العنوان الإسلام منقذ البشرية
الكاتب الأستاذ سيد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
مشاهدات 78
نشر في العدد 682
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-سبتمبر-1984
كانت حياة الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى مجموعة من المواقف المتميزة، ولقد ختمها بأعظم المواقف على الإطلاق وهو موقف الشهادة.
وترتد مواقفه هذه إلى جذورها الأولى في الإيمان الخالص بالله تعالى واليقين الثابت بصلاحية هذا الدين وحتمية سيادته بإذن الله، وهذه الأسطر هي خاتمة كتابه «المستقبل لهذا الدين» وخلاصة رأيه في ذلك الكتاب القيم نقدمها في ذكرى استشهاده.
حين يتقرر أن الإسلام هو - وحده - القادر على إنقاذ البشرية مما يحدق بها من أخطار ماحقة، تدلف إليها مقودة بسلاسل حضارة المادية البراقة. وهو - وحده - القادر على منحها المنهج الملائم لفطرتها ولاحتياجاتها الحقيقية. وهو - وحده - الذي ينسق بين خطاها في الإبداع المادي وخطاها في الاستشراف الروحي. وهو - وحده - الذي يملك أن يقيم لها نظامًا واقعيًا للحياة يتم فيه هذا التناسق الذي لم تعرفه البشرية قط إلا في ظل النظام الإسلامي - وحده - على مدى التاريخ...
حين يتقرر هذا كله تتضح معه شناعة الجريمة التي يرتكبها- في حق البشرية كلها - أولئك الذين يوجهون الضربات الوحشية لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان، والذين يجندون قواهم كلها، لطمس معالم المنهج الإسلامي، ومواراته عن أعين البشرية المتطلعة الى منقذ، المتلفتة على «مخلص»، وتنفيرها منه بشتى الخدع والتمويهات والأكاذيب!
إنها جريمة بشعة - في حق البشرية كلها - البشرية المسكينة المنكوبة بهذه الحضارة المناقضة لفطرتها ولاحتياجاتها الحقيقية المهددة بغلبة الفلسفة المادية عليها، البشرية التي تدلف إلى الهاوية مقودة بسلاسل هذه الحضارة المادية البراقة. وهي في كل لحظة تقترب من الهوة الرهيبة، ولا منقذ لها إلا هذا الدين الذي يحاربه أعداء البشرية في كل مكان على وجه الأرض، بشتى الخطط والمؤامرات والأساليب!
إلا أن هذه الحرب المشبوبة على الإسلام لا تفقدنا الثقة المطلقة في أن «المستقبل لهذا الدين».
لقد صمد الإسلام في حياته المديدة، لما هو أعنف وأقسى من هذه الضربات الوحشية التي توجه اليوم إلى طلائع البعث الإسلامي في كل مكان. وكافح - وهو مجرد من كل قوة غير قوته الذاتية - وانتصر، وبقي، وأبقى على شخصية الجماعات والأوطان، التي كان يحميها، وهو مجرد من السلاح!
إن الإسلام هو الذي حمى الوطن الإسلامي في الشرق من هجمات التتار، كما حماه من هجمات الصليبيين على السواء... ولو انتصر الصليبيون في الشرق كما انتصروا في الأندلس قديمًا أو كما انتصر الصهيونيون في فلسطين حديثًا، ما بقيت قومية عربية، ولا جنس عربي ولا وطن عربي.. والأندلس قديمًا وفلسطين حديثًا كلاهما شاهد على أنه حين يطرد الإسلام من أرض، فأنه لا تبقى فيها لغة ولا قومية، بعد اقتلاع الجذر الأصيل!
والمماليك الذين حموا هذه البقعة من التتار، لم يكونوا من جنس العرب إنما كانوا من جنس التتار، ولكنهم صمدوا في وجه بني جنسهم المهاجمين حمية للإسلام، لأنهم كانوا مسلمين صمدوا بإيحاء من العقيدة الإسلامية وبقيادة روحية إسلامية من الإمام المسلم ابن تيمية الذي قاد التعبئة الروحية، وقاتل في مقدمة الصفوف!
ولقد حمى صلاح الدين هذه البقعة من اندثار العروبة منها والعرب واللغة العربية.. وهو كردي لا عربي.. ولكنه حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين. وكان الإسلام في ضميره هو الذي كافح الصليبيين. كما كان الإسلام في ضمير الظاهر بيبرس، والمظفر قطز، والملك الناصر... هو الذي كافح التتار المتبربرين!
والإسلام هو الذي كافح في الجزائر مئة وخمسين عامًا. وهو الذي استبقى أرومة العروبة فيها حتى بعد أن تحطمت مقوماتها الممثلة في اللغة والثقافة، حينما اعتبرت فرنسا اللغة العربية - في الجزائر - لغة أجنبية محظورًا تعليمها! هنالك قام الإسلام - وحده - في الضمير، يكافح الغزاة، ويستعلي عليهم، ولا يحني رأسه لهم؛ لأنهم أعداؤه «الصليبيون»، وبهذا - وحده - بقيت روح المقاومة في الجزائر، حتى أزكتها من جديد الحركة الإسلامية التي قام بها عبد الحميد بن باديس، فأضاءت شعلتها من جديد.. وهذه الحقيقة التي يحاول أن يطمسها المغفلون والمضللون، يعرفها الفرنسيون والصليبيون جيدًا لأنهم «صليبيون»!
إنهم على يقين أن «الإسلام» باستعلاء روحه على أعدائه، هو الذي يقف في طريقهم في الجزائر. ومن ثم يعلنونها حربًا على «المسلمين».. لا على «العرب» ولا على «الجزائريين»!
والإسلام هو الذي هب في السودان في ثورة المهدي الكبير على الاحتلال البريطاني للقسم الشمالي من الوادي «مصر» ثم القسم الجنوبي «السودان» ومراجعة إعلانات «المهدي» الكبير ورسائل «عثمان دقنة» لكتشنر وكرومر وتوفيق، تشهد بحيوية هذا الباعث الأصيل.
والإسلام هو الذي كافح في برقة وطرابلس ضد الغزو الطلياني.. وفي أربطة السنوسية وزواياها نمت بذرة المقاومة.
ومنها انبثق جهاد عمر المختار الباسل النبيل...
وأول انتفاضة في مراكش، كانت منبثقة من الروح الإسلامية. وكان «الظهير البربري» الذي سنه الفرنسيون سنة ۱۹۳۱ وأرادوا به رد قبائل البربر هناك إلى الوثنية، وفصلهم عن الشريعة الإسلامية.. هو الشرارة التي ألهبت كفاح مراكش ضد الفرنسيين.
لقد كافح الإسلام - وهو أعزل - لأن عنصر القوة كامن في طبيعته.. كامن في بساطته ووضوحه وشموله، وملاءمته للفطرة البشرية، وتلبيته لحاجاتها الحقيقية.. كامن في الاستعلاء عن العبودية للعباد بالعبودية لله رب العباد، وفي رفض التلقي إلا منه، ورفض الخضوع إلا له من دون العالمين.. كامن كذلك في الاستعلاء بأهله على الملابسات العارضة كالوقوع تحت سلطان المتسلطين. فهذا السلطان يظل خارج نطاق الضمير مهما اشتدت وطأته.. ومن ثم لا تقع الهزيمة الروحية طالما عمر الإسلام القلب والضمير، وإن وقعت الهزيمة الظاهرية في بعض الأحايين.
ومن أجل هذه الخصائص في الإسلام يحاربه أعداؤه هذه الحرب المنكرة؛ لأنه يقف لهم في الطريق يعوقهم عن أهدافهم الاستعمارية الاستغلالية، كما يعوقهم عن الطغيان والتاله في الأرض كما يريدون!
