; دولة المدينة المنورة.. الجزء الثاني (٥) الإسلام والدولة المعاصرة :الصبر بدل الثأر | مجلة المجتمع

العنوان دولة المدينة المنورة.. الجزء الثاني (٥) الإسلام والدولة المعاصرة :الصبر بدل الثأر

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2049

نشر في الصفحة 46

السبت 20-أبريل-2013

(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي وحضارته

دائرة الانحراف - في دولة المدينة - تضيق كل يوم حتى تكاد تنحسر وتزول كما حصل لظاهرة النفاق التي كان يقودها ابن سلول

من دلائل حسن السياسة في الدولة الوليدة أنه لم تحدث منذ الهجرة النبوية حتى معركة «بدر» أية أحداث في المدينة المنورة

العرب عمومًا معروفون بالثأر لا يتهاونون في أخذه. هذا الأذى الذي نال أتباع الدعوة المباركة، بلغ حد القتل والتعذيب والاضطهاد لم يُواجهه المسلمون طوال العهد المكي، بل احتملوه مختارين، كان بإمكانهم رَدَّه، لكنهم أبَوْا ذلك صابرين محتسبين، إنه سلوك مِنْ لون جديد لم تعهده العرب، يوحي بأن وراء هؤلاء شيئًا آخَرَ بعيدًا عن الأمور الدنيوية، لابد أن دينًا ودعوة إلهية صادقة، وإلا فما الذي يمنعهم من المعاملة بالمثل على الأقل، حتى إنهم تسامحوا فيما أخذ من أموالهم وممتلكاتهم وعقاراتهم، عند فتح مكة المكرمة، لم يطالب أحد منهم بل لم يفكر باسترداد شيء منها ؟!

ذلك يجب أن يقود اليوم إلى استنتاج السلوك الإسلامي الرفيع في المسامحة والالتزام بهذا الخلق الجديد، الذي تعاملوا به مع من عذبوهم، وقاتلوهم وأرادوا إفناءهم بكل ما أوتوا من قوة.

هل لأحد أن يَخافُ مِنْ مِثْلِ هؤلاء، أم لابد أن يبحث عنهم ليركن إليهم ويَحْيا في ظلالهم؟

منهج إلهي

وَضْعُ المدينة المنورة ودولتها أمرها عجيب يدعو إلى التأني في دراسته والتوقف عند أحداثه لمعرفة حقيقته وإدراك مقوماته واستلهام منهجه، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره منهجًا إلهيًا، كما يُسْتَدَل به على صدق نبوة محمد ﷺ، فاعْجَبُوا ما شئتم من هذه الدولة المدنية التي كان قيامها بهذه السلاسة، بدون أية هَزَّات أو عنف أو معارضات ليَعرِف مَنْ يُريدون استئناف الحياة وفق شريعتها، كيفية الوصول إلى الغاية المرتجاة.

مجتمع المدينة المنورة من ميزاته البارعة العالية المتنوعة، أن الناظر في حياتها لا يحس فيها بغير الأمان والاطمئنان والانطلاق في حياته، يبتكر ويقترح ويُسهم، من غير تصنيف لأحد إلى أقليات وفئات، بلا تهميش أو إبعاد . 

علمًا بأن الدولة مسلمة بكل أمورها ومبانيها ؛ منهج الله تعالى مرجعيتها الوحيدة لا تحيد عنها بأي حال، وبعد الجهاد المضني الثقيل الفريد، يضمن الأمن والسلام والطمأنينة لكافة شرائح المجتمع.

ومما كانت عليه دولة المدينة المنورة أنها قَدِّمَتْ الحقوق لأهلها لكل ساكنيها -قبل مطالبتهم بالواجبات - حامية كل استحقاقاتهم بدون مطالبة ولا ثورة ولا صراع.. أمر لا مثيل له في تاريخ المجتمعات والأنظمة وقيام الدول.

هذه العقود الاجتماعية المقدمة ابتداءً، بحاجة إلى نظر عميق، لاكتشاف مباني هذا المجتمع ودولته ومعانيها ومراميها.

ومن دلائل حُسنِ السياسة في الدولة الوليدة أنه لم تحدث منذ الهجرة النبوية الشريفة حتى معركة بدر الكبرى «الجمعة ١٧ رمضان ٢هـ ٦٢٤م» أية أحداث في المدينة المنورة مِنْ قِبَلِ الجميع، لقوة قاعدتها الاجتماعية ومكوناتها المتلاحمة في حبها والعمل على حمايتها بكل ما يملكون، وفي الوقت نفسه نجد أن جميع مَنْ أقبل على اعتناق الإسلام كان باختياره اقتناعا ومحبة بالغة.

بعد معركة بدر

لكن بعد معركة بدر التي كانت فُرقانًا، أظهرت قوة وعمق وأَثَرَ هذا التَّمَيُّز: ﴿وَٱعۡلَمُوٓ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ  (الأنفال: 41)، المقترن بنزول القرآن: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (الفرقان: 1)، عند هذا الانتصار الفرقان الذي لم يكد يُصدق، كان ظهور المنافقين وعداء اليهود، كأنهم لم يصبروا على رؤية هذا العلو والارتقاء والتقدم، مما أفقدهم كل أمل في إيجاد ثغرة لهم، فبدؤوا يثيرون له المتاعب في الخفاء، مثلما جرى في الأندلس وغيره، ومثل ما يجري اليوم «شنشنة نعرفها من أَخْزَم».

ظهور هذه الانحرافات يشير إلى مزايا ثلاث:

  1. قوة وعمق وروعة هذا البناء الفريد أساسا لقيام حياة اجتماعية إنسانية متحضرة راسية الأسس فاضلة القيم جماعية التعلق بمنهجها، وإظهار نوعيتهم وخلوصهم لهذا المنهج المفتدى متعلقًا بعقيدة يقيم مجتمعًا ملتزمًا بمنهجها في حياته كلها لا ينفك عنها في كل أحواله، لا يقف في وجهه أي عائق. ملتئما كله في عين الاتجاه يدور مع المنهج حيث دار.
  2. لهذا فإن الذين لا يعجبهم ذلك ويحملون الحسد والحقد والتدني ولم يرتضوا هذا الخير دليلا على بنائهم النفسي الملتوي المقيت الهابط، جعلهم بتلك الأثقال لا يرون النور بل لم يحسوا به ولم يتذوقوا نكهته؛ لذلك تمالؤوا على مواجهته بالأساليب التي تثمرها دخائلهم الآسنة فوقفوا يتآمرون عليه، بغباء أمثالهم المكرور . 
  3. إن نوعية هذا المجتمع الذي أقامه منهج الله عملت على إذابة تلك المواصفات المنحرفة، تتعامل معها بخيريتها المعهودة جعلت أهل تلك الظواهر المنحرفة تتخلى عن مسلماتها؛ لتلتحق بالركب الميمون، كما حدث لظاهرة النفاق, أما العداء اليهودي فقد تخلى عدد منهم ممن راقت نفسه ورَقتُ أحاسيسه، وأنبت في نفسه شوقًا إلى الخير، مُخْرجًا ذاتَه مِنْ قُمقمها، ليلتحق بالمجتمع الأثير المنير.

قراءة جديدة للسيرة: لابد من قراءة جديدة للسيرة النبوية الشريفة, لا يستقيم فهمُ الأمة لدينها واكتماله إلا بفهم الإسلام والقرآن والسنة النبوية والسيرة النبوية، التي تقدم كل شيء وتشرحه بوضوح عملي مشهود.

كان المجتمع المدني المسلم من أفضل أهل الأرض قاطبة، كما وَسّمَهم الرسول الكريم ﷺ ([†]) الدولة والأمة والمجتمع، شبابها - رجالا ونساء وأطفالا – هم وشيوخها هؤلاء الناس، كانوا حُرّاسا أمناء غيورين على سلامته.

اليوم لابد من اعتبار تجارب السيرة النبوية الشريفة؛ لأنها تَمَّتْ بتوجيه رباني؛ لتكون دليلا لكل أهل الأرض، تولى قيادتها الرسول الكريم ﷺ، حيث اكتمل منهج الله تعالى وحيًا كاملًا، اكتمل بكليته تطبيقًا، كى لا تبقى لأَحَدٍ حُجَّةٌ في عدم تطبيق أَيَّةِ جزئية منه, عندها يلتحق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى فرحا، دليلًا إضافيًا على ربانية هذا المنهج وصدق نبوة محمد ﷺ. 

الاقتداء به لازم بهذا الوضع المثال ينبغي الأخذ به والسعي إلى تحقيقه من قبل المسلمين دينا، ومِنْ قِبَلِ غيرِهم دستورًا وقانونًا وتنظيمًا حياتيا. 

التجربة المراقبة حتى عن بُعد أو قُرِّب، تُثْبِتُ أنها أحسن ما أنجزه الإنسان، منذ استخلفه الله تعالى في الأرض، حتى يرثها الله سبحانه وتعالى. 

كُل الذين تَرَبِّوا على الإسلام حين أُطْلِقُوا كانوا أكثر من عباقرة وعمالقة وأفذاذ، أكثر من كونهم أصحاب خبرة أو ممن دَرَسُوا فَنِيَّاتها، هذا ما تفعله التربية الإسلامية, ليس هناك أقطاب تتجاذب، بل هو نهر واحد متجانس متوافق يُسْقَى بماء واحد، قائم برعاية المنهج، لإقامة حياة تجمع الناس، وتزيل كل عوامل التفرق، الأمر الذي يقتضي البدء بالأسس البناءة، باستقلالية مُقيَّدة بمنهج الله تعالى، دون أية ازدواجية. 

مع الزمن دائرة الانحراف تضيق مثل هذا المجتمع يزداد ارتقاء باستكمال نزول منهجه، لكنه في ذات الوقت يُذِيبُ ما في مجتمعه من تأخر أو كبوات أو أخطاء، مثلما جَرَى من أبي ذر الغفاري لبلال الحبشي. 

لذلك كان هؤلاء الصحابة الكرام كل يوم في ارتقاء، ما داموا يأخذون بأمر الرسول الكريم ﷺ. 

كما أننا وَجَدِّنا دائرة الانحراف - في هذا المجتمع - تَضِيقُ كل يوم، حتى لتكاد تنحسر وتزول وتنقرض، كما حصل لظاهرة النفاق التي كان يقودها عبدالله بن أبي بن سَلُولٍ، إذ فارَقَهُ كثير من أتباعه، بل جَرَى ذلك مبكرًا مِنْ قِبَلِ ابنه عبدالله الابن!! وموقفه خلال معركة المريسِيع «بني المُصْطَلِق»، أوائل شعبان السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة.

كُلّ ذلك يَشِي قوةً في الالتزام وتَحَرِّبِه وشموله، باعتباره عقيدة وعبادةً وتعاملًا، طلبًا لرضا الله تعالى, ذلك وَحْدَهُ كفيل بالارتقاء بهذا المجتمع الذي يحاصر كل سلبية فيه، ويخنقها ويأتي عليها، مما دفع هذه النوعية المنحرفة إلى الخروج عليه والوقوف في صف الأعداء، كما جرى لأبي عامر الفاسق.

يلفتنا هنا أن أبناء أكبر مناهضي الدعوة أصبحوا من خيار الصحابة، أحدهم ابن أبي عامر الفاسق: حَنظلة غسيل الملائكة وزوجته جميلة بنت زعيم المنافقين بن سلول، مثل أخيها الجليل، ظاهرة فدة موجودة بوفرة منذ العهد المكي.

الهوامش

البخاري رقم 4154

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 168

90

الثلاثاء 18-سبتمبر-1973

الفجر

نشر في العدد 1528

75

السبت 23-نوفمبر-2002

رأي القارئ (1528)