العنوان الإسلام في التلفاز السويدي
الكاتب زكي عبدالمجيد جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1988
مشاهدات 60
نشر في العدد 855
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-فبراير-1988
أخي القارئ:
يسعدنا أن ننشر
لكم في هذا العدد صورة صادقة عن حقد الغرب وكراهيته للدين الإسلامي وتصويره له،
وكأن له أنيابًا ومخالب يريد أن يفتك بالعالم كله.
كان ذلك عن طريق
فيلم عرضه التلفاز السويدي على جزأين في شهر ديسمبر الماضي من القناة الثانية، حيث
أعطى هذا الفيلم صورة سيئة للغاية، وخلط خلطًا مقصودًا.
وكان لهذا
الفيلم مردود سيئ، إذ قامت مجموعة من السويديين في اليوم التالي من عرض الفيلم،
وهاجموا مسجد مدينة مالمو وكسروا زجاج النوافذ.
كل هذا يوضح لنا
زيف التسامح والسلام والأقوال المزيفة. فمع أخي القارئ إلى المقال.
فقد عرضت القناة
الثانية من التلفاز السويدي فيلمًا خاصًا عن الإسلام على جزأين، كان الجزء الأول
في 1987/12/12، والجزء الثاني في 1987/12/20. وبما أن التلفاز يعد من وسائل
الإعلام المرئية الواسعة الاستعمال وكبيرة التأثير خلافًا عن وسائل الإعلام
الأخرى، ولا شك أن الدور الذي يلعبه التلفاز في حياة الناس العامة، ويأخذ من
وقتهم، هي البرامج التي تجلب اهتمامهم. ولعل البرنامج الذي قُدّم عن طريق الفيلم
الخاص عن الإسلام يعد من البرامج الرئيسة في القناة الثانية، وهذا البرنامج مخصص
لتعريف الناس على أوضاع البلاد الأخرى، وعرض وتحليل كامل ومشاكل تلك البلاد التي
تظهر على الساحة العالمية. ولكي يكون دور التلفاز أكبر مما عليه وأكثر تأثيرًا، لا
بد له من نقل الأخبار والوثائق بطريقة واضحة وأمينة، وهذه من الأمور المفروضة على
وسائل الإعلام. فالوضوح ودقة الأخبار مع ذكر مصادرها الأساسية، والالتزام بمعايير
الصدق والأمانة... والتي يمكن التثبت من صحتها ودقتها بالنسبة للمصدر الذي تنبع
منه أو ينسب إليه. وبقدر ما في الإعلام من الوثائق الصحيحة ومعلومات دقيقة منبثقة
من مصادرها الأمينة، بقدر ما يكون هذا الإعلام سليمًا وقويًا... ويكون مخاطبًا للعقول
لا للغرائز.
ولا نكون
مبالغين إن قلنا: إن البرنامج الذي عُرض عن طريق الفيلم يفتقر إلى الأمور التي
ذكرناها آنفًا، وأنه أجحف أمانة النقل بإظهاره الدين الإسلامي الذي يعد من أكبر
الأديان في العالم، أظهره كأن له أنيابًا ومخالب يريد أن يفتك بالعالم ويمزقه،
وهذا الدين لا يرتوي إلا على الدماء. وبعد عرض هذه اللقطات المجردة عن التعليق،
يبدأ الفيلم بنقل صور عن الإسلام ومن ديار المسلمين، وبالأخص من مصر ولبنان التي
تم إعداد الفيلم فيهما.
وأنا لست في
مجال انتقاد التلفاز السويدي أكثر من أن أكون مدافعًا عن العقيدة والدين الذي
أنتمي إليه.
فالحقد الدفين
والكراهية الموروثة تجاه الإسلام وأهله كانت أوضح ما تكون في هذا الفيلم، وعرض
الإسلام على الشاكلة التي عُرض ليس أمرًا مستغربًا لنا.
وهذه السهام
المسمومة التي توجه إلى صدر الإسلام من قبل الغربيين أمر مألوف، ونعلم أنهم لا
يرقبون في مسلم إلا ولا ذمة، ولكن لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
لقد تجاوز
التلفاز السويدي على الإسلام وظلمه بطريقة خبيثة عن طريق استدراج بعض المنتسبين
لهذا الدين، وعن بعض الذين يتعاملون مع هذا الدين بعواطفهم ويجهلون أصوله وعلومه.
وعن طريق هؤلاء أخطأ التليفزيون السويدي الإسلام الحق وتجاوز على هذا الدين بطريقة
غير أمينة وغير صادقة، وليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.
﴿قَدْ بَدَتِ
الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ﴾ (آل
عمران:118).
وعلى ضوء
اللقطات التي عُرضت نوضح أن ما جاء فيها يخالف الإسلام مخالفة جذرية، وأن
التصريحات والأقوال والأفعال التي شوهدت وسُمعت لا تمت إلى الإسلام بصلة. إن
التعرف إلى الإسلام لا يتم عن طريق المكر السيئ لأهل الإسلام، وإنما الاعتدال في
مثل هذه المسائل يوصل صاحبه إلى الحق والصدق.
وأنا لا أشك أن
الغربيين يفتقرون إلى أبسط مسائل الاعتدال، وبالأخص عندما يكون الخصم هو الإسلام.
ولا أكون مبالغًا إذا قلت بوصفي أهل الإسلام بأنهم أهل الاعتدال، ولا غرابة في هذا
لأن دينهم يأمرهم بالاعتدال ما دام هذا منهاج القرآن، فأهل القرآن أولى به، ومن
افتقر إلى هذا المنهاج يكون فاقدًا سبيل الوصول إلى الصواب. وأخبرنا القرآن أيضًا
أن الغلو وعدم الاعتدال من أخلاق أهل الكتاب، وأن ذلك أدى بهم إلى الانحراف
والتجرد من الصدق والأمانة.
ونحن نتقفى
طريقة القرآن الكريم من خلال استعراضنا للفيلم، ونتمثل بقوله تعالى ﴿وَلَا
تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...﴾ (العنكبوت:46)
ابتداء القول: إن المسلمين يخالفون تعاليم الإسلام في كل حياتهم اليومية بابتعادهم
عن المنهاج الإلهي، ولا يحق لنا أن نصور حياتهم ونعرضها في التلفاز، ونزعم أن هذه
الحياة هي الحياة الإسلامية، وأن هؤلاء يمثلون رسالة محمد عليه الصلاة والسلام،
وأنهم يدعون الناس إلى هذه الحياة المليئة بالذل والهوان.
والحالة التي
عليها المسلمون الآن سببها الغرب الذين غزوا هذه البلاد واستعمروها عسكريًا أيام
الحروب العالمية مرة، وغزوها فكريًا مرة أخرى، وما زال المسلمون يعيشون جاهليتها
وانحرافها.
وباستعراض لقطات
الفيلم نجد التركيز على الأقوال والأفعال التي تعارض تعاليم الإسلام معنى ومحتوى،
وعلى سبيل المثال لا الحصر، قول تلك المرأة التي تحدثت وقالت: "إن ما حدث في
إيران يجب أن يحدث في العالم الإسلامي كله، وإن إيران هي الدولة التي تمثل الإسلام
الصحيح". أقول إن هذا جهل كبير ومردود، لأسباب تُذكر منها:
إن الثورة
الإيرانية اشتركت فيها جميع الأطراف السياسية المتواجدة في إيران كالشيوعية
المتمثلة بحزب توده، والماركسية المتمثلة بمجاهدي خلق -مجاهدي الشعب-، والحزب
الجمهوري الحاكم حاليًا، وحزب انقلاب الإسلامي، وحزب البيكار... إلخ. والإسلام شيء
وهذه الأحزاب شيء آخر، ولا يمكن أن يحدث توافق بين الإسلام وهذه الأحزاب، ولكن
استعانة هذه الأحزاب بعواطف الشعب المدعاة إلى الإسلام كانت سببًا قويًا في تأجيج
الثورة، ولأن دولة إيران أقرب إلى الشيوعية منها إلى الإسلام.
أسلوب الإسلام
في الدعوة إلى الله أسلوب لين، وأنه لا يلجأ إلى القوة إلا عند آخر لحظة وبعد
استكراهه على حمل السلاح ليدافع عن نفسه. ورغم هذا فلا اختلاف بين المسلمين أن
تغيير الخطأ والمنكر واجب شرعي، ولكن أجمعوا أن هذا يتم عن طريق الحكمة والموعظة
الحسنة والحوار. والإسلام جاء لصالح البشرية ولينقذهم من المفاسد والضياع، ولا شك
أن تأمين حياة الناس وعدم التجاوز عليهم من أكبر المصالح التي يحرص عليها الإسلام.
نتابع استعراض
لقطات الفيلم، وبالأخص ما جاء عن قضية فلسطين، القضية التي صنع منها الغرب خنجرًا
مسمومًا، وغرسوه في قلب العالم الإسلامي، ويحرصون أن يجعلوها قضية إقليمية مصيرها
محصور بالفلسطينيين فحسب. واللقطة كانت توحي أن الخراب والدمار الذي أصاب لبنان
سببه الفلسطينيون كما صرح بذلك مواطن لبناني بادعائه أن الفلسطينيين نسوا أراضيهم
وطمعوا في لبنان، وتجاهل أن هذه القضية تعنيه هو أيضًا وأنها ليست قضية شعب أو
أرض، إنما هي قضية اليهود والمسلمين.
والغاية من عرض
هذه اللقطة هي إعطاء صورة للمشاهد الغربي أن المسلمين عاجزون عن حل مشاكلهم
ويتآمرون على بعضهم ويستعينون بأعدائهم على أنفسهم من أجل لقمة عيش يأكلونها
بسلام، كما ظهر من حديث المواطن اللبناني الذي اتهم الفلسطينيين بالطمع
والاستغلال، وأنه رحب باليهود عند دخولهم لبنان وساعدهم ليقتلوا الفلسطينيين
وينقذوا اللبنانيين من شرهم ومشاكلهم.
إن قضية فلسطين
قضية إسلامية، وهذه القضية تمثلها الشعوب الإسلامية ولا تقف عند حدود فلسطين ولا
عند حدود العرب وحدهم، ولا ريب أن غياب الخلافة الإسلامية هو السبب الأساسي لفقدان
المسلمين الوعي والبصيرة حول ما يدور حولهم.
والملاحظ في
الفيلم أنه كان مجردًا من اللقاء مع وجهاء المسلمين ومثقفيهم وعلمائهم، إنما اقتصر
الأمر على معممي الشيعة، والمستشرقين، وعوام الناس وبسطائهم.
وهذا يوضح أن
الهدف من عرض الفيلم هو الدس على هذا الدين والتشهير به والإساءة إليه وتشويه
سمعته. لم يظهر في الفيلم عالم إسلامي معروف لدى المسلمين ولا داعية معروف عرف
بإخلاصه ووفائه لهذا الدين للاستبانة عن الحقائق التي عُرضت. وعدم توافق الفيلم مع
حقائق الإسلام يبدو كان مبيتًا في عدم ظهور المخلصين فيه كي لا يقع تناقض، وهذه
الكلمة غير الأمينة جعلت الفيلم عاريًا من الصحة والحقيقة.
ثم مأخذ آخر على
مقدم البرنامج إذ قال في نهاية حديثه: "ونحن نعرض هذا الفيلم فليكن معلومًا
بداية أن ليس كل مسلم شيعيًا." وهذا خلط كبير، إذ إن الإسلام واحد والحق فيه
واضح، والسبيل إليه سبيل واحد، كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وليس
هناك طريق ثالث.
فمن خالف هذا
الطريق وانحرف عنه لا شك أنه انحرف عن الإسلام الصحيح. وكان من المفروض أن يوضح
هذا من باب الإنصاف، والفارق كبير، وكيف يجتمع النقيضان في ثوب واحد. فالذي كان
يصرخ -يا مهدي أدركنا- كما شوهد في الفيلم، هو في ميزان الإسلام كافر مشرك، قد
أشرك بالله باستعانته بغيره، وهذا لا يختلف فيه المسلمون. فالذي يستعين بالمهدي
كالذي يستعين بالصنم أو البقر أو الصليب أو المسيح وأمه أو بلينين وماركس...
إن الاعتداء على
هذا الدين والغيظ الشديد على أهله دفع التلفاز السويدي أن يظهر الإسلام على
الشاكلة التي عُرضت.
والأمر الذي
يدعو للأسف والأسى، ويحز في النفس، هو ردود الفعل التي ظهرت لدى السويديين، إذ
قامت مجموعة من السويديين وهاجموا مسجد مدينة مالمو في منتصف الليل وكسروا زجاج
النوافذ ثم هربوا، ثم أعادوا الكرة في اليوم التالي وهجموا على المسجد وكسروا زجاج
النوافذ وهربوا. وهذا الاستفزاز يوضح لنا زيف التسامح والسلام والأقوال المزيفة
التي يدعي بها أهل الغرب، والذي حدث في مسجد مالمو سيترك أثرًا مؤسفًا في نفوسنا،
وأملي أن يتحاشى المسؤولون هذه الأمور التي تستفز المسلمين إذا كانوا حقًا حريصين
على حرية الاعتقاد والحرية الشخصية.
وسبحانك اللهم
وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك.
كتبه العبد
الفقير إلى الله
زكي عبد المجيد
جعفر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل