العنوان الوسطية التي نعرفها
الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1870
نشر في الصفحة 32
السبت 19-سبتمبر-2009
تؤهل أمتنا للشهادة على الأمم الأخرى أمام رب
العالمين وهي منهج متكامل وطريق شامل يتسع للسالكين فيها بشتى مشاربهم وطاقاتهم
العملية
من الخطأ الجسيم فهم وسطية الإسلام بأنها
مصادقة الكفار والظالمين وعدم إنكار أفعالهم
يخرج من وسطية الإسلام المعتدي على حياة
الناس وعقائدهم والمغالي في الدين بغير الحق
تعرض هذا النهج الشرعي القويم للتشويه في
الآونة الأخيرة، وأراد بعضهم أن يجعل له مفهومًا أجنبيًا، يفهم منه أن الوسطية في
الإسلام تعني مذهبًا ليس فيه
مقاومة للمعتدين، ولا جهاد للمحتلين والظالمين،
ولا يمانع التعامل السمح والقبول الطوعي مع الطرف الآخر، حتى لو أعلن في المنابر
العلنية حربا صليبية ضد الإسلام والمسلمين، وشنها بالفعل في أنحاء كثيرة من العالم
الإسلامي.
وأن الوسطي هو الشخص الذي يخالل الكفار
والفسقة ولا ينكر عليهم أي فعل فعلوه بحجة احترام الرأي الآخر، والتعامل معه
باعتباره كائنًا حيًا ناطقًا بغض النظر عما يحمله أو يعمله من أعمال منافية للحق،
أو ما يقترفه من جرائم واعتداء على الدين والأمة، وما ينتهكه من أعراض ويغتصبه من
أراضٍ وأموال للمسلمين، وما يهدره من حقوق مع أن توجيهات قرآننا وسنة نبينا في
التعامل مع هؤلاء قاطعة وفاصلة، ولم تُترك لاجتهاد مجتهد وفلسفة متفلسف أي مجال
قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَكُمُ النَّارُ
وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود:113)،
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات
الله يُكْفَرُ بهَا وَيُسْتَهْزَاً بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوَضُوا
فيِ حَدِيثِ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مَثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ
الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء:140)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ جَاهد الكفار والمنافقينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التحريم:9).
والأحاديث الكثيرة الواردة في توجيه المسلم
وحمله على مقاطعة فسقة المسلمين وعدم مقاربتهم، ناهيك عن كافر حربي، أو مرتد خارج
عن الملة، أو منافق مارق، كقوله ﷺ: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا
تقي».
وقوله ﷺ: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل
المسك ونافخ الكير فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه
ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة»، وقوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم
يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال ذرة».
أما الوسطية التي نعرفها وتتصف بها أمتنا،
وجعلتها مؤهلة للشهادة على الأمم الأخرى أمام رب العالمين ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أَمَةً وَسَطًا لَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَسُولَ عَلَيْكُمْ شِهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣)، فهي منهج متكامل وطريق شامل يتسع
للسالكين فيها بشتى مشاربهم وتوجهاتهم وطاقاتهم العملية، فلمن يريد من المسلمين أن
يصوم الدهر كله إذا كان ذلك في مقدوره، وأن يقوم الليالي المتتابعة، وينفق ماله
كله فيما يرضي الله، ويلقي نفسه في مظان الموت في سبيل إعلاء كلمة الله، وأن يجهد
نفسه في قراءة القرآن يقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة والأنعام،
والأعراف في ركعة واحدة، ثم يقرأ بقية النصف الأول من القرآن الكريم في الركعة
الثانية، وأن يكلف نفسه بما لم يلزم به من الطاعات والقربات النوافل.
له إذا استطاع أن يذكر الله فلا ينساه، وأن
يكون لسانه رطبًا بذكر الله وقراءة القرآن، ولا يجف عنهما أبدا، وله أيضًا أن
يعتزل النساء فلا يتزوج، وأن ينقطع عن الخلق لعبادة رب الخلق وأن يجعل نفسه وقفًا
لطلب العلم والسعي فيما يرضي الله، إلى غير ذلك من النماذج التي لها أمثلة حية
وواقعية في أمتنا الإسلامية على مر التاريخ، بدءًا من الرعيل الأول كأبي بكر
الصديق رضي الله عنه الذي أنفق ماله كله في سبيل الله، وعندما سئل: ماذا تركت
لأولادك؟ قال: الله ورسوله، وابن عمر رضي الله عنهما الذي كان يجهد نفسه في تتبع
آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه الذي منع ادخار
قوت الغد لأن له رب الغد، وابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي كان يختم القرآن
كل ثلاثة أيام، ومرورًا بحجة الإسلام الغزالي يرحمه الله الذي انقطع عن العالم
لعبادة رب العالم.
والمتنسك الجنيد الذي عزف عن الدنيا وزخرفها
حتى أصبح إمامًا في هذا المجال، ومحيي الدين بن شرف النووي الذي ترك الزواج وانقطع
لطلب العلم، وانتهاء بمن عاصرناهم من المتعبدين الأخيار والمجاهدين الأشاوس
والمنفقين الكرماء، والقراء المتبتلين، والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، وجموع من
المؤمنين الذين أكرمهم الله وذاقوا حلاوة الإيمان، فهانت لديهم الدنيا بما حوت،
وهؤلاء ليسوا غلاة ولا متطرفين كما يظن الغافلون ولكنهم سباقون إلى الطاعات ﴿وَالسَّابِقُونَ
السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ﴾ (الواقعة:10-11).
كما أن منهج الوسطية وطريقها يتسع لمن يكتفي
بأداء ما فرض عليه عينا أو كفاية، سواء في العبادات البدنية المحضة، أو في
العبادات البدنية والمالية معًا، أو العبادات المالية المحضة أيضًا، لحديث
الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله عن فرائض الإسلام فذكر له: «خمس صلوات
في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، والزكاة، والحج»، فقال: هل عليّ غيرها يا رسول
الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا! إلا أن تطوّع»، قال: والله لا أزيد
على هذا ولا أنقص، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح وأبيه إن صدق».
مقترف الذنوب
كما يقبل في سلك الوسطية ظاهرًا بأكثر من هذا
من يقترف إثما بينه وبين الله، وخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا
صَالِحًا وَآخَر سَيْئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾ (التوبة:103)، فلا يكلف أحد بتفتيش أحوال الناس أو التجسس على عوراتهم، ما
لم يُظهروا معصية، ولم يجاهروا بفسق، ولم يعتدوا على أحد من خلق الله المحترمين في
نظر الشريعة قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ
اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن
ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي
أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا
يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (فاطر:32-35). وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلا مَن ظَلَمَ
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء:148).
خارجون من الوسطية
ويخرج عن منهج الوسطية اثنان:
أحدهما: من يعتدي على حياة الناس أو عقائدهم أو على
أموالهم أو أعراضهم فهذا مدان شرعا، ومعاقب في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقْتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مَنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي
الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة:33). وقال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصَاصُ القَتْلَى الْحُرُ بالحَرَ
وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
شَيْءٌ فَاتَبَاعٌ بالمعرُوفِ وَأدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذلك تخفيف من رَبِّكُمْ
وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة:178).
والعقوبات الشرعية من القصاص في النفس، أو
الأطراف، أو الرجم والجلد، وقطع الأيدي والأرجل، وما دون ذلك من التعزيرات واردة
في حق من يعتدي على هذه الحقوق المصونة، والأصول المرعية حتى ينزجر من لا يوقفه عن
هذه الجرائم إلا الردع ولا يمنعه من ارتكاب الموبقات إلا العقوبة الصارمة، قال
تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ (البقرة).
ثانيهما وهم صنفان: من تنطع وغالى في الدين أو باسم الدين بغير
الحق، ليس ليحمّل نفسه على ما لا تطيق، أو يجهدها بما يشق عليها من طاعات كما
ذكرنا، فهذا شأنه، ولا ضير فيه إذا كان ضرر غلوه لا يتعدى إلى الآخرين، وإنما من
غالى في الدين بغير الحق، ويستبيح دماء الناس وأعراضهم وأموالهم باسم الدين -
والدين منه براء - ولأنه تجاوز حدود الوسطية والاعتدال، ولم يسعه ما وسع بقية
المسلمين، إما لشذوذ نفسه ومزاجه المنحرف وعقله المريض الذي لا يفهم المبادئ
الشرعية والنصوص الواردة كما يفهمها أصحاب العقول السليمة والأفهام السديدة
والأمزجة السوية والمرجعيات الصحيحة، وهؤلاء هم الصنف الأول من المغالين وهم
الدهماء والغالبية العظمى من المتطرفين والغلاة بغير الحق، الذين يستخدمهم الصنف
الثاني الآتي ذكره لهدم كيان الأمة وإضعاف قدرتها ومقومات وجودها وقتل روادها
وقياداتها العلمية والسياسية.
الصنف الثاني: قوم لهم ثأرات ضد الأمة وناقمون عليها؛ بسبب
عضويتهم في مؤسسات أجنبية واستخبارات عدوة تكن كل الكراهية والحقد لأمة المصطفى ﷺ ، لا تدخر وسعًا لابتكار أية طريقة تنال بها من الأمة
الإسلامية، ولو كان ذلك باسم الدين أو الجهاد في سبيل الله، أو التحاكم إلى شريعة
الله اتباعا لأسلوب المثل السائر: «إنما تكسر الأحجار بعضها بعضًا»، ولا غرابة إذا
كان أقطاب هذا الصنف وقادته متمسحين بمسوح الدين، ويرتدون زي العلماء الصالحين، بل
ويقلدونهم في الحركات والسكنات؛ ليسهل لهم قيادة الدهماء وليغتر بظاهرهم كثير من
عوام المسلمين؛ حتى يتمكنوا من أداء ما كلفوا به من أدوار جهنمية ﴿وَقَالَت
طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ
آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل
عمران:72).
ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «دعه «يعني
ذا الخويصرة الذي أساء إلى النبي ﷺ»، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته
مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من
الرمية»، وفي رواية: « .. يقتلون أهل الإيمان، ويدعون أهل الأوثان».
(*) كاتب وباحث صومالي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل