العنوان الإعلام التحريضي بطانة سيئة أيضا
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1116
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
نقلت جريدة الحياة، في عددها الصادر يوم الإثنين ٩٤/٩/٥ تفاؤل أحد أعضاء ساء الحركة الإسلامية العمانية من أن الأزمة بين حركته والسلطات العمانية وشبكة الانتهاء، حيث توقع أن تراجع السلطة موقفها بعد ما تبين لها أنهم لم ولن يستخدموا العنف وليست لهم اتصالات خارجية، وأنهم حريصون على الوحدة الوطنية.
وأكدأنه جرى انفراج حقيقي في الأيام الأخيرة، وأشار هذا المسئول لجريدة (الحياة) بأن الحكومة العمانية قامت بحملة الاعتقالات بناء على معلومات معينة، ولحسن الحظ أنه بعدما تأكدت السلطات من عدم صحة تلك المعلومات خفت حدة الاعتقالات وطبيعة التفتيش وإذا صح هذا فإن هذا يسعد الجميع، فاستقرار الشقيقة عمان وأمنها يهمنا جميعا.
لكن كثيرًا ما تؤدي المعلومات الخاطئة إلى نتائج خاطئة خاصة إذا كانت هذه المعلومات مدعمة بالسلطة النافذة التي تعطيها صَلاحِيَة القرار النافذ، والإجراء العاجل والسيطرة على الحدث وتمثل أجهزة الاستخبارات في كل دولة مصدرًا كبيرًا لمثل تلك المعلومات السلطوية والتي ترسم للمسئولين صورة تلك المؤامرات والكوارث الوطنية والدسائس دون علم هؤلاء، والمعلومات التي ترسمها البطانة السيئة من المستشارين وعرابي القرارات تمثل مصدرا معلوماتيا سلطويا آخر؛ حيث لا يقاوم سحر تلك المعلومات، والمحلاة بأطباق النصح الأمين والحرص على الخير والسداد في المعروف- أحكم الحكام وأحلمهم.
لقد استطاع المعتزلة في عهد المأمون أن يوقفوا روح الأمة ونهضتها وحركتها العلمية السديدة بامتحان علماء الأمة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وكانت محنة العلماء والتي نسجتها بطانة المعتزلة وعلى رأسها أحمد بن أبي دؤاد في صورة الناصح الأمين (للمأمون)، وامتحنت الأمة وطبقة العلماء وتلامذتهم تلك الطبقة التي تمثل الجسد الحركي لحركة الدين.
لقد استمرت المحنة التي أحاطت بأهل السنة والجماعة ما يقارب سبعة عشر عامًا، حتى رفع الله المحنة على يد المتوكل، حيث تبدى الظلم عاريًا، وتكشفت المعلومات السلطوية المحمية بالبطانة السيئة على أنها هي المؤامرة، ورفع الله المحنة، وتأسف المتوكل على ما مضى من أذى الخلفاء للعلماء وأتباعهم على يد المعتزلة بطانة الحاكم المأمون.
اليوم هناك بطانة سيئة جديدة تلك هي الإعلام الرديء والمتحفز والمتربص والمحرض على كل ما هو إسلامي، وخصوصا ذلك الإعلام الغربي الذي لا ينصف الإسلام والمسلمين ولا روح حركة الدين المتمثلة في العمل الإسلامي جماعات ونشاطات وهيئات ومؤسسات لقد نشط الإعلام الرديء وتابعه الإعلام العربي العادي على غرار (أبي على التبريزي وتابعه قفة) في تدعيم ما يسمى بالخطر الأصولي.
فقد نجح الإعلام الغربي وتابعه (البطانة السيئة الجديدة)، في ترسيخ فكرة أن الحركات الإسلامية هي التي تهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وأطلق ذلك الإعلام مصطلحات يتداولها الناس كالأصولية والتطرف وخلطوا بشكل خبيث تلك المصطلحات مع الإسلام والحركات الإسلامية الناشطة ليتوهم الناس أن المسلمين والإسلاميين هم الخطر القادم.
حيث يصف أمير طاهري في مداده المتواصل في الشرق الأوسط المنشور بتاريخ ٢/١٩/ ١٩٩٣م، التجارة السياسية الجديدة والتي تروج للمخاوف من صعود الأصولية، وقد استعرض طاهري هذه النغمة التجارية الرائجة هذه الأيام من أكثر من طرف تبريرا للحصول على وضع سياسي أفضل مرورا بتصريحات الأوزبكيين وحكومة الفلبين، والفاشت في ميانمار وإسرائيل والصرب وصدام حسين، وكلهم يخشى قيام دولة أصولية.
وانتقد أمير طاهري تلك الجهود التطوعية من عدد من المثقفين الزائفين المُرْتَزِقَة لجعل الخطر يبدو أكثر جدية بأن قدموا النظريات والاصطلاحات الفنية الملائمة لمناقشة الأخطار.
أما «جيل كيبل» - أستاذ معهد الدراسات السياسية في باريس وصاحب كتاب «يوم الله»، فهو يؤكد بأن مصطلحي الأصولية والتطرف، دخيلين وغير دقيقين في تعريف التيارات الإسلامية؛ حيث أنهما (آتيان من العالم الكاثوليكي الأول) والعالم البروتوستانتي الثاني، وطالب الغربيين في أنه إذا أردنا أن نفهم هذه الحركات الإسلامية علينا ألا نلصق مفاهيم وتعريفات خارجة من المسيحية الغربية، ولهذا احتلت مواجهة المد الأصولي مساحات مهمة في مباحثات واشنطن/ تل أبيب في مارس ۱۹۹۳.
هذا التعاون الإعلامي المتعمد ضد الصحوة الإسلامية بكل مفرداتها وأجزائها واتجاهاتها هو هدف تسعى من خلاله دوائر الإعلام الغربي وتابعه من الإعلام العربي من تحريض الدول العربية بطريقة ما لإضعاف المعادلة الداخلية المستقرة للشعوب والدول العربية والخليجية حتى تترك المنطقة في فوضى من الفعل وردات الفعل السلبية الخطيرة، وحيث أن تقارير الإعلام اليومية شكلت في السنوات الأخيرة مصدرًا حيويًا ومعلوماتيا للقرار السياسي، بل شكلت الروح التي تدفع القرار السياسي في اتجاه معين، فلا تخلو التقارير اليومية التي تقدم إلى السلطات في أي بلد من ملخصات وقصاصات من نتاج الآلة الإعلامية الغربية و(تابعه).
وينتقد الدكتور مانع الجهني - الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي - في مقابلة أجرتها معه جريدة «الحياة» بتاريخ 3/٤ /١٩٩٣م تلك التقارير والحملات الإعلامية والتي تصور الصحوة الإسلامية بأنها أحد مصادر الإرهاب.
كما زرعت هذه الحملات الإعلامية في نفوس الكثير من قادة العالم الإسلامي بأن أفراد الصحوة وقادتها هم أعدائهم الحقيقيون ومنافسوهم الوحيدون على السلطة، ويستدرك قائلًا: «لكن العقلاء من الحكام وغيرهم من صانعي القرار في العالم الإسلامي يدركون أن الصحوة الإسلامية هي عودة الأمة إلى ذاتها ووعيها، وأن الخير في تعاون أفراد الصحوة مع السلطات الحاكمة في العالم الإسلامي، لما فيه خير الإسلام والمسلمين في كل مكان».
وقد أعرب المسئول الإسلامي العماني الذي طلب عدم ذكر اسمه لجريدة «الحياة» عن استعداد الإسلاميين في عمان للتعاون مع الدولة لحل الإشكال القائم، وأملنا في أن يستمر الاستقرار والوفاق في ربوع عمان الشقيقة على أفضل ما يكون.
إن الشباب المسلم هو روح الأمة الإسلامية المعنوية والدينية والذي تعتمد عليه كل دولة إسلامية في وقت الشدة، خصوصا وأن الحِقْبَة العبرية الجديدة والتي بدأت تلقي بظلالها على الأمة تحتاج إلى روح إيمانية يقظة.
إن حركة الدين وزبدة روحه الإيمانية المتمثلة في النشاط الإسلامي العام للهيئات والجماعات والمؤسسات الإسلامية لهو جدير بالمحافظة عليه في هذه المرحلة حتى لا نأسف كما أسف المأمون بعد قتل أخيه الأمين بمشورة بطانته وقائد جيوشه الطاهر بن حسين وردد نادما: «والله ما قتلت ولا أمرت ولا رضيت اللهم جلل قلب طاهر حزنا» فالإعلام التحريضي اليوم أيضا بطانة سيئة.