العنوان الإخلاص في العمل
الكاتب عصمت عمر
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2013
مشاهدات 70
نشر في العدد 2058
نشر في الصفحة 52
السبت 22-يونيو-2013
يجب
مراجعة النفس وتجديد النية والمجاهدة قبل العمل وأثناءه وبعده حتى يكون عمل العبد
لله
من
الأمور التي تعين على الإخلاص:
تعظيم الله سبحانه وتعالى وتحقيق التوحيد
أداء العبادات الخفية كقيام الليل وصدقة السر والبكاء خاليا
تحويل العادات إلى عبادات
الإخلاص
المراد به تصفية العمل وتنقيته من شوائب الشرك بالله تعالى، سواء كان شركا أكبر،
وهو الذي قال تعالى فيه: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَن يَشَاءُ وَمَن يُشرك باللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا
(النساء)، أو شركاً أصغر، ومنه إرادة الإنسان بعمله الرياء، أي مراءاة الناس، كما
قال تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَة ربِّه أَحَدًا (الكهف).
قال ابن كثير يرحمه الله: «فليعمل عملاً صالحا؛ أي ما كان موافقا لشرع الله، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ، وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصا لله صوابا على شريعة رسول الله ﷺ» (تفسير القرآن العظيم (۳ (۱۰۹) .
فالإخلاص
هو صمام الأمان للمؤمنين في حياتهم، به تضاعف جهودهم وأجورهم وتزكو أعمالهم مهما
كانت صغيره. كما قيل : رُبَّ عمل صغير تكبّره النية، ورُبَّ عمل كبير تصغره
النية.. ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوكة على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له». قال شيخ الإسلام ابن تيمية صاحب
هذا العمل من الإخلاص ما أوصله لهذه المرتبة؛ فهو لما رفع الغصن عن الطريق لم
يرفعه ليحمده الناس، أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية، وإنما رفعه لأجل أن يزيله عن
طريق المسلمين ليس إلا . أرأيتم كيف حول يبغي، وفي هذا يقول أحد الصالحين ما كان لله
دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فالإخلاص لا يكون في يوم دون يوم، أو في
حالة دون أخرى، ولكنه جبلة ترافق الإنسان، وسجيّة ثابتة يتميز بها كشجرة النخيل التي
تتميز بأوراقها ، أو كنجمة الصبح التي تتفرد بقوة بريقها من بين النجوم. - إحراز ثواب
العمل وإن لم يتمه أو لم يعمله، وفي ذلك يقول الله تعالى: ومن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ
مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رحِيمًا (النساء).
لذلك
ينبغي على المؤمن أن يبتغي وجه الله دائماً، وأن يكون الإخلاص شعاره، والنية الصالحة
مسلكه الإخلاص هذا العمل اليسير إلى عمل عظيم عند الله . ورغم يُسر الأعمال على
الأبدان، لكن ما أصعب الإخلاص فيها على القلوب فتخليص الأعمال من شوائب حظوظ النفس
من الرياء، والسمعة، وحب المدح والثناء وغيرها من الآفات والشهوات أمر شاق على النفوس،
ولهذا قيل : أشد شيء على النفس الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب قال الغزالي يرحمه
الله: «فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعزة الإخلاص
وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب، بل الخالص هو الذي لا باعث له إلا طلب القرب من
الله تعالى».
وقالوا: إخلاص ساعة نجاة الأبد لكن الإخلاص عزيز، فالذي يعمل بغير إخلاص ولا اقتداء كمسافر يملأ جرابه رملا ينقله ولا ينفعه، كما قال ابن القيم يرحمه الله، ولهذا سيأتي أقوام يوم القيامة بأعمال كالجبال لكنها لا تنفعهم لأنها فقدت أهم شروط قبولها الإخلاص، قال تعالى: وقدمنا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنثُورًا ) (الفرقان)، وقيل: تخليص الأعمال على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال، وقال سفيان الثوري يرحمه الله: «ما عالجت شيئاً على أشد من نيتي؛ إنها تتقلب علي؛ فالقلوب كثيرة التقلب والتحول في قصودها ونياتها ».
ولئن كان الإخلاص من أعمال القلوب وتلك لا يعلم حقيقتها إلا علام الغيوب، إلا أن للإخلاص أمارات وللمخلصين علامات يمكن أن يستدل بها عليهم
قال أحد العلماء: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص
فلم يجدوا غير هذا أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه نفس
ولا هوى ولا دنيا».
وقال
ابن الجوزي يرحمه الله: وكذلك يخفي الإنسان الطاعة فتظهر عليه، ويتحدث الناس بها
، وبأكثر منها ، حتى إنهم لا يعرفون له ذنبا، ولا يذكرونه إلا بالمحاسن، ليعلم أن هنالك
ربا لا يضيع عمل عامل.
وقال ابن رجب الحنبلي يرحمه الله: رائحة الإخلاص كرائحة البخور كلما اشتد ستره بالثياب عبقت رائحته وظهرت»؛ ويعنى بذلك أن الله عز وجل يظهر المخلصون للناس فيكونوا القدوة، ولو حاولوا التخفي.
إن الساعي للإخلاص وجب عليه أمور عدة، منها:
١– مراجعة النفس وتجديد النية أولاً بأول حتى لا تتحول العبادات إلى عادات لأن الأعمال مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنيات والمقاصد، والدوافع الكامنة وراءها . عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِي مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوْ امْرَأَة يَنْكَحُهَا ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). في هذا الحديث الشريف يضرب رسول الله ﷺ مثلاً؛ ليكون دليلاً على ما وراءه من الأعمال، فالهجرة مع أنها من أشق التكاليف وأكثرها صعوبة على النفس؛ لأن فيها مفارقة الأهل والولد والمال والأصدقاء، والوطن فمع كل هذه التضحيات لابد من النية الصادقة، حتى ينال المهاجر أجر المهاجرين في سبيل الله، لابد أن يكون دافعه إلى الهجرة طلب رضاء الله تعالى ونصرة رسوله وإلا فهجرته لا تعدو القصد الذي قصد إليه من متاع الدنيا ، وليس له عند الله تعالى وراء ذلك شيء.. لذا ؛ فقد وجه رسول الله ﷺ أنظار المسلمين، ولفت انتباههم إلى وجوب الاهتمام بتصحيح النيات، وتطهير القلوب وإصلاح البواطن؛ لأنها هي المعتبرة عند الله تعالى، وعليها المعول في الثواب والعقاب.
2– المجاهدة قبل العمل وأثناءه، وبعده ، حتى يكون
عمل العبد لله، فالمخلصون كما ذكر ابن القيم: «أعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله،
وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله ؛ فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه
الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا ، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا
طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، بل قد عدوا الناس بمنزلة
أصحاب القبور لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا، فالعمل
لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجائهم للضر والنفع منهم لا يكون من
عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن
عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه».
أمور
تعين على تحقيق الإخلاص:
1 – إن أعظم أسباب تحقيق الإخلاص هو تعظيم الرب سبحانه وتعالى، وذلك بتحقيق التوحيد والتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلي العظيم العليم الرزاق، الخالق»، ويقين العبد باطلاع الرب عز وجل عليه، وعلمه سبحانه بمكنونات الصدور، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (غافر).
٢- أداء العبادات غير المشاهدة وإخفاؤها ، كقيام الليل، وصدقة السر والبكاء خاليا من خشية الله، فكلما كان العمل بين العبد وبين ربه كان ذلك أقرب إلى الإخلاص وما أحلى قول نبينا في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».
ولهذا
وجدنا كثيراً من السلف يخفون أعمالهم عن الخلق مخافة الرياء، حتى أن أحدهم ليدخل
في فراشه، ثم يخادع زوجته فإذا علم أنها قد نامت قام فصلى.
3- نسيان رؤية الخلق، بمعنى ألا يقيم للناس وزنا عند تعامله مع ربه سبحانه وتعالى، فيحرص على رضا ربه دون نظر إلى مدح الناس أو ذمهم.
4– الإكثار من
دعاء الله أن يرزق العبد الإخلاص، وأن يعيده من الرياء، ومن أجمع الأدعية في ذلك:
«اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه، وكان عمر رضي
الله عنه يسأل ربه الإخلاص فيقول: اللهم اجعل عملنا كله صالحا، واجعله لوجهك
خالصا، ولا تجعل لأحد من خلقك فيه شيئاً .
5 – تحويل العادات إلى عبادات وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ: «إنك ما تنفق نفقة تبغي بها وجه الله تعالى إلا أثبت عليها، حتى اللقمة تضعها في في أي فم امرأتك (متفق عليه).
٦- تذكير النفس بما أمر الله به من إصلاح القلب وإخلاصه، وحرمان المرائي من التوفيق. يقول الإمام الغزالي يرحمه الله : كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قل أم كثر، إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه.
7- الخوف
من مقت الله تعالى، إذا اطلع على قلبه وهو منطو على الرياء.
8- الاستمرار في العمل، وذلك لأن الذي يعمل للناس يكف عن العمل إذا لم يجد يبغي، وفي هذا يقول أحد الصالحين ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فالإخلاص لا يكون في يوم دون يوم، أو في حالة دون أخرى، ولكنه جبلة ترافق الإنسان، وسجيّة ثابتة يتميز بها كشجرة النخيل التي تتميز بأوراقها ، أو كنجمة الصبح التي تتفرد بقوة بريقها من بين النجوم.
9– إحراز ثواب العمل وإن لم يتمه أو لم يعمله، وفي ذلك
يقول الله تعالى: ومن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رحِيمًا (النساء).
لذلك ينبغي على المؤمن أن يبتغي وجه الله دائماً، وأن يكون الإخلاص شعاره، والنية الصالحة مسلكه.