الثلاثاء 17-يونيو-1986
- كانت أمنية الاستعمار الإنكليزي طمس الشخصية الإسلامية في الهند كما حدث في الأندلس والجمهوريات الإسلامية الواقعة في روسيا
الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي هو رئيس القضاة لشئون الأحوال الشخصية للمسلمين في الهند، وهو من الأعضاء المؤسسين لهيئة الأحوال الشخصية التي لها دور بارز في الحفاظ على القوانين الإسلامية التي تتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين. وللشيخ نشاط في عدة جوانب؛ حيث يحاول دائمًا حل المشاكل الاجتماعية والسياسية للمسلمين، كما أنه من خلال اختصاصه الفقهي يقوم بدور بارز في تقنين البنود لقوانين الأحوال الشخصية؛ وذلك لقناعته بأن الدولة التي يعيش فيها المسلمون كأقلية لا يوجد سبيل للاحتفاظ بكيانهم ووجودهم إلا من خلال المحافظة على ما تبقى من القوانين الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بالنكاح والطلاق والمواريث. ويعتقد الشيخ مجاهد الإسلام بأن تجربته في الهند بإنشاء دور القضاء الإسلامي مع السلطة هنالك للأغلبية الهندوكية تعتبر تجربة فريدة يمكن للأقليات المسلمة الأخرى أن تنهج نهجها في البلاد الأخرى حتى لا يذوب المسلمون في المجتمعات غير الإسلامية، حتى لو كانوا أغلبية مثل ألبانيا. ومن هذا المنطلق أدلى فضيلة الشيخ بالحديث التالي لمندوب المجتمع حيث قال:
- المسلمون بين القوانين البريطانية والهندوكية
إنكم تعرفون الأحوال التي عليها الآن كل من الأندلس وبخارى وسمرقند والترمذ، والتي حدثت حينما زالت السلطة المادية من أيدي المسلمين فقدوا السلطة الدينية أيضًا، حتى أصبحنا نكاد لا نجد في الأندلس أو بخارى أو سمرقند من يقول: لا إله إلا الله، وكانت هذه هي أمنية البريطانيين في الهند حينما استعمروا بلادنا وأرادوا القضاء على الشخصية الإسلامية وإنهاء الميزة الدينية للمسلمين، وخططوا لتنصير المسلمين، ولكن الله سبحانه وتعالى قد وفق علماءنا للجهاد ضد هذه الأمنية الاستعمارية والحفاظ على الإسلام الذي لا يزال دينًا متميزًا للمسلمين حتى الآن، والحمد لله.
إن مسألة الأحوال الشخصية للمسلمين مسألة مهمة جدًّا، فإن البريطانيين قد غيروا القوانين الإسلامية خلال استعمارهم لبلادنا مثل قوانين الحدود والمعاهدات، لكن مسألة القوانين الشخصية هي التي كانت عقبة أمام الاستعمار البريطاني لم يتمكنوا من تغييرها؛ لأنهم تأكدوا من أن تلك القوانين من صميم الدين الإسلامي، ولا يمكن للمسلمين أن يتنازلوا أو يتساهلوا في أمرها أبدًا.
وفي عام ١٩٣٧ أقر البرلمان الهندي في عهد الاستعمار البريطاني أن مسألة النكاح والطلاق والخلع والظهار والوصية والهبة والشفعة والوقف والولاية والحضانة والوراثة يجب أن تقضي فيها المحاكم حسب قوانين الشريعة الإسلامية، إذا كان المتخاصمان من المسلمين، وبعد أن حصلت الهند على استقلالها من بريطانيا أصبح الدستور الهندي يمنح جميع أفراد الشعب الهندي الحرية في الاعتقاد بمذهبه والعمل بمذهبه والتبليغ بمذهبه، ولكن مع هذا الحق الدستوري كان من اليساريين والمتطرفين من الهنادكة مؤامرات خاصة ضد المسلمين؛ لأنهم لا يرغبون في وجود أي دين أو مذهب، إلى جانب ديانتهم ومميزاتهم، بل لا يرون للمسلمين حرية إلا في أداء العبادات في وجود أي دين أو مذهب، إلى جانب ديانتهم ومميزاتهم، بل لا يرون للمسلمين حرية إلا في أداء العبادات فقط، أما ما عدا ذلك فلا يقبلونه من المسلمين أبدًا؛ لأنهم يخططون لإلغاء القوانين الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين ويطالبون بتطبيق القانون الموحد على جميع أبناء الهند بما فيهم المسلمين مع تعارض ذلك القانون مع المبادئ الإسلامية الأساسية، وتعارضه كذلك مع بنود الدستور الهندي نفسه. وهم بذلك يريدون القضاء على الطابع المميز للمسلمين في الهند. وقد صرح قاضي المحكمة العليا بالهند بأنه يجب فرض القوانين الموحدة على المسلمين قهرًا. ويعتبر تصريح ذلك المسئول القانوني الكبير انعكاسًا لنوايا الحكومة الهندية حول هذه القضية، وإن كانت الحكومة لا تريد التصريح بذلك بطريق مباشر.
وعلى سبيل المثال فإن وزير العدل الهندي عرض مشروع قانون التبني على البرلمان الهندي عام ١٩٧٢ ليصبح واجب التطبيق على جميع الهنود، مع ما في ذلك من تناقض مع التعاليم الإسلامية. وقد صرح الوزير عند عرضه لهذا المشروع بأنه يعتبر خطوة أولى نحو تطبيق القوانين الموحدة، ومشروع قانون التبني هذا كان يعطي للابن بالتبني جميع حقوق الابن الحقيقي؛ من ميراث وغيره. كما ورد في قوانين المبادئ التوجيهية للحكومة الهندية أن الحكومة لديها خطة على المدى البعيد لتطبيق القوانين الموحدة على جميع المواطنين، وذلك في البند رقم 44 لذلك القوانين. وقد استغلت الحكومة بعض الذين يدعون بأنهم مسلمون وهم ليسوا مسلمين ليبثوا البلبلة في صفوف المسلمين ويصرحون علنًا بأن قوانين الشريعة الإسلامية قوانين قديمة وبالية لا تصلح للقرن العشرين.
- منجزات هيئة الأحوال الشخصية
أمام هذه التحديات قام علماء المسلمين بجولات في شتى المناطق داخل الهند لتوعية المسلمين ودعوتهم إلى عقد مؤتمر شعبي لجميع المسلمين بالهند على اختلاف مذاهبهم، وقد تم عقد هذا المؤتمر الشعبي بالفعل في يومي ۲۷- ۲۸ من ديسمبر ۱۹۷۲، وقد أسفر ذلك المؤتمر عن إنشاء هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين للدفاع عن وجود المسلمين وكيانهم وقوانينهم الإسلامية الأساسية، ولم تشهد الهند مثل ذلك المؤتمر الشعبي الحافل منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا.
وكان أول رئيس للهيئة الجديدة هو الشيخ محمد الطيب رحمه الله الذي توفي عام ١٩٨٣م، وقد انتخب فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الندوي رئيسًا جديدًا للهيئة عام ١٩٨٤، أما الشيخ منة الرحمن فهو أول أمين عام للهيئة منذ تأسيسها ولا يزال، ونتمنى له العافية وطول العمر. ويبلغ عدد الأعضاء التنفيذيين للهيئة ٤١ عضوًا. والأهداف الأساسية للهيئة هي الحفاظ على قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين وتطبيق هذه القوانين على المسلمين قدر الاستطاعة من أجل إصلاح المجتمع ومواجهة التيار المعادي للمسلمين ولقوانين الأحوال الشخصية من هنادكة ويساريين، وكذلك إعداد المسلمين أنفسهم وتوعيتهم لقبول هذه القوانين الإسلامية، وإنشاء محاكم إسلامية للنظر في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين حتى لا يمثلوا أمام المحاكم الحكومية الهندوكية في مثل تلك القضايا. وكان من أهم منجزات الهيئة أن أعضاءها تمكنوا بفضل جهودهم المكثفة لدى الحكومة والبرلمان من إلغاء تطبيق قانون التبني على المسلمين في عام 77، واستثناء المسلمين من تطبيق ذلك القانون لتعارضه مع الشريعة الإسلامية. ومثل هذه القوانين التي تريد الحكومة تعميمها على المسلمين مع تعارضها مع مبادئ دينهم ومعتقداتهم إنما هي من قبيل جس النبض لدى المسلمين، ولمعرفة ما إذا كانوا سيقبلون التنازل عن بعض جوانب معتقداتهم أمام إصرار الحكومة حتى يكون ذلك طريقًا لفرض القوانين الموحدة عليهم تدريجيًّا، كذلك نجحت جهود الهيئة لإيقاف مشروع قانون برلماني في آخر أيام رئيسة الوزراء السابقة أنديرا غاندي، يلزم المسلمين بضرورة وضع أموال الوقف الخاصة بالمسلمين في البنوك الربوية وشراء حصص في تلك البنوك وفرض رسوم على الأموال الوقفية، كما أن بعض هذا المشروع كان يفتح المجال لإحراز الأراضي الوقفية، فرفضت الهيئة هذا المشروع بقوة وقدمت تعديلات جذرية حتى لا يتعارض المشروع مع القانون الإسلامي. وقد أدى موقف هيئة الأحوال الشخصية القوي إلى تجميد المشروع الحكمي. ونحن ما زلنا نتابع الموضوع ونطالب بإصلاحه أو استثناء المسلمين من هذا المشروع.
هذه كلها من منجزات هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين، والتي من أهمها أن الهيئة أوجدت للمسلمين في الهند رصيدًا يلتقون عليه رغم اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم الفكرية، كما أوجدت وعيًا لدى غالبية المسلمين للدفاع عن معتقداتهم بأي ثمن.
- قضية نفقة المرأة المطلقة
وقد أثار الشيخ مجاهد الإسلام قضية الساعة بالنسبة للمسلمين في الهند، وفي قضية نفقة المرأة الهندية المسلمة المطلقة فقال: إن هذه القضية بدأت منذ عام ١٩٧٣، ففي القرن التاسع عشر في عهد الحكم البريطاني للهند كان يوجد قانون للجنايات ورد في بنده رقم ٤٨٨ قانون النفقة للوالد والوالدة والولد والزوجة، وكان هذا القانون غير مخالف لمبادئ الإسلام، ولكن صدر القانون الجديد للجنايات في عام ۱۹۷۳، وفي البند رقم ١٢٥ من هذا القانون ورد تغيير لنص القانون القديم الخاص بالنفقة، وأصبح القانون الجديد للنفقة ينص على أنه يجب على الزوج أن ينفق على الزوجة، وهذا طيب؛ ولكن ما هي الزوجة التي يقصدها القانون الجديد؟
وللرد على هذا السؤال يقول نص القانون الجديد: إن الزوجة تشمل المرأة المطلقة حتى تتزوج زواجًا آخر، وأمرت الحكومة بتغيير القانون، لكن التغيير لم يكن في بند النفقة نفسه، ولكن في البند رقم ١٢٧ من قانون الجنايات الذي حدد بعض الأحوال التي بموجبها يلغى الحكم بالبند رقم ١٢٥ الخاص بالنفقة على المطلقة، ومن تلك الأحوال أنه إذا أدى الرجل واجباته كاملة للزوجة حسب شريعته بعد الطلاق فلا تلزمه النفقة على الزوجة بعد الطلاق، ولكن المحكمة العليا عدلت هذا البند وفسرته على هواها، وليس كما أراده البرلمان، على الرغم من أن صحة المحاكم هي تطبيق القوانين، وليس تفسيرها كما تراها هي.
وكان هدف المحاكم وراء هذا التصرف التدخل في القوانين الإسلامية من ناحية، وتحريض الحكومة على فرض القوانين الموحدة على المسلمين من ناحية أخرى. وينص القانون الهندي أن القوانين المتعلقة بأي دين أو مذهب.
فإن تفسير تلك القوانين تتوقف فقط على علماء ذلك الدين أو المذهب، وليس للمحكمة أن تفسرها على هواها كما فعلت المحكمة التي نظرت في قضية المرأة المطلقة التي طلبت من زوجها المسلم النفقة عليها بعد الطلاق، وقد أثارت تلك القضية مشاعر المسلمين في جميع أنحاء الهند، وبخاصة بعد أن فسر بعض القضاة من الهنادكة آيات من القرآن الكريم على هواهم داخل المحكمة، حيث قالوا في تفسير الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 241): إن المطلقة من حقها أن ينفق عليها مطلقها حتى تتزوج مرة أخرى، وهذا تدخل من المحكمة في القوانين الخاصة بالمسلمين، وهذا تجاوز في الدستور.
وكانت محكمة إله آباد العليا قد نظرت في قضية خاصة بالهنادكة، وتلخص تلك القضية بأن أحد المنبوذين قرأ الكتاب المقدس للهنادكة، وممنوع في تعاليم الهندوكية أن يقرأ منبوذ ذلك الكتاب، ولما رفع بعض الهنادكة قضية ضد ذلك المنبوذ لدى محكمة بدائية حكم القاضي باجتهاده وبرأ المنبوذ؛ حيث رأى أن العصر قد تطور ولا يمكن الاعتقاد في مثل هذه الأمور، لكن حين استأنف الشخص الهندوكي القضية في المحكمة العليا التي حكمت للهندوكي وأدانت المنبوذ لتجرئه على قرار الكتاب المقدس، مع أن ذلك ممنوع في الديانة الهندوكية، ويصل عقابه إلى صب النحاس المذاب الحار في أذنه.
وقد استندت محكمة الاستئناف في ذلك إلى القانون الهندي الذي لا يعطي حق تفسير المسائل المذهبية إلا لعلماء المذهب نفسه، والسؤال هو: لماذا طبقت المحكمة نص القانون في مسألة الهنادكة، ولم تطبقه مع المسلمين في قضية المرأة المطلقة؟ إنه المؤامرة والمحاولة والجرأة على القوانين الإسلامية.
وقد رفضت هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين قضاء المحكمة الذي يتعارض مع تعاليم الإسلام، ونظمت اجتماعات حاشدة في جميع قرى ومدن الهند أبدى فيها المسلمون استعدادهم لبذل كل غال ونفيس لمعارضة قانون يتعارض مع معتقداتهم وأحكام الدين الإسلامي.
ومن ناحية أخرى قام وفد من مسئولي الهيئة بمقابلة كل من رئيس وزراء الهند ووزير القانون لإقناعهما بوجهة نظر الإسلام وحملهما على العدول عن أي تدخل في قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين. وقد أبدى رئيس وزراء الهند تفهمًا في مسألة نفقة المسلمة المطلقة وطلب من الهيئة بعض الإيضاحات حول القوانين الإسلامية في هذا الموضوع، وسارعت الهيئة بإعداد مشروع شامل ودقيق وإيضاح المسألة من كل الجوانب. واعترف رئيس وزراء الهند علنًا بأن الإسلام يعطي للمرأة حقوقًا لا يعطيها مثلها أي ديانة أخرى، وأن تعاليم الإسلام عن المرأة واضحة وعادلة.
والمسلمون بفضل تماسكهم ووقوفهم صفًّا واحدًا تمكنوا من كسب القضية بناء على القانون الذي أصدره البرلمان الهندي مؤخرًا، واستثنى المسلمين من قانون النفقة على المرأة المطلقة، وهذا إنجاز هائل يرجع إلى جهود أعضاء هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين، وإلى الحماس الشعبي الملتهب والمنسق الذي رافق هذه القضية.
- نداء إلى حكام المسلمين
وقد أشار الشيخ مجاهد الإسلام إلى أن هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين بالهند لديها خطة مستقبلية لإنشاء محكمة إسلامية في جميع الولايات والمدن الهندية لتسهيل القضاء في الأحوال الشخصية أمام تلك المحاكم الإسلامية، وسوف تقوم الهيئة بالإشراف على إعداد القضاة لذلك وتوعية المسلمين في جميع أنحاء الهند لقبول الفكرة لما في ذلك من مصلحة عامة للمسلمين.
وفي ختام حديثه طالب الشيخ مجاهد الإسلام حكام البلاد الإسلامية بالعمل من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادهم؛ لأن ذلك يدعم مواقف الأقليات المسلمة لدى سلطات بلادهم التي تتخذ ما يحدث في البلاد الإسلامية من مخالفات لتعاليم الإسلام كأمثلة وحجج لإفحام المسلمين في البلاد ذات الأقلية الإسلامية. ثم شكر مجلة المجتمع على إتاحة الفرصة له للإدلاء بهذا الحديث المفيد.
وقد شكرته المجتمع من جانبها على حديثه الشيق المفيد، راجية له وللهيئة التي يمثلها في الهند دوام التوفيق والنجاح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل