; الإخوان والدستور وانتخاب الرئيس | مجلة المجتمع

العنوان الإخوان والدستور وانتخاب الرئيس

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005

مشاهدات 85

نشر في العدد 1637

نشر في الصفحة 36

السبت 05-فبراير-2005

ظهر الإخوان المسلمون كحركة إسلامية تجديدية تنشط في الفضاء الشعبي وتعمل في المجالات الحياتية المختلفة بما فيها المجال السياسي، ولم يقطع جهود الإخوان التجديدية إلا سلسلة المحن المتتالية التي عصفت بنخبة من مفكريها وقادتها بما فيهم مؤسسها الشهيد حسن البنا، ثم مناخ الكبت والقهر الذي أفقر البلاد العربية كافة من المفكرين والمنظرين حيث لا يزدهر التجديد والإبداع إلا في مناخ الحرية.

تعرض الإخوان لموقفهم من الدستور بوضوح وجلاء وذلك في واقعة مشهورة لم يفرق فيها رئيس تحرير صحيفتهم المرحوم صالح عشماوي بين الدستور والقانون، فكان توضيح لازم من الإمام الشهيد حسن البنا أكد فيه موقف الإخوان الذي يتلخص في: ضرورة وجود دستور مكتوب للأمة المصرية.

  • أهمية وضوح نصوص هذا الدستور بلا غموض.

  • تفعيل الدستور في واقع المجتمع وتطبيقه بنزاهة.

إن الإخوان يعتبرون النظام الدستوري النيابي هو أفضل نظم الحكم الآن في العالم

ولا يعدلون به بديلًا، وهو أقرب نظم الحكم القائمة المعروفة إلى الإسلام بخصائصه

المعلومة من الفصل بين السلطات وتحديد سلطة رئيس الدولة، وكيفية محاسبته وعزله وكفالة الحريات العامة والخاصة ... إلخ.

ولم يكتف الإخوان بمجرد إقرار ما هو قائم، والقبول العام بدستور ۱۹۲۳م الذي نظم الحياة السياسية قبل ثورة ١٩٥٢م ولكنهم أضافوا إسهامًا يغفل عنه الكثيرون حتى من الإخوان أنفسهم وهو إعداد دستور كامل نموذجي قدموه إلى رجال الثورة عام١٩٥٣ - ١٩٥٤م، قبل اندلاع الصراع المرير بين الإخوان وبينهم ولعل ذلك كان من خفاياه.

وشاركوا مع آخرين في الإعداد لدستور آخر يشترك فيه الجميع, وأشار الكاتب المعروف صلاح عيسى إلى ذلك في دراسته القيمة «دستور في صفيحة القمامة» وفي كتاباته الأخرى, ولم يتخل الإخوان عن موقفهم ذلك ولا في ممارساتهم البرلمانية طوال العشرين سنة الماضية، فكل نائب من الإخوان عن الشعب المصري يحتكم في ممارسته البرلمانية إلى الدستور القائم ويشير به عندما تحتدم المناقشات تحت قبة البرلمان، كما فعلت مرات عديدة أثناء نيابتي عن الأمة (۱۹۸۷م - ۱۹۹۰م) والمرشد العام قال في مبادرته في  2/٢/2004م بوضوح: إننا في حاجة إلى تعديلات دستورية؛ لأن الدستور الحالي لا يناسب مصر خاصة في المجال المتعلق بالسلطة التنفيذية وعلاقتها ببقية السلطات، وطالب بجمهورية برلمانية.

إذن الإخوان يحترمون الدستور القائم ويعملون في إطاره، ويطالبون بتعديله وتغيير بنود واضحة فيه، وشاركوا مع كل القوى السياسية في إصدار وثائق مازالت حية تطالب بالإصلاح الدستوري والسياسي، وألحوا على أن المدخل إلى الإصلاح الشامل هو الإصلاح السياسي الدستوري، وأن الطريق إلى ذلك هو إلغاء حالة الطوارئ القائمة منذ ربع قرن, وإطلاق الحريات العامة بما فيها حق التنظيم والتعبير لكل القوى السياسية.

ليست القضية مجرد قبول الدستور أو العمل في إطاره وتفعيله خاصة مع العلم أن

مجرد إعلان حالة الطوارئ يهدر كافة الضمانات الدستورية للحريات العامة. 

القضية الآن أن السلطة التنفيذية لا تحترم الدستور ولا القانون من جانبها، والأدلة على ذلك واضحة لا تخطئها عين بصيرة, والقضية أن القوى السياسية غير قادرة

على فرض إرادتها على النظام بضرورة البدء في الإصلاح الشامل والبدء بالإصلاح

الدستوري والسياسي. وشرح د. محمد السيد سعيد في مقاله كيف أن هناك خلافات واضحة بين النخب السياسية والفكرية حول طبيعة الدستور الذي نريده وحجم التعديلات التي نطالب بها.

تعديلات دستورية

المطلوب الآن بإلحاح هو إطلاق الحريات العامة وإلغاء حالة الطوارئ التي كبلت المجتمع كله بقيود ثقيلة تمنعه من مجرد الحوار والحراك.

وقد اتفقت القوى السياسية كافة على بنود متعلقة بالإصلاح السياسي منذ عام ١٩٨٧م وأكدتها عبر وثائق مختلفة في ١٩٩٣م و۱۹۹۷م، وأخيرًا في مبادرات الإصلاح خلال العام الماضي.

ما المدخل إلى التعديلات الدستورية؟

هل نقوم بها وفق ما ينظمه الدستور الحالي أم نتخطى ما هو قائم في ثورة على الدستور؟؟

هل يقوم الرئيس باقتراح التعديلات المتعلقة بطريقة انتخابه وتمديد ولايته على مجلس الشعب كما يقول الدستور أم يقوم ثلث أعضاء مجلس الشعب بهذه المهمة؟؟! وهل هم قادرون على ذلك إذا لم تأتهم إشارة صريحة أو مباشرة؟ ما هي ضمانات الاستفتاء العام الذي يعقب قيام مجلس الشعب بإقرار التعديلات المطلوبة؟؟ وهل سيكتفي المجلس بهذه المواد المتفق عليها مثل المادة ٧٦، أم سيتطرق إلى اقتراحات أخرى تثير جدلًا شديدًا في المجتمع؟

ليس الخطر على المادة الثانية في الدستور التي تتعلق بالدين والشريعة؛ لأن الشعب قادر على حمايتها، ولكن الخطر أننا لا نمتلك رؤية واضحة بالمدى الذي نريده, والمؤسسات التي ستقوم بواجب التعديلات الدستورية.

هناك من يراهن على فوضى دستورية أو انقلاب دستوري يدخلنا إلى متاهة لن نخرج منها، وهناك من يتخوف على مكاسب ليس لها وجود في الواقع, مثل: مكاسب العمال والفلاحين، ليس هناك في مصر من يطالب بتغييرات جوهرية في الأبواب الدستورية المتعلقة بمقومات المجتمع الأساسية والتي تنظم الحقوق العامة والحريات العامة. 

المطلوب هو الاتفاق على المدخل الأساسي لتعديلات دستورية تحظى بقبول شعبي, والاقتراح هو أن نؤكد على ضمانات أساسية وحقيقية لانتخابات برلمانية سليمة ونزيهة تعبر عن الإرادة الشعبية. مثل هذا المجلس المنتخب هو القادر على إدارة حوار صحي صريح حول التعديلات المطلوبة، وهو القادر على انتخاب جمعية تأسيسية أو لجنة علماء تمثل كافة الاتجاهات لوضع دستور عصري ومرن يحقق أحلام كل المصريين اليوم، ولن يتم انتخاب مثل هذا المجلس إلا في جو خال من الطوارئ والقيود البوليسية التي كبلت كل شيء وأهدرت حريات المواطنين.

البديل هو أن يقوم مجلس مثل المجلس الحالي مطعون في شرعيته أو نظام مثل النظام الحالي تآكلت مشروعيته بفرض ما يراه من تعديلات, ثم نجاهد بعد ذلك طويلًا من أجل إلغائها أو تعديلها ...

مطلوب الاتفاق على آليات

بعد أن توافق الجميع على مطالب محددة بخصوص الإصلاح خاصة الدستوري والسياسي، علينا أن نتفق على الآليات ونتحاور حولها:

علينا أن نطالب أولًا بتفعيل الدستور الحالي وإزالة كل الحواجز التي تمنع من تحقيق الضمانات الدستورية لحريات المواطنين، وأن نجاهد لإلغاء حالة الطوارئ وأن نضمن انتخابات حرة سليمة.

دعونا نتفق على لجنة حكماء تمثل كل التيارات, وهو ما سعى الإخوان إليه في لقاءاتهم مع الأحزاب السياسية، وأفشلها البعض عمدًا بالاتفاق مع الحزب الوطني والنظام.

تقوم هذه اللجنة خلال مدة زمنية محددة معقولة بدراسة المقترحات والآليات وتحدد الأولويات. 

لماذا لا ندعو أمثال د. يحيى الجمل ود. محمد سليم العواء والمستشار طارق البشري ود. عاطف البنا وآخرين للقيام بمثل هذه المهمة الجليلة؟ ختامًا أرجو أن يراجع الأخ أنور الهواري رأيه في كلماته، مثل فقه القرون الوسطى ودعم الاستبداد، وأن يعلم أن هتاف الإخوان بالقرآن دستورنا، لا يعني هدم كل جهودهم في النضال الدستوري، الإخوان هم أكبر قوة شعبية دفعت ثمنًا للاستبداد فلا يمكن أن تكرس الاستبداد.

انتخاب الرئيس

لقد كان موقف الإخوان من الرئيس كرمز لمصر واضحًا، وهو أنه بغض النظر عن الذي يشغل هذا المنصب، فإنه يمثل رمزًا للوطن، ولا يجوز وفقًا لذلك التعامل معه إلا من منطق الاحترام والتقدير مع الاحتفاظ بحق المعارضة والاعتراض على السياسات والتصرفات.

وعندما أدرك الإخوان أن بقاء شخص واحد في منصب رئيس الجمهورية لمدد طويلة يؤدي إلى فساده واستبداده، وفساد حاشيته أعلنوا أنهم مع الاختيارات التالية؛ لأنها تحقق مصلحة الأمة:

  • تحديد مدتين فقط لرئيس الجمهورية بعدها يغادر المنصب.

  • تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح البرلمان والحكومة والوصول إلى جمهورية برلمانية.

  • انتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح، وفقًا لضوابط محددة ينظمها الدستور. 

ولقد كانت تصريحات الرئيس مبارك إلى مراسل مجلة «ديرشبيجل» الألمانية في الأيام الأخيرة، عندما سأله عن أن الإخوان يقدمون أنفسهم البديل الديمقراطي عن النظام الحالي، فأجابه: إن الإخوان لهم تاريخ إرهابي ،وهم آخر من تحتاجه مصر، وأثارت قدرًا كبيرًا من البلبلة والضجة حول نيات النظام تجاه الإخوان، وكذلك نوايا الغرب نفسه الذي يضغط على النظام لتحقيق إصلاحات حقيقية وعن المدى الذي ستؤول إليه أية تغييرات في مصر, وهل ستكون مجرد ديكور تجميلي للأوضاع وتغييرًا شكليًّا لبعض القوانين، كما أعلن الرئيس بعد ذلك بقاء الأوضاع على ما هي عليه.

وجاءت ردود الإخوان قوية تنفي تهم الإرهاب عن الجماعة، فلا يمكن لحادثتين أو ثلاث في تاريخ طويل يمتد ثلاثة أرباع القرن أن تدمغ جماعة عريقة لها جذور شعبية بتهمة الإرهاب.

ولا يمكن لفرد مهما كان أن يقرر من الذي يحتاجه الوطن، خاصة في مثل هذه الظروف العصيبة، والحكم في ذلك هو للشعب نفسه الذي يحدد عبر الانتخابات الحرة إلى أي مدى يحتاج إلى قوة سياسية، وقد أثبتت خيارات الشعب عبر عدة انتخابات محلية وبرلمانية ونقابية وطلابية أن الإخوان يتمتعون بتأييد ما لا يقل عن 30% من الشعب المصري في أي تصويت نزيه. ولقد أعلن الإخوان مرارًا أنهم مستعدون للتعاون مع كل القوى السياسية لتحقيق الإصلاح الشامل, وأثبتوا ذلك في تعاونهم مع الأحزاب كالوفد والعمل والأحرار، ومع أفراد من الحزب الوطني في النقابات أو مع المستقلين في ميادين أخرى.

لقد حرص الإخوان دومًا على لغة خطاب راقية في تعاملهم مع الجميع، ولم يستخدموا إلا الألفاظ العفيفة المعبرة.

وعندما تلجأ صحيفة أو كاتب إلى تقويل الإخوان ما لم يقولوه واستخدام ألفاظ شرعية للإيحاء بأمور معينة، كلفظ الرئيس هو ولي الأمر وطاعته واجبة، وإبراز ذلك في عناوين عريضة، بينما يثبت أن المرشد أو نائبه لم يقل ذلك اللفظ، فإن ذلك لن يؤدي أبدًا -كما يظن البعض- إلى تشويه صورة الإخوان، فقديمًا حاول البعض ذلك ولم يزد الإخوان إلا قوة. وعندما لجأ البعض إلى الإعلان عن ترشيح أنفسهم للمنافسة على موقع الرئاسة، ظهر الأمر وكأنه هزل لا جد, ولا يلجأ الإخوان إلى مثل هذا الأسلوب، فعندما يتم تعديل الدستور وفقًا للإرادة الشعبية يكون عندها لكل حادث حديث.

الرابط المختصر :