الثلاثاء 02-نوفمبر-1982
«عصمت رفعت»
عندما يتسلط طاغوت من الطواغيت على رقاب الأمة تكون له بطانة فاسدة مفسدة يتكئ عليها وتتكئ عليه، يتستر عليها وتتستر عليه، وكلاهما -الطاغوت وبطانته- «شركاء في سلب حقوق الناس وسرقة أرضهم وتدمير البلاد»
هذه قاعدة عامة والشواهد على صدقها كثيرة عبر التاريخ القديم والحديث، وسنتناول هنا نموذجين فقط من وطننا العربي المبتلى في الغالب الأعم بمجموعة من الطواغيت في عصر نعيشه يمكن أن يطلق عليه «عصر الانحطاط»
طاغوت يهلك:
ونبدأ الحديث هنا ببلد عربي مسلم ابتلاه الله بطاغوت أهوج عاث في بلده فسادًا وساق الأمة العربية بكاملها إلى الاستسلام والهوان، ثم صرعته وهو في أوج عزه الزائف أياد متوضئة لتعلن مصداقية قوله -صلى الله عليه وسلم: «الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيمة» ونعني هنا: «مصر السادات»
عصمت السادات:
وبعد أن سقط الطاغوت بسنة كاملة كان لا بد للبطانة التي أتكأ عليها واتكأت عليه أن تتساقط واحدًا تلو الآخر، وكان أول المتساقطين الساقطين «عصمت السادات» لم يسقط بالرصاص هذه المرة ولكنه سقط في السجن تمهيدًا للمحاكمة بتهمة السلب والنهب وفرض الإتاوات على الشعب وإفساد الضمائر والذمم والاقتصاد والحياة العامة، وتبين لعصمت الذي قاوم أمر القبض عليه «بالطبنجة» أنه «لا عاصم اليوم من أمر الله» وأن «العصمة لا تكون إلا لنبي» وأن أخاه «أنور» الذي اتخذ منه جدارًا يحميه من غضب الشعب قد سقط إلى غير رجعة، وأن جماهير الشعب التي طالما استغلها وأثرى على حسابها قد استقبلت إلقاء القبض عليه بالتصفيق والتهليل والتكبير.
سائق أتوبيس:
هذا «العصمت » الذي يحمل الشهادة «الابتدائية» فقط، والذي كان يعمل «سائق أتوبيس» قبل أن يصبح أخوه «أنور» رئيسًا للجمهورية براتب شهري مقداره ثمانون جنيهًا، هذا «العصمت» حكم عليه في مطلع الستينات بالحبس في ست قضايا «شيكات بدون رصيد»، وفي عام 1966 اتهم في جناية «اختلاس وتزوير»»
مليونير:
ومنذ استولى أخوه على السلطة وأعلن عن عصر الانفتاح، انفتاح مصر أمام اليهود وانفتاح أبواب السلب والنهب والنصب والإثراء غير المشروع في مصر أمام الأتباع والأحباب والأصحاب والبطانة الفاسدة المفسدة، وقبل كل شيء أمام الأقرباء والمقربين، نقول منذ عام 1974 أصبح ربع مليون مصري بقدرة قادر يملكون الملايين وهم الذين لم يكونوا يملكون «شروى نقير»! ومن هؤلاء «المديونيرات» الذين أصبحوا «مليونيرات» كان «عصمت السادات» أنشأ في البداية «جمعية تعاونية للإسكان» وحصل من المحتاجين إلى السكن على نصف مليون جنيه، وتاجر في السوق السوداء، وفي اللحم الفاسد، وقام بأعمال التهريب، وأنشأ مشروعات وهمية، وفرض «إتاوات» على الشعب والشركات لقاء خدمات أو لمجرد عدم التعرض لهم وفي خلال سبع سنوات أصبح يملك حسب التقديرات المبدئية أكثر من ثلاثمائة مليون جنيه، وشكلت إحدى وعشرون لجنة لإحصاء ممتلكاته في سبع محافظات مصرية أي في ثلث «جمهورية مصر العربية».
وقد كشفت اللجنة المكلفة بحصر أملاكه في محافظة الإسكندرية وحدها عن شركات للنقل البحري والمقاولات والتصدير والاستيراد ومخزن للمعدات وفيلا و3 شقق وشاليهين بالمعمورة وقطعة أرض فضاء مساحتها حوالي 30 فدانًا وأنه يملك شركة للنقل البحري في اليونان كما تبين أنه سجل باسم أولاده:
عمارة ضخمة بمصر الجديدة لأولاده الصغار.
قصر بالمعادي لابنته نادية.
فيلا في سراي القبة لزوجته الثانية فايزة.
فيلا بحمامات القبة لابنته ناريمان.
عمارة بالزيتون لزوجته الثالثة زينب.
مصنعًا للنسيج ومصنعًا للمعكرونة ومصنعًا للألبان وورشة للسيارات في قريته ميت أبو الكوم بالإضافة إلى فيلا لاستراحته.
معرضًا للسيارات والجرارات ومكتبًا للمقاولات في طنطا لابنه طلعت.
شركة مقاولات ومستودعًا للأسمنت في المحلة الكبرى لابنته نادية.
عدة شركات ضخمة في القاهرة مسجلة باسمه.
300 فدان في البحيرة و50 فدانًا في الفيوم.
ولم تحص حتى الآن ممتلكاته في محافظات السويس والإسماعيلية وبورسعيد وقد تبين أن وزير داخلية مصر السابق محمد نبوي إسماعيل خصص 250 حارسًا على ممتلكات عصمت السادات على حساب الدولة، كما تبين أن جلال فهمي رئيس هيئة ميناء الإسكندرية السابق سمح لثلاث بواخر تحمل أغذية تخالف الشروط الصحية أي فاسدة بإفراغ حمولتها لحساب عصمت دون تصريح من أجهزة الرقابة.
أقارب وأصهار:
وماذا عن شقيقة الطاغوت «سكينة السادات»؟ لقد استولت على قطعة أرض مساحتها 65 فدانًا في محافظة الجيزة من دون وجه حق ودون سند قانوني.
وماذا عن شقيق زوجة الطاغوت «رؤوف عزت»؟ لقد استولى على عمارة في الهرم وتحول من موظف عادي إلى مليونير.
وأما عن شركات ومؤسسات وممتلكات وسيارات «حرم الريس المصون جيهان» فحدث ولا حرج، وأما عن قانونها «للأحوال الشخصية» ونشاطها الاجتماعي لرعاية أطفال اليهود والأمريكان، وعطورها وقبلاتها مع الرؤساء ودعوتها لزواج اليهود من بنات مصر المسلمات وزواج شباب مصر من اليهوديات وتهجمها على المحجبات وتغيير قانون الجامعات لتحصل على الشهادات العليا فأمور يعرفها الصغير والكبير.
وماذا عن «نسيبه» المليونير سيد مرعي الذي عمل مزرعة للأرانب وأخرى للثعالب، الأرانب لتأكلها الثعالب، والثعالب ليصنع من فرائها معاطف «للحبايب من الأقارب والأجانب»
وماذا عن صهره الآخر: عثمان أحمد عثمان وشركاته الضخمة التي أصبحت بمثابة دولة داخل الدولة.
هذا هو الطاغوت الأول الذي ابتليت مصر بشقيق له يسمى عصمت عاث في مصر فسادًا.
طاغوت أخر:
أما عن الطاغوت الثاني في ديار الشام فقد شاء الله أن يكون له هو الآخر شقيق يسمى «رفعت» سبحان الله! اسمان: «على نفس الوزن والقافية» ومثلما عاث عصمت في أرض الكنانة فسادًا، عاث رفعت في ديار الشام دمارًا وخرابًا، ومثلما باع الطاغوت الأول فلسطين لليهود لقاء ثمن بخس وارتمى في أحضانهم وأحضان الأمريكان وأدار ظهره للعرب «الأقزام» والمسلمين «المتخلفين» ذبح الثاني شعب فلسطين في تل الزعتر، وقال لهم «موتوا» في بيروت، وهو الآن يتحفز لتصفية بقاياهم في وادي البقاع.
رفعت أسد:
وأما شقيق «رفعت» فلم يكن أقل إفسادًا وإثراء على حساب شعبه من «عصمت» ورغم أن حسابه الآتي بإذن الله لم يحن موعده بعد إلا أنه يكفي أن نذكر أن له قصرًا في «سان لابروتاش» على بعد 25 كم غرب باريس يقدر ثمنه بـ8 ملايين فرنك فرنسي، وأنه اشترى قصرًا آخر في «بوتاماك» بولاية «ميريلاند» الأمريكية بقيمة مليون وربع مليون دولار أمريكي، وأن زيارته لأمريكا تزامنت مع زيارة «شارون» وزير دفاع العدو وأن مسئولين من وكالة الاستخبارات الأمريكية اجتمعوا به كما تقول صحيفة «واشنطن بوست» وأحاطوه بأشد العناية، وقدموا له المساعدات العلنية والمستورة تمامًا كما يفعلون عادة مع أصدقائهم الذين تعاملوا معهم تعاملًا «مثمرًا»!
وأما عن ممتلكاته في سوريا فإنه يعتبر سوريا كلها ملكًا له ولشقيقه الطاغوت ولطائفته الباطنية بل إنه يعتبر الشعب السوري المسلم بين عدو يجب إبادته وبين خادم يجب أن يخضع له.
سمسار كبير:
على أن رفعت أسد لم يلبس لبوس الإرهابي فحسب، وإنما لبس من قبل ذلك السمسار والرابي ورداء الخوة على شاكلة الدائرة التي «غطس» فيها عصمت السادات وبشكل أوسع.
فرفعت -كما يعرف جميع المواطنين في سورية- شريك وبنسبة عليا جدًا لكل تاجر كبير في دمشق وما قصته الشهيرة مع التاجر الدمشقي الكبير «نذير هدايا» إلا واحدة من أكثر قصص رفعت مع التجار إثارة.
على أن رفعت -وكما يعرف أهل دمشق تمامًا- استولى على أموال المواطنين الذين دفعوها لشراء سيارات خاصة بواسطة الاستيراد الحكومي. حيث كان يقوم تشغيلها لحسابه طيلة المدة الماضية على الاكتتاب وقد روي أن الأموال وهي ملابين قد سرقت مؤخرًا.
ومن الممارسات الهمجية التي يتبعها رفعت للإثراء اعتقال «الصرافين» وباعة الذهب سوق «الصاغة» وسلب ما يملكون بالقوة. ولا يفرج عن مواطن من هؤلاء إلا إذا دفع «الخوة» المطلوبة منه وإلا فسوف يدفع روحه!!
وبهذا السلوك يكون رفعت قد سبق عصمت في استغلال السلطة للإثراء.
جواسيس يتسللون:
رفعت هذا -وشقيقه الطاغوت هو الذي سهل للجاسوس الإسرائيلي الذي انتحل اسم «محمد أحمد رباح» ليدخل سوريا ويصبح رئيسًا لفرع حزب البعث بدمشق، وقائدًا من قادة منظمة الصاعقة. وبطلًا مغوارًا لا ينام إلا بلباس الميدان وسلاحه إلى جانبه غيرة على فلسطين وقضية فلسطين، ثم يختفي الجاسوس بعد أن بدأت عيون الثوار المسلمين ترصده ويحمل معه إلى إسرائيل عشرة ملابين ليرة سورية وهي ما كانت تحت تصرفه من ميزانية منظمة الصاعقة.
أحرار يعدمون:
هذا النظام الطاغوتي ومن ضمنه الرجل الثاني في سوريا رفعت أسد هو الذي اغتال الملازم أول طيار «بسام حمشو» في ظروف غامضة جزاء إخلاصه لوطنه وإسقاطه لطائرة فانتوم إسرائيلية، وهو الذي قتل العقيد الطيار «فايز منصورة» الذي كان من ألمع الضباط الطيارين في الجيش السوري حيث أرسل في مهمة قتالية. وأسقطت طائرته بالاتفاق غير المعلن مع «إسرائيل»، وهو الذي عين «المحافظين» في أربع عشرة محافظة في سوريا وجميعهم من الطائفة النصيرية أو من أتباعها، هذه الطائفة الباطنية التي لا تزيد عن 8% من مجموع الشعب السوري المسلم ولكنها تسيطر على 92% من مؤسسات الدولة وقيادة الجيش.
هل هي تغطية لذبح الإسلاميين؟
عود على بدء. عصمت السادات معتقل الآن في مصر وسط ضجة إعلامية واسعة توحي ببدء حملة تطهير المجتمع من الفساد وأن العصر الساداتي أشرف على الزوال بكل ما حمله من فساد ولكن الشواهد التي أمامنا توحي بعكس ذلك.
ففي الوقت الذي اعتقل فيه عصمت السادات كان هناك ثلاثمائة من خيرة الإسلاميين في مصر يقدمون للمحاكمة بتهمة محاولة انقلاب على السلطة وذلك يعني أن تصدر بحقهم أحكام قد تصل إلى الإعدام. كما أن هناك سبعة آلاف معتقل إسلامي ينتظرون المحاكمة بتهمة الثورة على النظام الذي أوصل عصمت إلى ما وصل إليه. فهل يكون اعتقال عصمت وما رافقه من ضجة إعلامية عملًا مسرحيًا قصد به التمويه والتغطية وإلهاء الشعب عن تنفيذ حكم الإعدام في كوكبة أخرى من مجاهدي شعب مصر؟ أم أن النظام الحالي في مصر يريد أن يضرب عصفورين بحجر واحد فيصنع له عهدًا لا يزاحمه فيه أزلام السادات وفي نفس الوقت يقضي على المعارضة الإسلامية؟.
فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى الحساب والمحاسبة لعصمت اليوم ولرفعت غدًا، فإنها لن تكون محاسبة حقيقية ما لم تكن محاسبة للنظام الطاغوتي بأسره بعد أن طغى واستكبر) ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ (المدثر:16-23)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل