحصار ضمن حدود أو العيش على هامش الفكر البشري، في حين أن المنهج الجاهلي يعتبر منهجًا انغلاقيًا، من طبعه أن يتشرذم ويتكور على نواته ليحافظ على كيانه الخانق المظلم... إن المنهج الإسلامي لا يسعه أن يعيش تحت وطأة الحكم الجاهلي، وبشروط يمليها عليه عملاء الجاهلية.. فكان لا بد من دولة ذات نظام إلهي، وحكومة قادرة على تأمين متطلبات الحكم الإسلامي، ومتطلبات التوسع الأفقي والرأسي للدعوة.

وبدأت محاولات الرسول rلإيجاد الأرض الصالحة لقيام الدولة... وكانت رحلته إلى الطائف ولكنها لم تنجح.

2- استطاع الرسول rأن يؤمن اتصالاته الخارجية عن طريق وفود القبائل القادمة إلى الحج أو التجارة. وقد كان rصريحًا في عروضه، واضحًا في شروطه... روی ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» أنه -أي الرسول r- أتى بني عامر بن صعصعه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس «والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر لله يضعه حيث يشاء» قال:

فقال له: «أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه».

لقد أرادوها دولة مصالح، وأرادها الرسول دولة عقيدة وإيمان، وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله لو أن الدولة بدأت خطواتها الأولى دولة مصالح، أو دولة زعامات.. أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد «لا إله إلا الله»... ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع إلا أن تبدأ الدولة ذلك البدء، وإلا أن ترفع هذه الراية -«الأمر لله يضعه حيث يشاء»- ولا ترفع معها سواها.

3- وجد رسول الله rضالته في ستة نفر من أهل يثرب قدموا إلى موسم الحج. فأسلموا على يديه، وواعدوه على نشر الدعوة في قومهم إذا رجعوا.

علم الرسول r أن يثرب هي الأرض الموعودة لإقامة الدولة.. عن عائشة قالت: قال رسول الله r -وهو يومئذ بمكة- للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين».. رواه البخاري. 

وبدأت الخطوات العملية تأخذ حيز التنفيذ لإقامة الدولة الناشئة وفقًا لمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: وفيها تمت عملية «التعريف» بالفكرة الإسلامية ونشرها بين سكان يثرب قبل انطلاق نبي الله إليها، قال ابن إسحاق: «فلما قدموا المدينة -أي النفر الستة من الأنصار- ذكروا لهم رسول الله r، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله r».

وقوله «فلم تبق دار من الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله» لا يعني دخول الأنصار جميعهم في الإسلام، بل يعني انتشار الفكرة الإسلامية بين سكان المدينة وتعرفهم على شخصية الرسول r.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة «التكوين» وبناء الشخصية الإسلامية الصلبة عن طريق الانتقاء والتربية العقائدية للنخبة المنتقاة، وهم الاثنا عشر رجلًا الذين بايعوا الرسول r بيعة العقبة الأولى، وكانت بيعة عامة على معاني العقيدة والطاعات.. «بايعنا رسول الله r ليلة العقبة الأولى ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف».

وفي هذه المرحلة بعث رسول الله r مصعب بن عمير إلى المدينة ليتولى مسئولية الدعوة والتربية وانتقاء عناصر جديدة لتحمل مهام الدعوة استعدادًا للمرحلة القادمة.

المرحلة الثالثة: حيث بدأت فيها عملية «التنفيذ» الفعلي لبناء الدولة بعد أن تكونت القاعدة الصلبة من المسلمين الذين بايعوا الرسول r في العقبة الثانية.. وكانت بيعة على العمل الجاد الذي لا هوادة فيه.. «فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال «تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم - ولكم الجنة».

ورجع الأنصار إلى ديارهم حاملين معهم أعباء التكليف. وبدأوا العمل الجاد حتى فشا الإسلام في يثرب ودخل كل بيت. ومن خلال تتبع مراحل قيام الدولة الإسلامية وما يحيط بها من أحداث... نستخلص بعض الملاحظات والفوائد:

  1. لقد حرص قائد الحركة الإسلامية الأولى -الرسول r- على التدرج في مراحل العمل للوصول إلى الدولة المنشودة فلم يستعجل قطف الثمرة قبل أوان نضجها، ولم تستفزه حماسة الشبان المؤمن المحيط به فيعتسف الطريق، ولم يصادم سنن الله الكونية وضوابط المنطق العقلي.. بل سار وفق ما أراد الله له أن يسير، بخطوات متزنة، ومرحلية ثابتة، حتى بلغ الهدف.

وهكذا يجب أن يكون حالنا اليوم... إننا كحركة إسلامية نواجه اليوم ردة جاهلية متمثلة بأنظمة شرسة، وهذه الردة ألقت على كواهلنا أمانة السعي نحو إعادة الدولة الإسلامية، وبالتالي فإن أوضاعنا -كحركة إسلامية- لا تختلف كثيرًا عن أوضاع الحركة الأولى.. وواقع الجاهلية الحالي يكاد يتطابق مع واقعها بالأمس، فمصلحة ذلك أن يكون مسلك الدعوة مشابهًا لمسلك الرسول r في التخطيط المرحلي.. هذا مع ملاحظة أن التقيد بالترتيب والفاصل الزمني ليس شرطًا في مبدأ المرحلية... فكثيرًا ما تتداخل المراحل أو تسير جنبًا إلى جنب نظرًا لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بين جزئياتها، ولكن بقي وجودها في العمل الإسلامي المنظم أمرًا أساسيًا وهامًا.

  1. أن السير المرحلي يستدعي بالضرورة وضع أهداف مرحلية تتوافق مع إمكانيات الدعوة وطاقاتها المتوفرة لكل مرحلة.

ومن خلال تتبع الخطوات المرحلية في مسيرة الرسول r نحو الدولة الإسلامية، يمكن أن نستلهم بعضًا من تلك الأهداف:

1- حرص الرسول r في بداية اتصاله بالأنصار على تقريب الفكرة الإسلامية لكل فرد حتى يكون على بينة من الدعوة.. ثم كانت بيعة العقبة الأولى والتي تحقق من خلالها الهدف المرحلي الأول وهو بناء «الفرد المسلم» القادر على تحمل تكاليف الدعوة.

 ٢ - شارك العنصر النسائي في العمل الإسلامي، حيث بايع الرسول r امرأتين من الأنصار في بيعة العقبة الثانية وفي ذلك دلالة على أن نواة المجتمع الإسلامي «الأسرة» بدأت تنمو وتترعرع تحت رعاية الدعوة الإسلامية.

وهذا يحقق الهدف المرحلي الثاني وهو بناء «البيت المسلم».

3- بعد رجوع أفراد البيعة الثانية إلى المدينة أظهروا إسلامهم وفشا الإسلام في كل بيت، وفي الوقت ذاته أمر الرسول r أتباعه بالهجرة إلى المدينة.. فتم التلاحم الشعبي بين المسلمين، وبرز إلى الوجود «الشعب المسلم» الذي يمثل القاعدة الطبيعية للحكومة الإسلامية... وهنا -وهنا فقط- انتقلت الزعامة الإسلامية المتمثلة بالرسول r إلى المدينة لتعلن قيام «الدولة الإسلامية».

  1. بعد أن أخذت الدعوة الإسلامية الناشئة بُعدها السياسي في محاولة إقامةدولة مستقلة تحكمها شريعة الإسلام... أحس زعماء الجاهلية أن وجودهم العقائدي بات مهددًا بالفناء على يد تلك الدولة.. فأجمعوا جهدهم ومكرهم لمنع قيامها بشتى الوسائل.

روى ابن إسحاق: عن عبد الله بن كعب بن مالك -وهو أحد الذين بايعوا الرسول في العقبة الثانية- قال: «فرجعنا إلى مضاجعنا -بعد البيعة- فنمنا فيها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا إلى منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا إنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعثت من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء وما عملناه وبعضنا ينظر إلى بعض، ثم قام القوم».

وحين عزم الرسول r على الهجرة إلى المدينة عقد زعماء الجاهلية اجتماعًا طارئًا في دار الندوة لينظروا في أمره. فكان مما دار في اجتماعهم.. «قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله لا نبالي أين ذهب ولا حيث وقع.. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حُسن حديثة وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال عما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد».

هذا هو موقف الجاهلية قديمًا وحديثًا.. أن الجاهلية قد ترضى بوجود كيان إسلامي يعيش ضمن إطارها الضيق، ويمارس نشاطه في الحدود التي تكفل الأمن للنظام الجاهلي القائم.. ولكنها لا ترضى بأي حال من الأحوال قيام دولة إسلامية ذات نظام ومنهج مستقل.

وعليه فإن إعادة الحكم الإسلامي المغتصب إلى الواقع لا يتحقق إلا من خلال حركة إسلامية واعية.. منهاجها التوكل على الله والسير على هدى الرسول r وعدم الوثوق بالوعود البراقة،والاعتقاد الجازم بأن حكم الله لن يعود «بجرة قلم». بل بجهد وجهاد، وعطاء وتضحيات، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

الرابط المختصر :