ومن أجل هذه الخصائص يطلقون عليه حملات القمع والإبادة، كما يطلقون عليه حملات التشويه والخداع والتضليل، ومن أجل هذا يريدون أن يستبدلوا به قيمًا أخرى، وتصورات أخرى، لا تمت بسبب إلى هذا المناضل العنيد؛ لتستريح الصهيونية العالمية، والصليبية العالمية، والاستعمار العالمي من هذا المناضل العنيد!
إن خصائص الإسلام الذاتية هي التي تحنق عليه أعداءه الطامعين في أسلاب الوطن الإسلامي.. هذه هي حقيقة المعركة، وهذا هو دافعها الأصيل... ولكن الذي لا شك فيه - على الرغم من ذلك كله - هو أن «المستقبل لهذا الدين».
«فمن طبيعة المنهج الذي يرسمه هذا الدين، ومن حاجة البشرية إلى هذا المنهج نستمد نحن يقيننا الذي لا يتزعزع في أن المستقبل لهذا الدين. وأن له دورًا في هذه الأرض هو مدعو لأدائه - أراد أعداؤه أم لم يريدوا - وأن دوره هذا المرتقب لا تملك عقيدة أخرى - كما لا يملك منهج آخر - أن يؤديه. وأن البشرية بجملتها لا تملك كذلك أن تستغني طويلًا عنه».
إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج، ليست بأقل من حاجتها يومذاك.. وإن وزن هذا المنهج اليوم - بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج - لا يقل عنه يومذاك.... ومن ثم ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لا بد أن يقع. ولا يجوز أن يتطرق الى قلوبنا الشك، بسبب ما نراه من حولنا، من الضربات الوحشية التي تكال لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان، ولا بسبب ما نراه كذلك من ضخامة الأسس التي تقوم عليها الحضارة المادية.. إن الذي يفصل في الأمر ليس هو ضخامة الباطل، وليس هو قوة الضربات التي تكال للإسلام. إنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ومدى الصعود للضربات!
إننا لسنا وحدنا.. إن رصيد الفطرة معنا.. فطرة الكون وفطرة الإنسان.. وهو رصيد هائل ضخم.. أضخم من كل ما يطرأ على الفطرة من أثقال الحضارة.. ومتى تعارضت الفطرة مع الحضارة، فلا بد أن يكتب النصر للفطرة.. قصر الصراع أم طال.
أمر واحد يجب أن يكون في حسابنا.. إن أمامنا كفاحًا مريرًا شاقًا طويلًا لاستنقاذ الفطرة من الركام. ثم لتغليب الفطرة على هذا الركام.
كفاحًا مريرًا يجب أن نستعد له استعدادًا طويلًا...
يجب أن نستعد بأن ترتفع إلى مستوى هذا الدين.
ترتفع إلى مستواه في حقيقة إيماننا بالله. وفي حقيقة معرفتنا بالله، فإننا لن نؤمن به حق الإيمان حتى نعرفه حق المعرفة ... وترتفع إلى مستواه في عبادتنا الله، فإننا لن نعرف الله حق المعرفة إلا إذا عبدناه حق العبادة.
وترتفع إلى مستواه في وعينا بما حولنا، ومعرفتنا الأساليب عصرنا.. ورحم الله رجلا عرف زمانه واستقامت طريقته.
وترتفع إلى مستواه في إحاطتنا بثقافة عصرنا وحضارته، وممارسة هذه الثقافة وهذه الحضارة ممارسة اختبار واختيار... فإننا لا نملك الحكم على ما ينبغي أن نأخذ منها وما ينبغي أن ندع، إلا إذا سيطرنا عليها بالمعرفة والخبرة. فمن المعرفة والخبرة نستمد سلطان الاختيار...
وترتفع إلى مستواه في إدراكنا لطبيعة الحياة البشرية وحاجاتها الحقيقية المتجددة. فنرفض ما نرفض من هذه الحضارة، ونستبقي ما نستبقي عن خبرة بالحياة ذاتها تعادل خبرتنا بهذه الحضارة كذلك!
وهذا كفاح مرير.. وكفاح طويل.. ولكنه كفاح بصير وكفاح أصيل ...
والله معنا.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21) وصدق الله العظيم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل