العنوان الإسلام والكونجرس (40).. الصدر ودوره في حركة أمل
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1990
مشاهدات 59
نشر في العدد 957
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 06-مارس-1990
عرضنا في الحلقة
الماضية للدراسة الأمريكية التي تناولت أهم الحركات العاملة في لبنان وهي حركة
أمل، ورأينا تعاطف كاتب الدراسة "نورتون" مع الحركة وانحيازه الواضح
لها. وقد قدمنا من تلك الدراسة كيفية ظهور الصوت السياسي للشيعة والمتنافسين على
قيادة المجتمع الشيعي وسر إنشاء المجلس الشيعي الأعلى وصولًا إلى موسى الصدر
وعلاقته بسوريا وقضائه على الزعامات التقليدية، وها نحن نستكمل في هذا العدد تلك
الدراسة.
18- الجماعات
والتنظيمات التي انضم إليها الشباب الشيعي ودوافع التحاقه بها:
"انضم
العديد من شباب الشيعة إلى جماعات مثل التنظيم البعثي الموالي لسوريا والحزب
القومي الاجتماعي السوري وجبهة التحرير العربية التي تدعمها العراق.
وتُعتبر هذه
الجبهة العربية إحدى الجماعات المكونة لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما انضم هذا
الشباب إلى بعض التنظيمات الشيوعية المتعددة. ولهذه الجماعات برامجها وشكواها لكن
قاسمها المشترك الوحيد هو معارضتها للجبهة اللبنانية التي يسيطر عليها حزب الكتائب
وكذلك تأييدها لحركة المقاومة الفلسطينية.
إن محاولة
الوقوف على الدوافع التي تدفع الشباب إلى الالتحاق بهذه التنظيمات ببساطة - عرضنا
في الحلقة الماضية للدراسة الأمريكية التي تناولت أهم الحركات العاملة في لبنان
وهي حركة أمل، ورأينا تعاطف كاتب الدراسة "نورتون" مع الحركة وانحيازه
الواضح لها. وقد قدمنا من تلك الدراسة كيفية ظهور الصوت السياسي للشيعة
والمتنافسين على قيادة المجتمع الشيعي وسر إنشاء المجلس الشيعي الأعلى وصولًا إلى
موسى الصدر وعلاقته بسوريا وقضائه على الزعامات التقليدية، وها نحن نستكمل في هذا
العدد تلك الدراسة - لأنها تدفع رواتب مُجزية. وليس هناك من قرية أو مدينة شيعية
إلا وتجد أن شبابها العاطل قد غادرها يوميًا للانضمام إلى إحدى الميليشيات ثم يعود
إليها بعد أسابيع قليلة يتريض فيها ببندقية كلاشينكوف أو بمسدس ومعه العديد من
الليرات اللبنانية. وقد قدر جون كيفنر أن هناك 25 مليونًا من الدولارات تتدفق
شهريًا على مختلف الميليشيات في لبنان".
19- حقيقة أعداد
مقاتلي أمل في عهد الصدر:
"وقد لعب
المؤيدون للصدر أدوارًا منتظمة في حروب 1975-1976 لكنهم كانوا في حقيقة الأمر
جماعة واحدة فقط إلى جانب هذه الجماعات العديدة ذات العضوية الشيعية. لقد كانت سمة
العملية السياسية الأكثر أهمية بعد عام 1975 هو الصراع المسلح أكثر من شخصية موسى
الصدر التي لم تكن تزال مهمة، فقد كان مؤيدوه يصفونه بالرجل المارد وبالرغم من ذلك
فإن هذه الشخصية الكاريزمية للصدر لم تجعله قادرًا إلا على إعداد قوة أساسية لا
يزيد عدد أفرادها على 1500 مقاتل".
20- هل يحصل
أفراد أمل على رواتب شهرية؟
"يدعي
المسؤولون في أمل أن أعضاءها لا يحصلون على أية رواتب لكن الحقيقة على عكس ذلك
فإنهم يحصلون على هذه الرواتب. وقد يكون ادعاؤهم هذا موضع تساؤل لكني - أي نورتون
- أعرف أن معظم جنودها لا يتفاخرون بأنهم لا يتحصلون على مكافآت".
21- الصدر وشاه
إيران:
"تراجع
الصدر إلى الجنوب مع زمرة من أخلص أتباعه وبالرغم من أن الصدر ظل يبث أحاديثه
القوية مُدعمًا لأتباعه في الجنوب، فإن نفوذه القوي بدأ يتضاءل بدرجة ملحوظة ما
بين أعوام 1976 و1978. وهناك تقارير تفيد بأنه لعب دورًا هامًا أثناء هذه الفترة
وقام بإثارة مُعارضي الشاه من الشيعة الإيرانيين، إلا أن الطبيعة الخاصة لهذه
الأنشطة لا تزال غامضة".
22- ما الأحداث
التي ساهمت في زيادة النفوذ السياسي للمجتمع الشيعي؟
"هناك
ثلاثة أحداث هامة برزت في الفترة من مارس 1978 إلى يناير 1979 عززت التعبئة
السياسية لمجتمع الشيعة وساهمت في زيادة النفوذ السياسي الشيعي المُنبعث من حركة
أمل، في مارس 1978 شنت إسرائيل هجومها الأساسي الأول على لبنان في عملية أطلق
عليها عملية الليطاني، وفي أغسطس 1978 اختفى موسى الصدر أثناء زيارة غامضة إلى
ليبيا ولا يزال أمرها مُبهمًا. وفي يناير 1979 اندلعت ثورة الخميني التي أطاحت
بالشاه، تمركزت هذه الأحداث الثلاثة في جانبها الأول حول استياء مجتمع الشيعة من
الفلسطينيين الذين كانوا يتعاطفون معهم من قبل، وفي جانبها الثاني قدمت نموذجًا
وأسطورة هامة يسّرت من عملية تجنيد أمل لشباب الشيعة".
23- عملية
الليطاني:
القاسم المشترك
بين الجماعات الشيعية المختلفة:
دور الصدر
ومؤيديه في حروب 1975، 1976:
"أودى
الغزو الإسرائيلي في عام 1978 بحياة ما يقرب من الألف من سكان الجنوب ودمر العديد
من دورهم. ولم يكن ذلك فقط هو الثمن الثقيل الذي حمله الإسرائيليون لسكان الجنوب
بسبب الوجود الفلسطيني المسلح الباقي بينهم، لكنه أبرز أيضًا واحدة من سياسات
الأمن الإسرائيلي القوية وهي سياسة العقاب، وأعلن أيضًا بداية سياسة التدمير
العنيف. وتحرك الجيش الإسرائيلي بعد عملية الليطاني إلى أبعد من ذلك، فبدلًا من أن
يعتمد على دعاوى غير قوية في الانتقام عبر العمليات العسكرية التي يقوم بها فكّر
في أن يجبر حركة المقاومة الفلسطينية ومن يؤيدونها ويتعاطفون معها على اتخاذ موقع
الدفاع على الدوام. قام الجيش الإسرائيلي بحملة نشطة من الهجوم والغارات الجوية
المؤثرة وبحملات اختطاف وضرب للمنازل، كانت حملات التدمير العنيفة هذه ناجحة بدرجة
ملحوظة حتى وقف إطلاق النار في يوليو 1981، وبعد هذه الحملات خفت المبادرات
الهجومية الفلسطينية على إسرائيل، ووجد الفدائيون أنفسهم يردون على الهجمات
الإسرائيلية بدلًا من أن يقوموا هم بها. وقد عبّر عن ذلك رئيس الأركان الإسرائيلي
رافائيل إيتان بقوله: "إننا سنستمر في أخذ زمام المبادرة حينما نريد ومتى
نريد وبالكيفية التي نريدها. إن اهتمامنا الأساسي هو السيادة وسوف لا نسمح
للإرهابيين - ويقصد بهم الفدائيين - بالعودة إلى بوابة الحدود".
24- آثار عملية
الليطاني على سكان الجنوب:
"كان أعظم
أثر تركه الهجوم الإسرائيلي على سكان الجنوب هو تذكيرهم على الدوام بأن الوجود
الفلسطيني المستمر في المنطقة سوف يعوق توقف الحملات الإسرائيلية عليهم. كان
الإسرائيليون يراقبون القرويين وخاصة هؤلاء الذين يقطنون المناطق المتاخمة للحدود
عن طريق عميلهم سعد حداد. عاش سكان الجنوب في جو تسوده الغارات الليلية التي كانت
تُنفذ ضد هؤلاء الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين أو هؤلاء الذين يحوم حولهم الشك في
أنهم أعضاء في جماعات لبنانية مُعارضة لإسرائيل أو لحداد. وفي ديسمبر 1980 قام
الإسرائيليون بغارات هجومية روتينية كما هاجمت ميليشيات حداد 5 قرى قتلت فيها 3
أفراد بدم بارد وجرحت 10 وأتلفت أو حطمت 14 منزلًا. أدت هذه الحملات إلى ثلاثة
آثار هامة":
أولًا: ترك
الأفراد المنضمون إلى الحركة القومية اللبنانية قراهم وبذلك حُرمت الحركة من
إمكانيات التجنيد الإضافي وبهذا أصبح الطريق مفتوحًا أمام حركة أمل التي كان ينظر
إليها الجيش الإسرائيلي بود.
ثانيًا: تعلم
القرويون المنشغلون بالسياسة بأن أفضل وسيلة تحميهم من الزيارات المبكرة المفاجئة
غير المرغوب فيها هي الانضمام إلى حركة ما "أي حركة أمل" تلك الحركة
التي تمنع غير المرغوب فيهم من الدخول إلى قراهم. وقد شكل السكان في عدد من القرى
والمدن قوات أمن داخلية خاصة بهم تقوم بأعمال الدورية خلال ساعات الظلام. ومع
الزمن اندمجت هذه الجماعات من الميليشيات مع حركة أمل.
25- اتساع الهوة
بين الفلسطينيين وسكان الجنوب:
ثالثًا: خلاصة
ما نتج عن هذه الحملات هو اتساع الهوة بين حركة المقاومة الفلسطينية وسكان الجنوب.
وقد حدثت تطورات مشابهة لذلك في أحياء الشيعة ببيروت. ومع حلول عامي 1980 و1981
حمل العديد من الفلاحين البسطاء شعارات ضد الفلسطينيين. وبدلًا من إلقاء اللوم على
الإسرائيليين كما كان الحال في الماضي أصبحوا الآن يلقونه على الفلسطينيين
ويعتبرونهم مسؤولين عن الورطة التي يعيشون فيها. وقد حقق هذا التكتيك الإسرائيلي
وهو تنفير سكان الجنوب من الفلسطينيين نجاحًا هامًا لسياسة الأمن الإسرائيلي. إلا
أنه يمكن تتبع تراجع موقف القرويين اللبنانيين هذا منذ أوائل السبعينيات حينما هرع
الشيعة لتأييد الجيش اللبناني بعد الصدامات التي وقعت بينه وبين الفدائيين.
ومع ازدياد حدة
الصراع في لبنان ازداد انعزال الشيعة كمجتمع خاص بنفسه. في المراحل الأولى من
الحرب الأهلية قدم الشيعة إمدادًا قويًا لمعظم الجماعات المُناصرة لحركة المقاومة
الفلسطينية. وكانوا بسبب أوضاعهم النفسية ميالين إلى أن يُوصفوا بأنهم حلفاء
طبيعيون للفلسطينيين لكنهم وجدوا أنفسهم فيما بعد أنهم أكثر الضحايا في الحرب
الفلسطينية الإسرائيلية، وأنهم أصبحوا هدفًا للإسرائيليين لذلك عملوا على إيجاد
مسافة بينهم وبين الفدائيين. وفي مقابل ذلك كان الفدائيون ينظرون إليهم بشك وبغير
احترام.
"وواقع
الأمر أن الحملة الإسرائيلية لم تكن ستنجح لولا هذا السلوك النزوي والمُتعجرف وغير
الحساس الذي سلكه الفدائيون إلى درجة أنه أصبح من الشائع أن تسمع وأنت تزور قرية
شيعية أن الفلسطينيين هم المواطنون وأن اللبنانيين هم الضحايا. ومن هنا يمكن
القول: إن الحملة الإسرائيلية المكثفة مع بداية عام 1978 قد أدت إلى إعادة
التناقضات والتوترات الكامنة بين الشيعة والفلسطينيين إلى السطح. ومكّن ابتعادهما
عن بعضهما إلى إيجاد أرض خصبة نمت فيها حركة أمل التي وعدت بأن تُحقق الأمل الغالي
الذي يبحث الناس عنه وهو الأمن".
26- وقائع حادثة
اختفاء الصدر:
"وصل الصدر
إلى ليبيا مع اثنين من رفاقه هما الشيخ محمد شهادة يعقوب وشفيع عباس بدر الدين في
25 أغسطس عام 1978 في زيارة غير مُحددة المدة والغرض. وقد صرح أحد رفاق الصدر
القريبين منه بأن الزيارة كانت استجابة لدعوة من الزعيم الليبي معمر القذافي. وقبل
الصدر هذه الدعوة على أساس أنها سعي نحو تحقيق السلام في لبنان. وقد زار الصدر قبل
رحلته إلى ليبيا بعضًا من دول الخليج بالإضافة إلى الجزائر لذات الغرض. وتقول إحدى
الروايات أن الصدر قرر أن يُغادر ليبيا في 31 أغسطس 1978 في يوم احتفال ليبيا
بذكرى الفاتح من سبتمبر 1970 قابل الصدر رئيس مكتب العلاقات الخارجية الليبية
ويُفترض أنه قابل الزعيم الليبي.
يقول الليبيون
إن الصدر غادر ليبيا على رحلة للخطوط الإيطالية المتجهة إلى روما، وبالرغم من أن
هناك تقارير مشكوك فيها تقول إن الصدر لا يزال حيًا فإن معظم المراقبين المحايدين
يعتقدون أنه قد مات بناء على أقوال عدد لا بأس به من أتباعه الذين أسروا إليهم
بذلك".
27- الروايات
المُفسرة لاختفاء الصدر:
وهناك روايات
متعددة تحاول تفسير اختفاء الصدر. تقول واحدة من هذه الروايات أن الليبيين كانوا
قد أعطوا الصدر مبلغًا من زمن بعيد يُوازي المليون دولار، إلا أن الصدر لم يُقدم
كشف حساب عن هذا المبلغ الذي يُعتقد أنه وُضع في حساب له ببنك سويسري. وقد قرر
الليبيون بناء على هذا التصرف السيئ أن يقتلوه أو يسجنوه. وواقع الأمر أن هناك
أسبابًا متعددة تدعو إلى الشك في هذه الرواية، أولها أن هذه الأموال الليبية قد
وُزعت على عدد من التنظيمات الفلسطينية واللبنانية ومنها الاتحاد الاشتراكي العربي
دون بيان حساب ظاهري أو دقيق. وثاني هذه الأسباب هو ادعاء رفاق الصدر المقربين
إليه بأنه كان مديونًا بحوالي 2 مليون دولار ساعة اختفائه نتيجة للقروض التي وقع
عليها هو شخصيًا لتأسيس المعهد الفني الكبير في برج الشمالي. كما أن حساباته
الشخصية تكشف أنه لم يملك إلا قدرًا ضئيلًا من المال. وثالث هذه الأسباب هو أن نمط
حياة الصدر كان بسيطًا وأقرب إلى الزهد، ومن ثم ليس هناك من سبب يدعو للاعتقاد
بأنه احتفظ لنفسه بهذا المال الذي قد يكون قد استخدمه لتدعيم حركته. كما ظهر من
المقابلات التي أُجريت مع من كانوا يعرفونه بما فيهم المعارضون له أنه - أي الصدر
- لم يكن يُتهم بالفساد.
"وهناك
رواية أخرى تقول إن شاه إيران قد حرك جهاز مخابراته السافاك لقتل الصدر الذي كان
قد لعب دورًا ولو كان محدودًا في إثارة المشاعر ضد آل بهلوي في إيران، وهناك من
الناحية التقليدية علاقة وثيقة بين القادة الدينيين الشيعة في إيران ولبنان، خاصة
وأن العديد من الشيوخ اللبنانيين تدربوا في المدارس الدينية في إيران. وقد درس
موسى الصدر كما بينا سابقًا في قم. يضاف إلى ذلك أن الصدر لم يكن إيراني المولد
فقط بل كان على صلة مصاهرة بكل من الخميني وطباطبائي. أخت الصدر متزوجة من ابن
الخميني وابنته هي زوجة صادق طباطبائي ابن الطباطبائي الكبير. ولهذا تجد أن هناك
بعضًا من المعقولية في هذه الرواية. وحينما تشكلت قوات الأمم المتحدة في لبنان في
ربيع 1979 أمدتها إيران بكتيبة تبين أن رجالها من أقوى عملاء السافاك. وكانت
الوحدة الإيرانية طبقًا لتقارير المراسلين مشغولة في تحديد وعزل أتباع القائد
المعارض للشاه. وبالرغم من قوة الأسباب التي تدعو إلى قتل الشاه للصدر بناء على
هذه الرواية فإن أتباع الصدر والنظام الإيراني الحالي يصرون على إلقاء اللوم على
الليبيين. وقد قال أحد المسؤولين الإيرانيين في عام 1980: "إننا نعتبر أن
الحكومة الليبية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الغموض المستمر الذي يحيط بهذه
القضية". ومع ذلك فهناك رواية ثالثة تُنسب إلى شابور بختيار الذي قلده الشاه
السلطة حينما ترك إيران، في عام 1979 ادعى بختيار أن الشاه أرسل الصدر إلى لبنان
من أجل تعزيز مشروع إنشاء دولة شيعية تضم إيران والعراق ولبنان. وقد وعد الشاه
بـ500 ألف دولار مقابلًا لذلك لكن هناك نزاعًا حدث بعد أن فشل في توزيع هذا المبلغ
الموعود به". الشاه ليس المسؤول عن اختفاء الصدر كما يدعي بختيار ولكن
الخميني يدخل في قضية اختفاء الصدر شكل أهمية رمزية لحركة أمل.
28- الكراهية
المتبادلة بين الصدر والخميني:
ومع ذلك فإن
الشاه ليس المسؤول عن اختفاء الصدر كما يدعي بختيار. إن الخميني يدخل أيضًا في هذه
القضية. كان الصدر بالنسبة للخميني مُنافسًا قويًا وخطيرًا كما أشار إلى ذلك
الخبراء والقريبون من مصادر المعلومات الجيدة. وكان هناك تخوف حقيقي من أمل حتى
بعد انتصار الثورة الإيرانية. ومن المهم أن نشير إلى أن التفسير الأخير يحظى
بتأييد أحد رفاق الصدر وثيقي الصلة به الذي يعتقد أنه قُتل نتيجة مؤامرة، كما يرى
أيضًا أن الصدر والخميني كانا يكرهان أحدهما الآخر على الرغم من الروابط الدينية
وروابط المصاهرة بينهما.
29- آثار اختفاء
الصدر على حركة أمل:
على الرغم من
الغموض الذي يحيط باختفاء الصدر لا يزال قائمًا فإن هذا الاختفاء شكل أهمية رمزية
لحركة أمل. ارتفع الصدر إلى مرتبة الشهيد القومي عند العديد من الشيعة اللبنانيين.
تصدرت صور الإمام افتتاحيات صحف أمل كما أُعيد طبع خطبه وتعليقاته مُصاحبة بصورة.
وأطلق أعضاء الحركة على أنفسهم من حين لآخر بـ"الصدريين"، وارتدى معظم
الشباب الصغير في الحركة قلادات وأزرار وقمصانًا عليها صورة الصدر، وكان من
الطبيعي أن يصل الصدر إلى هذه الدرجة خاصة في مجتمع ليس له من الأبطال المعاصرين
إلا العدد القليل.
ولو كان الصدر
قد اختفى تمامًا من المسرح كان من المحتمل أن تكون سياسة الشيعة في لبنان أكثر
عنادًا عما كانت عليه منذ سنوات مضت، وفي الوقت الذي كان فيه أتباع الصدر يشيدون
بغيرته وإنسانيته والتزامه القوي تجاه لبنان، كانت هناك مسائل تُؤخذ على الصدر مثل
تغييره التكتيكي لحلفائه وكذلك دوره المتعمد أو غير المتعمد لصالح المؤسسات
المُضادة للثورية مثل مكتب مخابرات الجيش وكذلك طموحاته السياسية. ولو استمر الصدر
في جهوده في لبنان فإنه من غير المحتمل أن يكون قادرًا على التغلب على هذا الصدع
الذي أوجده بين الزعماء وأتباعه والعديد من الجماعات المندمجة مع الحركة القومية
اللبنانية.
لقد حقق اختفاء
الصدر فوائد عدة لحركة أمل. وجد العديد من الشيعة في الإمام المختفي رمزًا مُلزمًا
للتعبير عن عدم الرضا الذي يشعرون به. وقد أكمل اختفاء الصدر لغز هذا المزاج
السياسي للشيعة. وكان وسيلة ملائمة للتعبير عبر الحركة التي خلفها وراءه. هناك
البعض من قادتهم من يُسلم بأن اختفاءه كانت له قيمة كبيرة في التعبئة السياسية
لجماهير الشيعة لم يكن يُحققها وجوده ذاته كما أدى أيضًا إلى قلة حدة الانتقادات
التي تُوجه للحركة بسبب تبجيلها لذكراه واعتباره رمزًا لها.
يتبع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل