; الإطعام والأمن في السياسة الشرعية | مجلة المجتمع

العنوان الإطعام والأمن في السياسة الشرعية

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1982

مشاهدات 77

نشر في العدد 577

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 29-يونيو-1982

يقوم التشريع الاجتماعي في الإسلام على مبدأ التكافل. وليس المقصود بمبدأ التكافل أن الإسلام دعا الناس إليه ثم تركهم دون أن يحدد قنوات التكافل ويلزم المسلمين بها، والمقصود بالتكافل أن يكون أحاد الشعب في كفالة الجماعة، وأن يكون بناء الجماعة وسلامته في كفالة الآحاد والأفراد؛ التكافل الاجتماعي والملزم في التشريع الإسلامي هو في مغزاه ومؤداه أن يشعر كل فرد في المجتمع بأن عليه واجبات تجاه المجتمع عليه أداؤها، وأن للفرد حقوقًا في هذا المجتمع يجب على القوامين عليه أن يوصلوا الحقوق لأهلها دون أن يريقوا ماء الوجوه، ومن الحقوق الهامة للأفراد في ظل دولة الإسلام الغائية حق الأمن، وحق الطعام، وحق السكن وحرمته، وحق العمل، ومن ألطف الكتابات الإسلامية حول هذا الموضوع ما كتبه ابن حزم الاندلسي في الجزء السادس من كتابه الشهير:

«المحلى» ص 156:

«وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي، لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة.»

  • ويقول ابن حزم في نفس الكتاب الشهير «المحلى» ج 1، ص 158:

«أن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفل فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فيمنع من الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم»

  • ويعطي ابن حزم كل من جاع وعطش حق قتال المسلمين بل قتل من لديه فضل من طعام وماء يحبسه في داره ويمنعه عن باقي الناس المحتاجين إليه: 

«من عطش فخاف فرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده وأن يقاتل عليه ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير وهو يجد طعامًا فيه فضل عن صاحبه لأنه فرض على صاحب الطعام إطعام الجائع، فإذا كان ذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى لحم الخنزير وله أن يقاتل عن ذلك، فإن قتل الجائع فعلى قاتله القود «القصاص»، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقًّا وهو طائفه باغية والله يقول: فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ومانع الحق باغ».

  • كما ورد في الفقه الإسلامي أنه إذا كان هناك من لا يجد مأوى في حين أن بعضًا من الناس يملكون سكنًا يزيد عن حاجاتهم فعلى الحاكم إسكان هؤلاء جبرًا على المالك. «انظر الحسبة في الإسلام لابن تيمية- من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- ص 37» 

  • ومن ضمن التشريعات الإسلامية في تحقيق التكافل الاجتماعي الملزم هو تشريع الزكاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام والزكاة حق يوجب الإسلام أن تحصله وتجمعه السلطة السياسية وتوزعه على الفئات الثمانية التي حددها القرآن الكريم من الفقراء والمساكين وغيرهم، وإذا امتنع الأغنياء في المجتمع عن إخراجها كانوا آثمين، ومن حق المسلمين أن يشهروا السلاح في وجوههم ويقاتلوهم وما حروب الردة بين خليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر- رضي الله عنه- وقبائل العرب إلا حول هذا الأمر، فبعد وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- أرادوا منع الزكاة فقاتلهم أبو بكر ونصره الله عليهم.

  • هل في المال حق سوى الزكاة؟

نعم، يقرر الفقهاء أنه إذا لم تف الزكوات وما في بيت مال المسلمين بحاجات الناس ولم تقم الصدقات بسد هذا الواجب كان للدولة الإسلامية أن تفرض من الضرائب ما يسد هذا الواجب وما يقوم بحاجات الناس عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل، وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: في مالك حق سوى الزكاة، وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة- رضي الله عنهم- أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين وجعل يقوتهم إياها على السواء، فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة- رضوان الله عليهم- ولا مخالف لهم منهم وصح عن الشعبي، ومجاهد وطاوس وغيرهم وكلهم يقول: في المال حق سوى الزكاة «انظر فقه السنة- السيد سابق- المجلد الأول ص 421». 

  • إن ظواهر الفقر والحرمان والشظف التي تعيشها جماهير الإسلام في أوطانها هي نتيجة طبيعية لتعطيل أحكام الإسلام التي استهدفت في الأساس تفتيت الثروات لتصل إلى أكبر قاعدة إنسانية ممكنة، وإن هذا التكديس والخزن والكنز الذي تمارسه الطبقات الثرية يتعارض بشكل سافر مع أحكام وتشريعات الإسلام الاقتصادية ذات النزعة الجماعية والتي تتضارب مع الاتجاه الفردي في حبس المال والطعام وغيرها من الخيرات، وإن الإسلام قد عني بهذه القضية قضية الإطعام والأمن والإسكان بما يحقق مصلحة العموم لا الخصوص إلى درجة أن جعلها قضية تمس العقيدة في الله، وقد تؤدي بمن ينحرف عنها إلى نار جهنم والعياذ بالله ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾ (المدثر: 42 - 44).

الرابط المختصر :